التفاوض المستحيل في الأزمة الإثيوبية

التفاوض المستحيل في الأزمة الإثيوبية

03 ديسمبر 2021
الصورة

مجندون جدد ينضمون إلى قوات الدفاع الوطني الإثيوبية في أديس أبابا (24/11/2021/ فرانس برس)

+ الخط -

تسارعت الأحداث في إثيوبيا بعد إعلان قوات جبهة تحرير تيغراي المسلحة بداية الأسبوع الماضي استيلاءها على مدن استراتيجية، وأنها باتت على بعد أقل من مائتي كيلو متر من العاصمة أديس أبابا. كان الوضع ملتبساً على المتابعين، فمن ناحية انضم رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، لجيشه على الجبهة العفرية، ومن ناحية أخرى، كان التيغراي يؤكدون عزمهم محاصرة العاصمة. حتى وقت كتابة هذا المقال كانت المعارك بين الجهتين متواصلة مع نجاح ظاهر للجيش في إيقاف تقدّم المعارضين.

على عكس المتوقع، لم يكن لهذه المستجدّات أي أثر في ما يتعلق بالوساطات الحاضرة أو دعوات التفاوض، بل على العكس ساهمت في تصليب المواقف، حيث كان كل طرفٍ يصوّر أنه بات قاب قوسين أو أدنى من الانتصار. كان ذلك يجعل الطرفين غير مستعدّين للمساومة. الحكومة المركزية أصبحت أكثر تشددًا في شروطها التفاوضية التي تبدأ بالاستسلام والعودة إلى حدود إقليم تيغراي، في حين كانت جبهة تيغراي تؤكد أنها لن توقف مسيرتها قبل أن يتغير نظام الحكم، بما يشمل عزل رئيس الوزراء والتحضير لفترة انتقالية.

الأهداف الاستراتيجية لكل من الجيش المركزي وقوات تيغراي تبدو واضحة، لكن إمكانية تنفيذها تظل مثار شك

الأهداف الاستراتيجية لكل من الجيش المركزي وقوات تيغراي تبدو واضحة، لكن إمكانية تنفيذها تظل مثار شك، فقوات تيغراي تطمح إلى السيطرة على الطريق الرابط بين ميناء جيبوتي والعاصمة، من أجل أن تستطيع الضغط على الحكومة ومحاصرتها بما يقود إلى الاستسلام، في حين يهدف الجيش الإثيوبي إلى إيقاف تقدّم التيغراي ومحاصرتهم مع إلحاق أكبر قدر من الخسائر بهم، ليس فقط من بين المقاتلين، وإنما من بين المتعاطفين أيضاً.

مع ما تملكه المعارضة المسلحة من نقاط قوة، إلا أن انتصار أبي أحمد على "قوات دفاع تيغراي" وعلى "جيش تحرير الأرومو" وغيرهما من المجموعات التي اتّحدت، أخيرا، تحت مسمّى "الجبهة الموحدة للقوات الفدرالية والكونفدرالية الإثيوبية" لا يبدو مستبعداً، خصوصا مع ارتفاع الروح المعنوية للجيش، بعد انضمام أبي أحمد للمقاتلين.

يجب أن توضع في الاعتبار أيضاً الاختلافات العميقة بين المعارضين، والتي توحي بأن أي تحالف قد يكون مرحلياً، لكنه قد لا يستمر بعد إسقاط العاصمة. السبب أن بين التيغراي الذين حكموا البلاد فترة طويلة وعموم المكونات الإثنية الإثيوبية حساسيات كثيرة لن تجعل الأعراق والأقاليم الأخرى تستسلم بسهولة لفكرة عودتهم إلى الحكم. للتدليل على ذلك، يستخدم أبي أحمد التخويف من عودة التيغراي إلى الحكم ضمن خطاباته الدعائية لحثّ كثيرين على الوقوف معه، بل والتطوّع ضمن قوات الدفاع الشعبية. من هنا، سوف يكون دخول أديس أبابا صعباً، بسبب المقاومة الشعبية من جهة، ولكون المدينة تقع في نطاق إقليم أروميا أيضاً، ما يُفرز أسئلة حول جدّية التنسيق مع تلك القومية أيضاً.

الوصول إلى حل توافقي في ظل وجود أبي أحمد يبدو مستبعداً، تنظر المعارضة إلى شخصه جزءاً من المشكلة

إذا كانت الصورة بهذا التعقيد، فإن سؤالاً بسيطاً يفرض نفسه: لماذا كان يتم استبعاد خيار التفاوض الذي كان في وسعه أن يجنّب البلاد كثيرا من الخراب والدمار اللذين جعلا إثيوبيا تتحوّل، خلال عام، من أحد أمثلة النجاح السياسي الأفريقي إلى نموذج جديد لقصص التشاحن العرقي؟ لقد جعل تعنت رئيس الوزراء، الذي تحول أيضاً وفي ظرف وجيز من فائز بجائزة نوبل للسلام إلى متّهم بجرائم حرب، جميع خيارات التفاوض مستحيلة. ونتذكّر أن هذا العام (2021) شهد مبادرات كثيرة للتوسّط، من أهمها مبادرة الاتحاد الأفريقي. على الرغم من نفوذ أديس أبابا المعروف داخل مؤسسات الاتحاد، وعلى الرغم من أن جميع المبادرات الأفريقية، بما فيها مبادرة رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، بصفته رئيساً لمجموعة الإيغاد، كانت تقوم على محاباة السلطة الحاكمة والانطلاق من وجهة نظرها التي تعتبر معارضيها متمرّدين، إلا أن هذه المبادرات إما رُفضت أو فشلت، في ظل إصرار أبي أحمد الواضح على رهان الحل العسكري.

