"عرب 1948" في ساحة فلسطين

"عرب 1948" في ساحة فلسطين

20 مايو 2021
الصورة

فلسطينيون في حيفا في تجمع يندد بالممارسات الإسرائيلية (18/5/2021/Getty)

+ الخط -

انطلقت الشرارة الأولى بنيرانٍ ارتدّت على نفسها. وهذه موادها المتفجّرة: السلطات القضائية الإسرائيلية تصدر قراراً بإخلاء فلسطينيين من بيوتهم الواقعة في حيّ الشيخ جرّاح بالقدس الشرقية. وحيثيتها القانونية تقوم على اعتبار أن اليهود أصحاب الحق بهذه البيوت يملكون صكوك ملكيتها العائدة إلى العام 1948. أي عام النكبة، عندما توّجت العصابات الصهيونية إنجازاتها بطرد المليون فلسطيني من ديارهم، وبنَتْ دولتها على سلبها ممتلكاتهم. هكذا، وبمجرّد حيثية قانونية، استعيدت ذاكرة فلسطين، بل تفجّرت. فإذا كان يحقّ لليهودي، صاحب ملكية البيت قبل 1948، بأن يعود له بيته، فإن للفلسطيني حقًا أسبق منه، بإعادة كل ممتلكاته المنهوبة من أيادي العصابات الصهيونية ودولتها من بعدها.

من هذا القياس المنطقي "البسيط"، ابتعدت القضية الفلسطينية من النسيان، من التلاعب، من الاستثمار، ونزلت على الضميرَين، العربي والعالمي. وكأن القياس يعيد الموضوع إلى أصله، إلى جذره، فيُستعاد التاريخ، بحذافيره أحياناً، كتابة وقولاً ومواقع تواصل وتظاهرات .. ويضطر المُمتَنعون والمُتناسون للإقرار بأن فعلا ثمة عطبا أخلاقيا - سياسيا في تأسيس إسرائيل. وتذكّرا وتذكيرا... لم يحصلا منذ الستينات والسبعينات، عندما كانت القضية الفلسطينية في عزّ حضورها.

إذا كان يحقّ لليهودي، صاحب ملكية البيت قبل 1948، بأن يعود له بيته، فللفلسطيني حقً أسبق منه، بإعادة ممتلكاته المنهوبة من أيادي العصابات الصهيونية ودولتها من بعدها

بعيد ذلك، وفي مناسبةٍ رمضانيةٍ تكثر فيها الصلاة والتراويح، كان رواد المسجد الأقصى من الفلسطينيين يكابدون من ممنوعات الشرطة واستباحات المستوطنين المتطرّفين واستفزازاتهم. فتظاهرات وصدامات واعتصامات وكرّ وفرّ... وسقوط جرحى. لم تنتهِ فصولها، ولم تُحسم نهاياتها. وفي هذه الأثناء، اشتعلت المدن المسمّاة "مختلطة"، حيث يسكن يهود وفلسطينيون: بدأت في مدينة اللد الفقيرة، وامتدت إلى حيفا وعكا، وربما إلى نواح أخرى. إطلاق النار، وصواريخ مولوتوف، ومحارق، ضرب حتى الموت .. بحق السكان الفلسطينيين المقيمين في هذه المدن. تحت أعْين شرطة متواطئة متكاسلة. وردودٍ عليهم، بالأيادي العارية ..

ما دفع الإعلام الإسرائيلي إلى التكلم عن "حربٍ أهلية". والمقصود بهذه العبارة أن المعتدين الإسرائيليين يتساوون مع المعتدَى عليهم من الفلسطينيين. ذلك أن الحرب الأهلية "لا تقوم إلا بين طرفَين متساويَين" (انظر إلى بشار الأسد الذي أعلن هو أيضا أن حرباً أهلية تجري في سورية بينه وبين متظاهرين سلميين).

وما أن تلاقت هذه البؤر الثلاث، حي الشيخ جرّاح والمسجد الأقصى والأحياء المختلطة، على صوتٍ واحد، حتى برزت الملامح الأولى لحركة وطنية مدنية سلمية قائمة على جذر القضية. ولكن في الآن عينه، انطلقت صواريخ "حماس" باتجاه إسرائيل، بتفوّق نوعي وكمّي، يمكن اعتباره الأعنف من بين سلسلة الحروب بين "حماس" وإسرائيل، ميدانها قطاع غزة. وهذه هي الرابعة.

