الجماعة في الشتات... تعايش الإخوان مع أزمات التنظيم

22 ابريل 2021
الصورة
الطبيب حلمي الجزار عضو مجلس الشوري العام في الإخوان (Getty)
+ الخط -

اعتقل العشريني المصري مصعب* عدة أشهر، ما اضطره إلى الهرب خارج البلاد بعد الإفراج المؤقت عنه على ذمة القضية، وتنقّل بين ثلاث قارات، حتى استقر المقام به في كوريا الجنوبية بعيداً عن أي تجمعات، محاولاً استجماع شتات روحه بعد رحلته الطويلة التي توترت فيها علاقته بأسرته المنتمية إلى جماعة الإخوان، كما يقول، مضيفاً: "أصبحت عضواً في الجماعة لكوني تربيت في أسرة تنتمي إليها، لكن ما جرى بعد الانفتاح على المجتمع عقب ثورة يناير، غيّر نظرتي تجاه أمور كثيرة، ومع النقد الداخلي للجماعة بدأت أشعر بالنبذ، فانفصلت عن التنظيم قبيل نجاح الدكتور مرسي في انتخابات الرئاسة، ثم عدت لأشارك في فعاليات رفض الانقلاب العسكري، دون أن أكون عضواً في التنظيم، ومنذ تلك اللحظة لم تتوقف المعاناة".

معاناة يعيدها مصعب إلى تغيّر أفكاره، وخسارته من كانوا رفاق عمره، وأيضاً ضياع أرواح رفاق آخرين، بعضهم مسجون، وآخرون تعرضوا للقتل، ليصبح سؤاله الشاغل: "هل سيعود إلى مصر يوماً ما، هل سيعود إليه ما فقده من صحبة ويقين وروح"، على حد وصفه.

مصعب واحد من المصادر التي تحدث معها معد المادة، من أبناء جماعة الإخوان المسلمين وقيادتها الموجودة خارج مصر، وأغلب من قبلوا الحديث ممن لا يزالون في التنظيم أو فارقوه، رفضوا الإفصاح عن أسمائهم، إما لاعتبارات أمنية تمسّ سلامة أُسرهم، أو للحديث بصراحة عن  وجودهم خارج مصر  وتقييمهم لأدوار الجماعة الدعوية ومدى فعالية التنظيم في الخارج.

أزمة الانتخابات المعطلة والتعيينات المؤقتة

منذ عام 2013، وعقب الهجمة الأمنية الشرسة داخل مصر واستهدافها إقليمياً، تعاني الجماعة من صعوبة إجراء الانتخابات في الداخل والخارج رغم الحاجة الماسة لتجديد هياكلها الإدارية بسبب تغييب العديد من قيادتها وكوادرها، موتاً أو في المعتقلات، بحسب تأكيد مصدر مطلع في الجماعة.

وتبدو أزمة المقاعد الشاغرة وعدم تجديد هياكل الجماعة في مكتب الإرشاد، الذي يُعَدّ أعلى هيئة إدارية في الجماعة، لكنه صار شاغراً بشكل كامل، إذ من بين 17  عضواً يضمهم المكتب، وفق اللائحة، لم يعد باقياً  سوى الدكتور محمود حسين خارج مصر، وتوفي منهم 2، عبدالعظيم الشرقاوي من بني سويف، وجمعة أمين من الإسكندرية، فيما يوجد 14 عضواً في السجون.

ولم يبقَ من أعضاء مجلس الشوري العام، الذي يُعَدّ أعلى هيئة رقابية، وينتخب منه مكتب الإرشاد، سوى 27 عضواً، كلهم خارج مصر من بين إجمالي 117 عضواً، واعتذر 3 منهم عن عدم الاستمرار في دورهم، فيما اعتقل 53 عضواً، وتوفى 37 آخرون، وبالتالي يوجد 90 مقعداً شاغراً بالمجلس، بحسب المصدر المطلع على تفاصيل العمل التنظيمي. كذلك إن فترة ولاية هؤلاء جميعاً انتهت منذ عام 2014 بسبب إجراء آخر انتخابات في عام 2010، لكن اللائحة تحتفظ لمن اعتُقِل بمكانه، ويأتي بدلاً منه آخر مؤقت، أو حتى تسمح الظروف بإجراء انتخابات، وطبعاً لا تسمح الظروف حالياً بالأمر، وصار  التعيين سيد الموقف، كما يقول، وهو ما يولد أزمة أخرى، لأن الأصل في الانتخابات، وفق اللائحة، أن تُختار هذه الكوادر القيادية من بين الأعضاء العاملين، لكن التعيينات يمكن أن تكون من درجة عضوية أقل، وتسمي المنتظمين نظراً لقلة الأعداد، وفي ظل أنه لم تجرِ خارج مصر غير انتخابات واحدة في عام 2015، ظهرت أزمة استيعاب أعداد كبيرة وكفاءات تنظيمية لم تُوظَّف في الخارج، لكونها  غادرت مصر بعد عام 2015، بالإضافة إلى اختلاف أجواء وبيئة وطرق العمل ما بين مصر وخارجها، وساهم الأمر في تأجيل الانتخابات التي كان موعدها في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2020.

