أسئلة الانتخابات الفلسطينية

أسئلة الانتخابات الفلسطينية

10 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

لماذا الانتخابات الفلسطينية الآن بعد غياب نحو 15 عامًا؟ وكيف تم التوافق بين حركتي فتح وحماس على عقدها؟ وما هو دور القوى الدولية والإقليمية، وتغيّر الإدارة الأميركية، في ذلك؟ وهل ستفي الدول الضامنة للانتخابات بوعدها، إذا ثبت أن حسابات حقلها لن تتوافق مع الحصاد المتوقع للنتائج؟ هل ستُنهي هذه الانتخابات الانقسام الفلسطيني، أم ستكتفي بشرعنته وإدارته؟ ولماذا تؤجّل الملفات العالقة، وخصوصًا المتعلقة بقطاع غزة، إلى ما بعد الانتخابات؟ وهل سنشهد الانتخابات في مواعيدها المحدّدة، أم ستؤجل، أم ستُقصر على انتخابات المجلس التشريعي، وتؤجل انتخابات الرئاسة؟ وماذا عن استكمال المجلس الوطني؟ هل ستتوافق "فتح" و"حماس" على قائمة واحدة، أم ستتفقان على قوائم غير مكتملة يتقاسمان بها أغلبية مقاعد المجلس التشريعي؟ وهل اتفقت الحركتان على نسبة تمثيل كل منهما في الانتخابات؟ وإذا كانت "حماس" قد قدّمت ضمانات، بعدم تبنيها أي مرشح غير محمود عباس في انتخابات الرئاسة، هل سيصمد ذلك إذا ما ترشح مروان البرغوثي؟ وكيف يمكن لهما ضمان السيطرة على قاعدتها حين تقف أمام صندوق الانتخابات؟ هل ستتمكن اللجنة المركزية لحركة فتح، بقيادة الرئيس عباس، من تقديم قائمة فتحاوية واحدة؟ أم سنشهد قوائم مختلفة لرموز من الحركة تنافس قائمة "فتح" الرسمية؟ وما تأثير ذلك في نتائج الانتخابات النهائية؟ وهل ستتمكّن حركة فتح، على الرغم من تعدّد قوائمها، من إعادة توحيد صفوفها بعد الانتخابات؟ وما تأثير ذلك كله في حركة فتح وتوازناتها، بل وفي المشهد السياسي الفلسطيني كله؟ هذا ما تحاول هذه المقالة الإجابة عنه على الرغم أن هذه الأسئلة، والاحتمالات التي تنتج منها، تفتح الباب واسعًا لأسئلة أخرى تتولد عنها، وقد نحتاج بعض الوقت للتوصل إلى اليقين حولها.

مضت خمسة عشر عامًا على آخر انتخابات لرئاسة السلطة الفلسطينية، واختيار أعضاء المجلس التشريعي

مضت خمسة عشر عامًا على آخر انتخابات لرئاسة السلطة الفلسطينية، واختيار أعضاء المجلس التشريعي، حين سبقت انتخابات الرئاسة انتخابات المجلس التشريعي، على عكس ما يجري الآن. وفي عام 2006، اهتزّ المشهد السياسي في الأرض المحتلة، بعد فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، ولم تنجح حكومة الوفاق الوطني التي شُكّلت برئاسة إسماعيل هنية في احتواء الموقف، ورفضت الرباعية الدولية، وأطراف عربية، الاعتراف بالشرعية الجديدة، وجرت محاولات للانقلاب عليها، ما أسس للانقسام الفلسطيني، ونشوء سلطتين في رام وغزة، ولم تفلح الجهود في حل معضلة الانقسام، على الرغم من الاتفاقات المتلاحقة لتشكيل حكومات وحدة وطنية، أو إطار قيادي موحد، لكنها لم تساوِ الحبر الذي وُقعت به.

