ألغام القواعد الأجنبية في ليبيا

05 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

"هناك عشر قواعد عسكرية تشغلها، بشكل جزئي أو كلي، قوات أجنبية، إضافة إلى عشرين ألف جندي ومرتزق أجنبي في بلادكم". البلاد المقصودة هي ليبيا، والمتحدثة هي المبعوثة الأممية بالإنابة، ستيفاني وليامز. والمناسبة هي الاجتماع الثاني بتقنية الاتصال المرئي من الجولة الرابعة لملتقى الحوار الليبي في تونس قبل أيام. ولا ريب أن كثرة من المشاركين الليبيين في الحوار، شأنهم شأن المتابعين في الخارج، يدركون أن النزاع الذي أثاره الجنرال خليفة حفتر للاستيلاء على السلطة قد أدّى إلى تموضع قوات أجنبية مناصرة للجنرال، من جنودٍ ومرتزقة، وأنه كان من المتوقع إقامة قواعد عسكرية في المناطق التي يسيطر عليها حفتر، ولاحقا في المناطق التي تسيطر عليها حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، غير أن كثيرين لن يخطر ببالهم أن يصل عدد القواعد العسكرية إلى عشر قواعد بهذه السرعة النسبية، وفي بلادٍ ليست مترامية الأطراف، غير أن الأمر يغدو أقل غموضا مع استذكار أن ليبيا كانت تتمتع بوجود نحو 12 قاعدة عسكرية على أراضيها (منها القاعدة الشهيرة الوطية في وسط البلاد التي استعادتها قوات الوفاق في يونيو/ حزيران الماضي)، وأن قوات أجنبية قد تموضعت في أغلب هذه القواعد، فيما تم، كما يبدو، وعلى عجل، إنشاء قواعد عسكرية جديدة.

والراجح أن تقديرات المبعوثة الأممية ليست ارتجالية أو ظنّية، إذ إن للمنظمة الدولية القدرة على الرصد والمتابعة والتقصّي هنا وهناك بأقل العوائق أمام ممثليها. ولم يغِب المبعوثون الأمميون عن هذا البلد، حتى قبل إسقاط نظام معمر القذافي، وكان المبعوث الأول وزير الخارجية الأردني الأسبق، عبد الإله الخطيب، الذي أرسل في مهمة عاجلة، سعياً وراء حقن الدماء، في إبريل/ نيسان 2011، وقد مكث أربعة شهور فقط. أما المبعوثة الحالية، ستيفاني وليامز، فهي السابعة من الأمم المتحدة إلى بلد عمر المختار. وجرى تعيينها من الأمين العام في مارس/ آذار من هذا العام، بعد استقالة المبعوث، غسّان سلامة. وسبق لهذه الدبلوماسية الأميركية أن عملت قائماً بالأعمال بالإنابة في سفارة بلادها في طرابلس خلال العام 2018.

النزاع الذي أثاره الجنرال حفتر للاستيلاء على السلطة قد أدّى إلى تموضع قوات أجنبية مناصرة له

لقد أقيمت قواعد مفترضة، وتم الاستيلاء على قواعد قائمة، في ظروف النزاع الداخلي، وفي غياب استقرار الدولة وتبلور شرعيتها، وقبل استنهاض كامل مؤسساتها الدستورية، ونشأت في خضم المواجهات العسكرية أو التحضير لها أو التهديد بها، ومع التحشيدات والتزويد بالسلاح، بمختلف أنواعه، على الرغم من الحظر الأممي على توريد السلاح إلى ليبيا. وما دامت تقديرات المبعوثة الأممية تتحدّث عن عشرين ألف جندي ومرتزق أجنبي، فمن الطبيعي أن تكون القواعد العسكرية المومأ إليها مراكز إيواء وتدريب لهذه القوى الأجنبية، سواء أكانت قواعد مستحدثة أم قديمة ووضعت اليد عليها قوى أجنبية.