مشاكل الشباب

يعيش حذيفة* في تركيا، ويعمل في مجال الإعلام، وعلى الرغم من أنه كان ناشطاً في أروقة التنظيم بمصر، لكن الأمر تغير في الخارج، بسبب مشاغل الحياة، موضحاً أن "تكاليف الحياة في تركيا صعبة للغاية، وقد نحتاج إلى ما يقرب من 12 ساعة للعمل يومياً لتوفير أساسيات الحياة، لهذا تجد قِلَّة يقومون بالأعمال التنظيمية". ورغم هذا، فإن الأوضاع الداخلية للجماعة تسير بصورتها الروتينية، كما يقول، لكن أغلب من يمارسون العمل التنظيمي ليسوا شباباً؛ لكونهم أكثر استقراراً من الناحية المالية، ويمكنهم تحمّل العبء التنظيمي".

يضيف حذيفة أن الشباب في الخارج ثلاثة أصناف، هم: التنظيميون، ومن تركوا التنظيم، ومجموعة أقل تنتمي إلى ما يسمى "نحو النور"، وهو فريق مختلف مع قيادة الإخوان المسلمين، وتُصدر بياناتهم باسم "المكتب العام".

وتؤكد المصادر تراجع مشاركة الشباب في الأعمال التنظيمية بسبب الأزمة الداخلية ورفض البعض أن يكون محسوباً على أي طرف مشتبك في الخلاف الداخلي، خاصة بعد الغياب الواضح لمجموعة المكتب العام، وإخفاق تجربتها.

وعن أسباب عزوف الشباب عن الاشتباك التنظيمي، يقول أحد القيادات في تركيا: "هناك حالة عزوف ملحوظة للشباب عن الجماعة، سواء داخل مصر أو خارجها، وهذا لأسباب عديدة، منها مشاكل الطرح السياسي للمؤسسة منذ عام 2011".

ويضيف المصدر القيادي بالجماعة: "من جهة أخرى، هناك تضييقات أمنية في الداخل، وأيضاً في الخارج. بعض الأشخاص قد يسبب نشاطهم خارج مصر تعريض أهلهم لضغوط، وأحياناً يطلب الأهل من أبنائهم الابتعاد عن التنظيم. وأخيراً هناك ضغوط الغربة ورغبة كل فرد في توفير احتياجاته المادية، والجماعة لا تقدر على توفير هذه الموارد للأعداد الكبيرة التي خرجت، فأصبح جزء كبير من هذه العملية يقوم بشكل فردي. صحيح أن هناك إجراءات للتضامن والتكافل، لكن الجزء الأكبر يقع على عاتق كل شخص".

لكنه يستدرك بقوله: "هذه الحالة يمكن أن تنعكس إذا تغير الطرح السياسي للمؤسسة، وكان معقولاً، أو إذا تغير السياق العام المصري، وهذا حدث سابقاً في تاريخ الجماعة".

أما عن مشكلة تفلّت شباب التنظيم، فيؤكد المصدر أن "الجماعة تحاول تدارك هذه المشكلة عبر النقاشات، وكانت نسب استيعاب الجماعة لأبنائها شديدة الضعف في الفترة ما بين 2015 إلى 2017، بسبب حالة الانقسام وآثارها وارتداداتها، ولكنها زادت الآن بصورة معقولة وإن كانت غير مُرضِية، لكن لا أتصور أن هناك حلاً فعّالاً إلا بعد تغيير الجماعة طرحها السياسي وتغيّر السياق العام كما سبق".