تغيّر هذا المشهد عندما توافق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على رؤيتهما التوراتية التي عُرفت باسم صفقة القرن، إذ شعر الكل الفلسطيني بالخطر الداهم، وأدرك الرئيس محمود عباس أن هذه الصفقة تُنهي آخر أمل له في حل الدولتين، وأن المطروح لا يمكنه الموافقة عليه أو الانطلاق منه، ومع أن الصفقة تحدثت للمرّة الأولى عن دولة فلسطينية، بعدما رفض الكيان الصهيوني، على مدى أعوام، الاعتراف حتى باسم السلطة الوطنية، وأصرّ على أنها، كما ورد في اتفاق أوسلو وقبله في اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، سلطة حكم ذاتي محدود. ويومها قال نتنياهو إنه غير معني بالاسم الذي يسمي به الفلسطينيون سلطتهم، حتى وإن سمّوها الإمبراطورية العظمى، فما يعنيه طبيعتها التي عرف الرئيس محمود عباس، ومعه حركة حماس والفصائل الفلسطينية، أنها كانتونات منفصلة وغير متصلة.

كانت مواجهة "صفقة القرن" النقطة التي اتحد حولها الفلسطينيون

كانت مواجهة "صفقة القرن" النقطة التي اتحد حولها الفلسطينيون، واستمر ذلك على الرغم من إعلان الرئيس عباس، ومنذ اليوم الأول الذي أعلن فيه قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية، ووقف التنسيق الأمني، تمسّكه بالمفاوضات، والعودة إليها، وكان واضحا أنه ينتظر تغيّر اتجاه الرياح الدولية المرتبط بنتائج الانتخابات الأميركية. ولم يتغير إجماع الفصائل، على الرغم من نكوص السلطة الفلسطينية على تعهداتها السابقة، واتفاقها مع منسق شؤون المناطق الإسرائيلي على إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، بما فيها التنسيق الأمني. كما وافقت هذه الفصائل لاحقًا على عدم تزامن الانتخابات، بذريعة تلقيها ضماناتٍ عربية وإقليمية ودولية، ووافقت على ترحيل معظم القضايا الخلافية، بما فيها ملفات المصالحة والموظفين والانقسام إلى ما بعد الانتخابات. وهو ما يعبّر عن وضعٍ صعب يواجهه طرفا السلطة في غزة ورام الله في آن، فعلى الرغم من هزيمة ترامب، وتراجع صفقة القرن، إلا أن الكيان الصهيوني ما زال مصرًا على المضي في تنفيذها، وعلى قضم مزيد من الأرض الفلسطينية، في الوقت الذي ما زال فيه قطاع غزة خاضعًا لحصار ظالم، وعرضة لمغامرات عسكرية صهيونية.

الانتخابات لا تعني المصالحة وإنهاء الانقسام، بل تكرّس تقاسم السلطات، كلٌ في منطقته

يشكل ذلك حافزًا مشتركا للطرفين نحو مزيد من التفاهم لتجاوز هذه المرحلة على الأقل، وخصوصًا أن الرئيس عباس يعرف، وعبر رسائل تلقاها، ضرورة تجديد الشرعيات المنتهية مدتها منذ أمد طويل، كي يكون مؤهلًا للانخراط من جديد في دائرة المفاوضات، والعمل السياسي، وتلقي المعونات الاقتصادية للإبقاء على سلطته قائمة، وهو لا يختلف كثيرًا عن واقع سلطة حماس في قطاع غزة، والتي صمدت في مواجهة الاجتياحات العسكرية، والحصار، وقطع الرواتب، وملاحقة عملها السياسي في الضفة الغربية، فهي وقطاع غزة بحاجة إلى التقاط الأنفاس. ومن هنا، كان استمرار موافقتها على السير في العملية الانتخابية، وفق شروط الرئيس محمود عباس، والسير باتجاه حل العقبات التي تعترض ذلك تدريجيًا، وتأجيل القضايا المهمة إلى ما بعد استحقاق الانتخابات، على الرغم من نكوص عباس على قرارات المجلس المركزي الفلسطيني، وإعادته التنسيق الأمني، وإعلانه تمسّكه ببرنامجه السياسي، وعدم تراجعه عن سياساته.