من المستبعد أن تتناول جولات الحوار في تونس والمغرب ودول أخرى ملف القواعد العسكرية الأجنبية بصورة تفصيلية

ومن المستبعد أن تتناول جولات الحوار في تونس والمغرب ودول أخرى ملف القواعد العسكرية الأجنبية بصورة تفصيلية، بصورة عامة، وذلك نظراً إلى حساسية هذا الموضوع، ولطابعه العسكري التقني، ولتفادي أية عرقلة أو تهديدات قد تصدر عن تلك القواعد، وعن الدول التي تقوم بتشغيلها. ومن المهم في جولات الحوار، وفي أفق حلٍّ وطنيٍّ متوافقٍ عليه، اتخاذ موقف مشترك بين المتحاورين، يعهد لحكومة شرعية توافقية بتقرير مصير القواعد التي أقيمت أو تم إشغالها منذ العام 2011، بما يتماشى مع اعتبارات السيادة والأمن الوطني.

ومعلومٌ أن الجنرال خليفة حفتر قد فتح الباب واسعا أمام استقدام قوات أجنبية من الشرق والغرب، لتعزيز حظوظه السياسية وفرصه العسكرية في القفز إلى الحكم، مستلهماً في ذلك التجربة الدموية لنظام دمشق في استقدام قوات إيرانية وروسية، علاوة على عشرات المليشيات الطائفية من لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان وغيرها، وذلك لتثبيته في الحكم. وقد بدا حفتر، على الرغم من عجزه عن الاستيلاء على العاصمة، ومستقويا بالقوات الأجنبية، في موقع المهيمن المقتدر، رافضاً الحلول السياسية، متنكّرا للاتفاقيات، ومزدريا الجهود الإقليمية والدولية لحل النزاع، بما في ذلك جهود الأمم المتحدة. 

حكومة شرعية توافقية سوف تنظر في الوجود الأجنبي في البلاد، بما فيه التركي، إلى جانب الروسي والفرنسي وسواهما

وأمام الاختلال الذي بدا فادحا في موازين القوى في ليبيا في أواخر العام الماضي (2019)، ومع بروز خطر إسقاط العاصمة طرابلس، وتعرّض أحيائها للقصف شبه اليومي، فقد لجأت حكومة الوفاق الشرعية، لأول مرة في مجرى النزاع، إلى توقيع اتفاقية أمنية مع تركيا، من أجل سد النقص في المعدّات، وللتغلب على سيطرة قوات حفتر على الأجواء. ولولا هذا الدعم، لسادت أجواء انقلاب عسكري، ولأقيم مُجددا حكمٌ فردي غير مدني، ولما تم شق الطريق نحو الحوارات السياسية، ولما نشطت المباحثات بين الأطراف الليبية كافة، ولما تنامى الإدراك بأن استمرار النزاع والتنازع يمثل مصلحة خالصة لأطراف خارجية، لا لليبيين الذين يدفعون أثمانا باهظة من أرواحهم وثرواتهم ومقدّرات بلادهم. وبطبيعة الحال، فإن حكومة شرعية توافقية سوف تنظر في الوجود الأجنبي في البلاد، بما فيه الوجود التركي، إلى جانب الوجود الروسي والفرنسي وسواهما، بما تمليه مقتضيات السيادة والمصلحة الوطنية العليا.

وإلى أن يحين ذلك، من المهم، في هذه المرحلة، عدم الاستقواء بأية صورة بالقواعد العسكرية التي يشغلها أجانب، واعتبار هذا الوجود مؤقتا وبرسم المغادرة، أو على الأقل قيد المراجعة، وذلك حتى لا تتحوّل هذه المراكز العسكرية إلى بؤر للتفجير، أو مصدر للتوتير أو حقول ألغام في المرحلة التمهيدية هذه، وما يتلوها من مرحلة انتقالية تضع حدّا للنزاع، وتفتح الأبواب أمام توحيد المؤسسات، وإعلاء شأن القانون والوحدة الوطنية، والاندفاع إلى معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وتأمين الخدمات الأساسية من وقود ومياه وكهرباء ودواء، وضمان عودة النازحين من جميع المناطق إلى مساكنهم. والأهم من كل ما تقدّم قطع الطريق على أية محاولة لتجديد النزاع، وضمان احترام وقف إطلاق نار شامل وكامل، وتجريم من يعمل على خرقه، ومنح الليبيين فرصة التمتع بسلامٍ حُرموا منه طيلة العقد الأخير.