من جهته، يفسر الباحث المصري ياسر فتحي، الذي يحلل وضع الجماعة من واقع خبرته السابقة في التنظيم وعمله البحثي عليه، هذه الحالة بارتباطها بـ"طبيعة الأهداف التي تريدها الجماعة، والمسارات التي تتحرك خلالها، في ظل آثار القمع الشديد، كذلك إن البيئة السياسية تغيّرت؛ فالحراك كان موجوداً في الشارع منذ 2013، وربما حتى أوائل 2015، وكان الرئيس مرسي مسجوناً، وأصبح صعباً، سواء على الإخوان أو غيرهم، ورأس المشروع السياسي، وهو الدكتور مرسي، تُوفي في محبسه، ومع هذه التغيرات لم تستطع الإخوان تطوير الأهداف العامة، على الأقل في الخطاب الإعلامي المعلن، فهي ما زالت محتفظة بالأهداف العامة كالتغيير والثورة، دون وجود مسارات عملية لتحقيق هذه الأهداف، ولهذا غاب الشباب عن الاشتباك، لأن التغيرات لا تناسب الطاقة الضخمة التي أبداها الشباب في الحراك بالداخل المصري، والمسارات الموجودة في الخارج شديدة المحدودية، كالظهور في الإعلام وما إلى ذلك".

ويتابع فتحي: "هناك عامل آخر غير سياسي، وهو ضعف الصورة الذهنية لقيادة الجماعة لدى الشباب، والجماعة لم تهتم بإحداث تغييرات، سواء في تغيير القيادات أو الخطاب الإعلامي أو الشكل المؤسسي، وهي أمور كانت ستسهم في تحسين الصورة الذهنية للقيادة".

ضعف دعوي واستقرار تنظيمي

على المستوى الدعوي للجماعة في الخارج، يرى حذيفة أنها شديدة الضعف، "فمشايخ الجماعة لا يوجد لدى أحدهم درس ثابت موجَّه إلى المصريين أو العرب، بخلاف أبناء جنسيات أخرى ينشطون كثيراً في الناحية الدعوية والتعليمية، ولديهم العديد من المؤسسات الدعوية التي تُدرس العلوم الشرعية، وقد استطاعوا جذب العديد من شباب الجماعة الذي ترك التنظيم ويحاولون تنمية ثقافتهم الشرعية والمحافظة على قيمهم وأخلاقهم".

ويُرجِع حازم طارق المتحدث السابق ‏باسم حركة طلاب ضد الانقلاب، هذا الأمر إلى أن "وجود الجنسيات الأخرى، وعلى رأسها الشوام في تركيا، أقوى بكثير، بسبب أسبقية وجودهم، وأيضاً بسبب أعدادهم الكبيرة، (بحسب إحصاءات إدارة الهجرة العامة التركية، فإن عدد السوريين في تركيا يقارب 3.7 ملايين سوري، بينما لا يتجاوز المصريون ثلاثون ألفاً فقط)، كذلك فإنهم ينظّمون دورات علمية ممنهجة، فيها تَرَقٍّ من مستوى علمي إلى آخر، مثل معهد الفاتح الذي يرأسه الشيخ محمود دحلا، بينما لا يقوم المصريون بعمل دورات منهجية إلا نادراً، وأحياناً يقف التمويل عائقاً أمام المشروعات الأكاديمية للمصريين".

ومعهد الفاتح للعلوم الشرعية والعربية معهد تربوي تعليمي غير ربحي، ويقوم على التدريس فيه علماء من الشام من أصحاب الخبرات العلمية والتربوية والدعوية، وتبلغ مدة الدراسة فيه أربع سنوات، بحسب الصفحة الخاصة بالمعهد على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك).

الصورة
مصر 3

وعلى المستوى التنظيمي، يرى طارق، أن التنظيم لا يزال موجوداً، لكن أنشطته تُركز أكثر على الحفاظ على الجسد التنظيمي، عبر "الاهتمام بالجوانب التكافلية والمالية لأعضاء التنظيم بقدر الإمكانات المالية المتاحة، ومن جهة أخرى عبر الاهتمام بالجانب الدعوي الداخلي، وخاصة أبناء الإخوان".

هذا الحضور التنظيمي أو "الحرص على البقاء" كما وصفه أكثر من مصدر، هل سيساعد في إحياء الجماعة مرة أخرى؟ يجيب فتحي: "الإخوان تنظيم شعبي ومنتشر في قرى مصر، وله تاريخ طويل لا ينتهي بإقصاء جيل، فالتنظيم وفكرته لهم أنصار، لكن غير مسموح لهم بالحضور مثل غيرهم، قد يكون الوزن النسبي أقل مما كان قبل خوضهم التجربة السياسية، لكن في النهاية لو انفتح المشهد السياسي، فسيكون لهم وجود مع غيرهم، لكن مع مراعاة أن القدرات التنظيمية للإخوان أكبر من الباقين".

"نحو النور"

على مستوى مجموعة المكتب العام، يقول الأمين العام الدكتور محمود الجمّال إن "الهيكل التنظيمي للمكتب العام في الداخل والخارج مستقر نسبياً، وإن كان قد اختلف شكله بعض الشيء عن الهيكل التنظيمي المعتاد للجماعة خلال العقود الماضية، إلا أنه لم يخرج عن نظام الأُسَر الذي وضعه الإمام البنا، ولكن طرأ عليه بعض التطوير في إطار تقديم التخصص والكفاءة في الهيكلة وفي السلَّم القيادي".