ضمن هذا السياق، يتضح أن هذه الانتخابات لا تعني المصالحة وإنهاء الانقسام، بل تكرّس تقاسم السلطات، كلٌ في منطقته. وإذا أحسنّا الظن قد تساهم في إدارة هذا الانقسام، ولعل ذلك قد يساهم في حل بعض القضايا الحياتية للشعب الفلسطيني في داخل الأرض المحتلة. ولعل الطرفين ينتظران بعدها متغيرات عربية أو إقليمية ودولية تمهد الطريق إلى مزيد من التفاهم، أو إلى إنهاء حالة إدارة الانقسام، والعودة إلى الحالة السابقة أو أشدّ منها، يعزز ذلك التفاهمات التي حدثت، وتلك التي لم تُبحث بعد، فقد تم الاتفاق على أن تشرف شرطة السلطتين في غزة والضفة، كلٌ في منطقتها، على مواقع الاقتراع، وهو إقرار بوجود هاتين السلطتين، على خلاف ما كان يجري، حيث كانت مرابطة الحرس الرئاسي شرطًا لفتح معبر رفح، وكان هناك إصرار من سلطة رام الله على مظاهر سيادتها في القطاع، في حين أن محكمة الانتخابات شُكّلت على أساس تقاسم جغرافي، وليس على أساس كفاءة القضاة. ورُحّلت مسائل، مثل السلاح، وأجهزة الأمن، وتوحيد المؤسسات، إلى ما بعد الانتخابات. ولعله في اللحظة التي تُبحث فيها تلك المسائل، إضافة إلى مسألة التنسيق الأمني والعقيدة الأمنية، سينهار كل شيء، ولن تُبحث هذه إلا إذا شعر أحد الطرفين بأن تغيّرًا يصبّ في صالحه يؤهله لخوض مثل هذا الصراع.

تراهن قيادة "فتح" على استيعاب جميع الناجحين من القوائم الفتحاوية المختلفة في كتلة واحدة، بعد الانتخابات، على أساس إعادة العمل بقانون المحبة

ستُفتح أبواب الترشيح للقوائم الانتخابية خلال أيام، وما زالت عقباتٌ جمّة تقف أمام إنهاء هذه الانتخابات بسهولة ويسر. تراجعت فكرة إنشاء قائمة مشتركة تضم حركتي فتح وحماس، وتُلحق بها بعض الفصائل بمسمّى قائمة وحدة وطنية، وهو كان الخيار المفضّل في البداية، لبناء الثقة بين الطرفين، وضمان عدم تكرار ما حدث في انتخابات عام 2006، لكن خيار الاتفاق على ذهاب كل طرف بقائمة ناقصة، تمثّل حصته المتفق عليها ما زال قائمًا، ما يجعل من هذه الانتخابات أقرب إلى المحاصصة. قد تلتزم "حماس" بحصتها من هذا الاتفاق، ولكن ماذا عن "فتح" التي بدأت تعاني من ارتباكات كبرى في تشكيل قوائمها قد تؤثر في مجرى العملية الانتخابية كلها، وتذكّر بما حدث في الانتخابات السابقة، حين أصرّ عشرات الكوادر الفتحاوية على خوض الانتخابات في المقاعد الفردية، على نحو تسبب بخسارة "فتح" أغلبية تلك المقاعد. ومع أن الانتخابات تجري هذه المرة على أساس القوائم وليس المقاعد الفردية، فإن ثمّة أنباء عن الاتجاه نحو تشكيل أربع قوائم فتحاوية خارج القائمة الرسمية، ويبدو أن وساطة بعض الأنظمة العربية لتحقيق مصالحة بين حركة فتح ومحمد دحلان لم تنجح، وكذلك لم تفلح تهديدات الرئيس محمود عباس لمن يودّ الترشح في الحد من ذلك، بل لعلها فاقمت الوضع سوءًا.

