التهام الرئيس

27 سبتمبر 2020
الصورة

لفّت الحيرة أطباء الرئيس الذين لم يعرفوا سبباً علميّاً مقنعاً لهذه الندوب التي بدأت تظهر على جلده، أخيراً، وخصوصاً أن الفحوصات المخبرية كلها لم تؤشّر على وجود أي مرض عضوي، ولم يملكوا غير التوصية بعرضه على مختصين نفسيين، ولا سيما أن هذه الندوب مصحوبة بأعراض غريبة، من قبيل أنه حالما تظهر ندبة جديدة، يصيح الرئيس متألماً وهو يخفي وجهه بيديه. أما الأطباء النفسيون، فلم يكن تشخيصهم أفضل حالاً، بل كان كل ما عرفوه من الرئيس أنه يشعر وكأن هناك "كائنات" ترجمه بحجارة أو أحذية، من حين إلى آخر، ويكون مضطرّاً إلى حماية وجهه على الأقل. والغريب أن الآثار الناجمة عن هذا الرجم حقيقية، أما المسببون لها فغامضون بلا كينونة وجودية على أرض الواقع، وهو ما جعل الأطباء النفسانيين يُحجمون عن القطع بأن الرئيس يعاني من مرض نفسيّ.

أُرغم الرئيس على التعايش مع هذا الرجم الغامض، وإنْ لم ييأس تماماً في معرفة السبب، إلى أن بلغه تقرير أمنيّ، ذات يوم، يفيد بتعرّض أحد أصنامه الموزعة على عموم البلاد لوابل أحذية من جماهير غاضبة على تفشي الفقر والبطالة وكبت الحريات. عندها، انتصب فخامته واقفاً، وراح يربط بين زمن التظاهرة والأعراض التي شعر بها، فوجدهما متطابقين تماماً، فشعر ببهجةٍ غامرةٍ طغت على استيائه من تطاول الجماهير على تمثاله؛ لأنه ببساطة تمكّن من تشخيص الداء، ولم يبقَ غير وصف الدواء.

قبل ذلك بسنوات، وضع الرئيس خطة خمسية، قيّض لها أن تكون الوحيدة الناجحة بين جميع الخطط الاستراتيجية التي سبقتها أو تلتها؛ لأنها كانت تحت إشرافه شخصيّاً، وتُدعى "الخطة الخمسية لتعزيز الولاء الوطني"، وكان من أسباب وضعها أن الرئيس لمس، في الآونة الأخيرة، ضعفاً "مقلقاً" في الانتماء الوطني، عندما وقعت عيناه يوماً على مواطن واحد بين الجموع الغفيرة، لم يهتف بحياته ولم يصفق في أثناء مرور موكبه من أمامه.

أثار هذا التصرّف "الأرعن" حفيظة الرئيس، وشعر بأن ثمّة خطراً حقيقيّاً يهدّد "الأمن الوطني" إن استفحلت هذه الظاهرة، إن تُركت من دون علاج مبكّر، فوضع على الفور خطةً تتضمّن نحت مئات الأصنام لشخصه، ونشرها في عموم البلاد، مع تحذير الشعب بأنها تمثّل شخص الرئيس، بكل مهابته وقداسته، ولها ما له من فروض الطاعة والولاء، ومن يتعرّض لها بأدنى مهانة، فكأنه يهين "الذات الرئاسية"، وسيتم توقيع أقسى العقوبات بحق "مقترف الجريمة". الأغرب أن الرئيس كان على قناعة تامة بأن هذه الأصنام تمثله شخصيّاً، بل بلغ به الأمر حدّ أنه شعر بنوع من "التواصل الروحي" معها، واعتبرها حامياً لسلطته.

ولأنه كان رئيساً "جاهليّاً" بامتياز، فقد أوعز، أيضاً، بصنع أصنام من العجوة، على أن توزع في "الخطة الخمسية" اللاحقة، بإيعازٍ من بعض مستشاريه، للظهور بمظهر الرئيس الذي يكافح الجوع، على الرغم من أن الهدف الكامن، رغبته في أن يصبح جزءاً من "المكوّن العضوي الشعبي"؛ تعزيزاً لـ"الولاء الوطني" بالطبع.

عموماً، كان لا بدّ من الشروع بمرحلة العلاج، كي يتخلّص الرئيس من آلامه المبرحة، بعد تفاقم عمليات قذف "ممثّليه" بالأحذية والحجارة، فلم يجد مناصاً من إزالة هذه الأصنام من مواضعها، على الرغم من أنه كان أقسى القرارات وقعاً على نفسه. أفلح العلاج، وزايلت الندوب جسد الرئيس، وهيّأ البلاد لتنظيم احتفال وطني مهيب بمناسبة شفائه، إلى أن حدثت الطامة غير المحسوبة بسبب نسيان أمر أصنام العجوة، فقد استفاق الزعيم من نومه ذات صباح؛ منزوع الذراع، وما إن بدأ بتفقد الذراع الثانية حتى وجدها تختفي، مع ما صاحب ذلك من ألم مبرّح. وما كاد ينهض حتى فقد إحدى قدميه.

عندها فقط، أدرك الزعيم، متأخراً، أن "الخطة الخمسية الثانية لتعزيز الولاء الوطني قد بدأت".