وعن طبيعة الأنشطة، يقول الجمّال إن المكتب العام سبق أن أعلن فصل العمل الدعوي عن العمل الحزبي، مستدركا: "ولكن هذا لا يعني أننا توقفنا عن ممارسة العمل السياسي، بل نرى أن العمل السياسي مفهومه أوسع من المنافسة الحزبية الضيقة، ونوضح هنا أن للمكتب العام أدواراً عدة يقوم بها في الخارج، أهمها الجانب التربوي والاجتماعي بالطبع، بالإضافة إلى فعاليات تثقيفية وحقوقية وسياسية. فعلى سبيل المثال، نظم المكتب العام عدة صالونات ثقافية في موضوعات تتعلق بالشأن المصري، كذلك نظم مؤتمراً للمعتقلين شاركت فيه نخبة من الحقوقيين والسياسيين، فضلاً عن إطلاق المكتب العام مبادرة "الشعب أقوى" لتوحيد الجهود المجتمعية لمواجهة جائحة كورونا، بالتعاون مع مجموعة من القوى الوطنية. فنحن نعمل في مسارات متعددة، منها التربوي والاجتماعي، ومنها السياسي والحقوقي والإعلامي والتثقيفي وغيرها".

وعن صعوبات العمل التنظيمي، عبّر الجمّال عن وجود "أزمة عامة يعاني منها الجميع، لكننا نستأنف عملنا وفق الإمكانات المتاحة جميعها، ونؤمن بأننا سنتخطى تلك الأزمات لنستعيد قدرتنا على العمل الفاعل من جديد"، موضحاً أن "العيش في الغربة له أحكامه، وقد ينشغل الشباب أحياناً بمعاشهم وتوفير سبل الحياة الكريمة، لكن لولا الشباب لما تمت الفعاليات التي ذكرناها من قبل"، مؤكداً أن حركتهم تعتمد "استراتيجية هامة، وهي الشراكة مع الجميع، وبالفعل خلال الفترة الماضية عُقدَت شراكات مع قوى سياسية وشخصيات ومفكرين في مساحات متقاربة، ونراهن على أن تلك الشراكات في الأرضيات المختلفة ستسفر عن مشروع وطني قادر على اكتساب التأييد الشعبي اللازم والضروري لإحداث التغيير".

في المقابل، اتفقت المصادر التي تحدثنا معها، سواء من داخل التنظيم أو خارجه، على أن مجموعة المكتب العام أصبحت شبه غائبة عن الفاعلية التنظيمية، وربما الحضور التنظيمي، ويؤكد أحد الشباب الذين تركوا التنظيم بعد خروجه من المعتقل أنه "كان هناك إقبال كبير على مجموعة نحو النور في البداية، لأنهم رأوا فيها التغيير، لكن مع مرور الوقت وجدوا أن الأفق مسدود، فهم رفعوا لافتات كبيرة وآمالاً كبيرة، لكن الشباب اصطدموا بواقع الاختلافات الداخلية أيضاً، وضعف الموارد والعلاقات بالمقارنة بالمجموعة الأكبر، والحالة النفسية الصادمة للشباب كانت تجربة المكتب العام جزءاً منها، ومن حاول الرجوع إلى جسم التنظيم يتردد بسبب الضغوط المعنوية التي يواجَه بها، بسبب تركه التنظيم في مرحلة ما".

التهدئة التركية - المصرية

في ظل الأوضاع الأمنية والتنظيمية الصعبة التي تعيش فيها الجماعة، صدرت خطابات تهدئة من الجانب التركي إزاء مصر، وردت عليها مصر عبر وزيري الخارجية والإعلام، ويعلق المصدر القيادي بالجماعة في تركيا، قائلاً: "أعتقد أن تحسن العلاقات بين مصر وتركيا لن يضر المعارضين في الخارج. صحيح أنه قد يسبب بعض الضغوط، لكن على المسار السياسي أتصور أنه سيؤدي إلى مكاسب وليس العكس، لأنه سيضبط الخطاب والتوجه السياسيَّين، بعدما غابت العقلانية عن الخطابات الإعلامية في ظل التهاب الوضع الإقليمي، لكن ربما بعد المصالحة الخليجية والمصرية التركية، ستتجه الأطراف إلى خطابات أكثر رشداً وعقلانية".

* تم إخفاء هوية حذيفة ومصعب بناءً على طلبهما ولعدم تعريضهما لمخاطر أمنية.