في القضية الإثيوبية، يصعب تحميل طرف واحد إثم تجاهل المعايير الإنسانية للحرب، فقد ساهمت كل من القوات النظامية والمجموعات المتمرّدة في الوصول إلى الصورة القاتمة الحالية، والتي وجد فيها المدنيون أنفسهم محشورين في الزاوية، لمجرّد الانتماء الإثني أو المناطقي. هذا ينطبق على الإدارة المركزية التي عمدت إلى محاصرة مجمل سكان تيغراي بشكل غير إنساني، بما يشمل قطع الإمدادات الغذائية والدوائية والمالية، ومنع وصول الإغاثات الدولية، كما عمدت إلى استغلال قانون الطوارئ لتقييد الحريات واستهداف أفرادٍ لمجرّد اتهامهم بأنهم خونة أو جواسيس. وينطبق أيضاً على قوات تيغراي التي تورّطت، وفق تقرير لمنظمة العفو الدولية، في أعمال كثيرة منافية للإنسانية، مثل اغتصاب نساء الأمهرة في المساحات التي تمدّدوا فيها. وتكمن خطورة هذا الأمر في تحوّل الصراع من مجرّد صراعٍ سياسيٍّ على طريقة الحكم أو شرعية الحكومة إلى صراع إثني ومناطقي، وهو ما يضع عموم الأمهرة في مواجهة عرقية مع التيغراي تذكّر بالسيناريو الرواندي.

على الصعيد الدولي، تبدو جميع الأطراف في حالةٍ من الترقب، بما فيهم الولايات المتحدة التي كانت على مدى عقود حليفاً مهماً للإدارات الإثيوبية المتعاقبة، والتي بات النظام ينظر إليها اليوم كعدو ومحرّض. الموقف الأميركي السائل صعب التفسير، فلا يمكن الجزم بما إذا ما كان ناتجاً عن عدم القدرة على التدخل أو عن الرغبة في إيجاد شريك جديد.

على الوسطاء الدوليين عمل ما في وسعهمم من أجل إقناع أطراف النزاع بأهمية بقاء إثيوبيا موحدة

توسع تيغراي وامتدادهم في أقاليم مجاورة جرّ أطرافا جديدة للصراع، في مقدمتها العفر، القبيلة الممتدة والعابرة للحدود الإثيوبية الجيبوتية الإريترية. بسبب وقوع مناطقهم على طريق جيبوتي - أديس أبابا الاستراتيجي، كان للعفر دور حاسم كجزء من معادلة الصراع.

الحديث عن العفر، بغالبيتهم المسلمة، في سياق الأزمة الإثيوبية، مهم، لأنهم من المجموعات التي تحتفظ بولائها للحكومة المركزية التي هي في نظرهم أقرب إلى تحقيق مصالحهم من التيغراي الذين ظلموا في عهد حكمهم وعانوا من التهميش. هذا يفسّر اختيار أبي أحمد جبهتهم، كما يفسر لماذا كان تقدّم التيغراي صعباً في مناطقهم، حيث ألحق مقاتلو العفر الهزيمة بهم، وأجبروهم على التراجع خارج إقليمهم.

عودة إلى السؤال نفسه: هل ما زال الوصول إلى توافق مرضٍ خياراً مستبعداً، أو كما تم وصفه مستحيلاً؟ الحقيقة أن الوصول إلى حل توافقي في ظل وجود أبي أحمد يبدو مستبعداً، فللأسف تنظر المعارضة إلى شخصه جزءا من المشكلة وشخصا غير مرغوب في وجوده في ظل أي مساعٍ للحل، بل يذهبون للقول بعدم شرعيته، وهو ما يجعل الأمور شديدة التعقيد بالنظر، لأن الأخير لا يبدو عازماً على تسليم السلطة. في المقابل، يرفع التيغراي من سقوفهم التفاوضية، للمطالبة، مع إسقاط النظام، بالاحتفاظ بأراضٍ كثيرة دخلوها أخيرا. ويعتبر مقترح استقلال تيغراي الذي بدأ يطفو على السطح أحد الحلول المطروحة على الطاولة، والمقبولة من أطراف داخلية كثيرة، ترى أن هذا الانفصال ربما يقود إلى نزع فتيل التوتر الإثني في إثيوبيا بشكل أكثر حسماً من مجرد الحصول على حكم ذاتي ضمن كونفدرالية.

سوف يتوجب على الوسطاء الدوليين عمل ما في وسعهمم من أجل إقناع أطراف النزاع بأهمية بقاء إثيوبيا موحدة، لكن هذا يعتمد أيضاً على وجهات نظر أولئك الوسطاء ومدى حرصهم على هذه الوحدة، وهو أمر ما يزال موضع شك.