هناك في انتخابات المجلس التشريعي قائمة الملتقى الوطني الديمقراطي، التي أعلنها عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ناصر القدوة، وفسح المجال فيها لمروان البرغوثي وأنصاره للانضمام إليها، كما ترك المجال مفتوحًا لأنصار التيار الإصلاحي (محمد دحلان) للانضمام إليها أيضًا، وكذلك لشخصيات يسارية وليبرالية. ويبدو أن هذه القائمة قد حسمت أمرَها، ولن يتراجع القائمون عليها أمام الضغوط أو التسويات. ويظل السؤال عما إذا كان ناصر قد حصل على ضوء أخضر من جهات عربية أو دولية في محاولة لتشكيل بديل للسلطة المتهالكة حيث يُكثر القدوة من الحديث عن انهيار النظام السياسي وضرورة إعادة بنائه. وهناك قائمة يسعى نبيل عمرو وآخرون إلى تشكيلها، ويتوقف ذلك على نتائج المفاوضات التي تتم في أروقة "فتح"، مثلها مثل قائمة مروان البرغوثي وأنصاره. وإلى جانب ذلك، ستأخذ من رصيد "فتح" قائمة التيار الإصلاحي (محمد دحلان)، التي لم يعجبها حديث القدوة عن ارتباطها بالإمارات، واستثنائه رموزها المعروفة. وثمّة قوائم أخرى ستأخذ من رصيد "فتح" الانتخابي، مثل قائمة رئيس الوزراء السابق سلام فياض.

اللافت في القوائم الفتحاوية أنها لا تخرج عن برنامج عباس السياسي، وتقتصر على انتقادها أداءه السياسي

اللافت في هذه القوائم أنها لا تخرج عن البرنامج السياسي لمحمود عباس، وتقتصر على انتقادها أداءه السياسي، والطواقم التي تعمل معه. ومن هنا، ثمة احتمال استيعاب بعضها في قائمة "فتح" (مروان البرغوثي ونبيل عمرو)، لكن المرجّح أن يبقى ناصر القدوة على موقفه. وهنا، قد تراهن قيادة "فتح" على استيعاب جميع الناجحين من القوائم الفتحاوية المختلفة في كتلة واحدة، بعد الانتخابات، على أساس إعادة العمل بقانون المحبة الذي حكم مسيرتها التاريخية، لكن هذا قد يعني تغييرًا في المعادلات الداخلية المسيطرة الآن، بما في ذلك مرحلة ما بعد محمود عباس.

لو افترضنا جدلًا أن "فتح" قد تجاوزت انتخابات المجلس التشريعي، فإنها ستواجه وضعًا صعبًا، إذا لم تفلح المفاوضات مع مروان البرغوثي بوضعه على رأس قائمة فتح، وهو ما رفضه البرغوثي، لأنه يحرمه فرصة ترشّحه للرئاسة. ولذا، تجري محاولةٌ أخرى لإقناعه بأن يقبل بمنصب نائب الرئيس (يحتاج مرسوما لتعديل القانون)، وأن ينخرط أنصاره في مقاعد مضمونة ضمن قائمة "فتح". وإذا فشلت هذه المحاولات، فسيواجه محمود عباس خيارًا صعبًا، فهنالك مرشّح يحظى بشعبية كبيرة، وقد لا يستطيع هو و"حماس" ضمان تصويت قواعد الحركتين. كما أن ذلك يعطي قوة للقوائم الفتحاوية المنافسة التي ستعلن كلٌ منها تمسّكها بترشيح البرغوثي، وهي حالة سيضطرب فيها النظام السياسي الفلسطيني بأسره بأشد مما حدث في عام 2006، وقد تدفع الرئيس عباس إلى تأجيل الانتخابات أو إلغائها، سواء بقرار منه أم بضغط عربي ودولي لا يريد تطوراتٍ غير مرغوب بها في الساحة الفلسطينية. وهنا سنبدأ رحلة البحث عن بدائل، وقد يُستخدم الرفض الإسرائيلي بعد الانتخابات الإسرائيلية ذريعة لإلغاء الانتخابات الفلسطينية. وخلاصة القول إن الوضع الفلسطيني على أبواب نهاية مرحلةٍ وبداية أخرى، وأن ثمة أسئلة ستجد قريبا إجابتها.