حسناً، هذه الصواريخ طرحت إشكالية حقيقية، لا يمكن القفز عنها، بأن ورّطت الحركة المدنية الوليدة بما لا تقوى عليه بصورة مستدامة، أو على الأقل بما يُضعف دورها، أو يضعه في الخلفية، من دون نشاط يُذكر غير التضامن مع الصواريخ المرْمية على إسرائيل. ولكن، هل كان لـ"حماس" ان تقوم بغير هذا؟ كلا طبعاً. أولاً لأن منافِستها على الأرض هي حركة أكثر أصولية وإلحاحاً على السلاح، أي "الجهاد الإسلامي": النظير السنّي لمجموعاتٍ عربيةٍ اختارت أن تكون إيران مرجعيتها. وهي بذلك، على الأقل، بمجرّد وجودها، تُرغم "حماس" على التصعيد العسكري. ثانياً: لأن هذا التصعيد يُخرج "حماس"، ويُخرج غزّة من عزلتهما. غزّة نفسها بشهدائها وقسوة عيشها. و"حماس" بدور مؤثر إقليمياً، وسمعة "مقاوِمة" رفيعة. ما يسمح لها بأخذ ثأرها من سلطة "فتح" التي أجّلت الانتخابات البرلمانية، وبحصد أصواتٍ من أوساط جديدة. ومن بينها تلك التي اشتركت في الحركة المدنية الوليدة في الداخل. بعض شبابها صاروا يهتفون لـ"حماس"، بعدما كانوا يهتفون لمطالبهم المحدّدة .. وأخيراً، لأن للصواريخ دورا، وإلا لما كانت خزَّنتها "حماس" بعدما مرّرتها عبر قنوات مجهَّلة، غير مُشارٍ إليها بوضوح.

بعد الهدنة بين "حماس" وإسرائيل، سوف تبقى تلك الحركة التي أطلقها فلسطينيو الداخل

النار ما زالت مشتعلة. إسرائيل تمْعن في إغراق أهل غزّة بالدماء، وفي تدمير عمرانها وأبراجها وقطع شرايينها الحيوية.. و"حماس" تردّ بصواريخ غير مسبوقة، في العمق الإسرائيلي. والاثنان قد يصلان إلى وقف لإطلاق النار، وربما شروط وشروط مضادّة، ومفاوضات وضغوط ومندوبين .. ثم هدنة.

ما يهمّ هنا هو المعركة المفتوحة على شروط أربعة، وضعتها "حماس" لوقف إطلاق النار. قوامها: انسحاب القوات الإسرائيلية من المسجد الأقصى وتوفير حرية العبادة، وقف تهجير العائلات من حيّ الشيخ جرّاح، إطلاق سراح المعتقلين خلال التصعيد الأخير، وقف العدوان على غزة. وباستثناء الشرط الأخير، وهو بديهي، طالما أن ثمّة وقفا لإطلاق النار، فإن الشروط الثلاثة الأولى تتعلق كلها بالحركة المدنية لفلسطينيي الداخل، فيكون التحدّي أمام "حماس" في هذه الحالة تنفيذ الشروط الداعمة لهذه الحركة، أو إطلاق حركة "خارجية" مؤيدة متضامنة لها في المحافل الدولية.

ولكن هذا ليس بنهج "حماس" الذي يحصر "المقاومة" في السلاح، في الصواريخ بشكل خاص. وقد يكون انخراطها بهذا الدعم مؤذياً بعد حين لنشاط فلسطينيي الداخل، أو على الأقل متعارضاً معه. وفي هذه الحالة، سوف ينشب صراعٌ محمودٌ بين النهجين. يعطي دوراً للداخل، السلمي، الحقوقي، الإعلامي المعنوي السياسي .. على حساب "الخارج" المعتمد على الصواريخ. أو العكس، في حال استمرّ القتال الدموي، وبقيت الأولوية لمسألة وقفه.

ابتعدت القضية الفلسطينية من النسيان، من التلاعب، من الاستثمار، ونزلت على الضميرَين، العربي والعالمي

وكل هذه المجريات مشروطة بأن تواصل الدول الداعمة لـ"حماس" مدّها بالسلاح. أو توقّفها عنه، لا سيما وأن العلاقة بين إيران وأميركا من المأمول أن تتحسّن، ومن الطرفين. وقد لا تتحسّن، فيكون الدعم عائدا بقواه الصاروخية. وهذه الذبذبة الملعوبة ليست حكراً على إيران. إنما إيران تنْفرد ببلورتها. ولكن الذي سيبقى بالتأكيد هو تلك الحركة المدنية لعرب الداخل، فقد نبش حي الشيخ جرّاح الذاكرة في مكان ولادتها. وهذا ما يصعب نسيانه، لأنه خبز يومي لفلسطينيي الداخل، فالتبجّح الإسرائيلي بالانبطاح العربي حوّل حياتهم إلى ما يشبه الجحيم العنصري. انبطاح عربي سمح للإسرائيلي بأن يتجاوز علناً حدود عنصريته المعهودة ضد الفلسطينيين، حيث باتتْ التفرقة تقوم على مجرّد الحق بالحياة.

بعد الهدنة بين "حماس" وإسرائيل، سوف تبقى تلك الحركة التي أطلقها فلسطينيو الداخل. التاريخ أعطاهم هذا الدور. وهم جديرون به. مع تجديدهم للذاكرة، يطلقون موجةً أخرى من موجات الربيع العربي، سوف تتقاذفها الرياح العاتية والأعاصير على أشكالها.. وهكذا .. والمؤكّد أن إسرائيل لن تكون بعد اليوم كما كانت بالأمس.