مسلسل Succession: شيكسبير يضع خطّته المعاصرة

06 أكتوبر 2020
الصورة
علاقة أفراد الأسرة ببعضها سامة مبنية على انعدام لحظات التعاطف الصادقة (HBO)
+ الخط -

لم يكن من المستغرب تصدّر مسلسل Succession للعناوين منذ أيام، بعيد الإعلان عن جوائز إيمي، وفوز العمل بعدد منها، كجائزة أفضل مسلسل درامي، ونيل جريمي سترونغ لجائزة أفضل ممثل في مسلسل درامي. نجح العمل خلال موسميه الأولين في الاختبارات الأساسية المتعلقة بالقصة وطريقة سردها. والأهم، طرح تعريفٍ خاص للنوع الدرامي الذي ينتمي إليه هذا العمل، كما يدلنا على ذلك اختياره كأفضل مسلسل درامي، رغم أن تعريفه كعملٍ كوميدي يصلح أيضاً، بالاعتماد على العناصر الأخرى، ابتداءً بشارة المسلسل والموسيقى التصويرية، وانتهاءً بالسينماتوغرافيا الفريدة.


متى يجب علينا أن نضحك؟
لا تقتصر علاقة شكسبير بمسلسل Succession (HBO) على بعض الاقتباسات التي ترد على لسان الشخصيات، أو بحث الكثيرين عن ملامح مسرحية "الملك لير" في العمل، أو تاريخ الممثل براين كوكس (الذي يلعب دور لوغان روي) على خشبة المسرح وعلاقته بفرقة شكسبير الملكية. تمتد هذه العلاقة إلى نواحٍ أخرى، قد يكون أهمها مزج الكوميدي بالتراجيدي، ومن دونه لا يمكن لنا فهم "خطة شكسبير"، أو تقدير حفاري القبور وشخصية مثل بولونيوس، كما وصفها صامويل جونسون عام 1765. 

وفي الحقيقة، فإن الأمر ذاته ينطبق على Succession اليوم، إذ تضمن ملامح الكوميديا السوداء في المسلسل إيصاله الرسالة المرجوة، وعدم تحوله إلى عملٍ يبجّل أولئك الذين يفترض أنه يعرّيهم. وبينما لا تندرج الكوميديا في العمل ضمن قالبٍ تقليدي يعتمد على تقنيات كالـ Punchline المضحك (باستثناء شخصية رومان، الذي يثير الشفقة نهاية الأمر) أو الموقف الطريف، فإنها تعمل بطرقٍ أقل وضوحاً. 

ولنبدأ بالشارة، التي تبدو للوهلة الأولى استعراضاً سريعاً لتاريخ عائلة روي الحافل، بالمشاهد الجوية للقصر، والصور العائلية واجتماعات العمل التي يقودها رأس الأسرة. تقدم الشارة ذاتها لنا أول مفتاحٍ نحتاجه لفهم هذه الشخصيات البائسة، وهو علاقتها الصعبة بلوغان، مثلما نلاحظ في أجزاء من الثانية عندما يختفي لوغان من إطار الصورة ويبقى الطفل وحيداً. إضافة إلى ذلك، تمدنا الشارة في الموسم الأول بمشهد سريعٍ أيضاً عن خبر تبثه قناة الأسرة ATN (التي لا يخفى على أحد تشابهها مع قناة فوكس نيوز) بعنوان يقول: "لماذا تزداد وفيات مشاهيرنا الأكبر سناً؟"، بينما يصبح الخبر في الموسم الثاني "المهاجرون مرنو الهوية الجندرية قد يدخلون إلى البلاد بطريقة غير شرعية مرتين". ونظراً لمعرفتنا بقناة فوكس نيوز ونوعية أخبارها، فإن وليم فوكنر يبدو محقاً عندما يقول إن الحقيقة أغرب من الخيال. 

وأخيراً، تخرق موسيقى الشارة (وموسيقى المسلسل بشكلٍ عام) من تأليف نيكولاس بريتل ما تبقى من الجدية المفترضة التي يجب ان تحظى بها أسرة بهذه القوة. 
ورغم أن أحداث المسلسل لا تقل سوداوية عن واقعنا اليوم ضمن المناخ السياسي منذ عام 2016، إلا أن الكوميديا (بشكلها التهكمي والقاسي) تظل حاضرةً لتمنعنا من مجرد الانجرار وراء التعاطف مع الأبناء، والجو السام الذي رافق نشأتهم ونضوجهم، وصرف النظر عن الآثار الرهيبة على الإنسان العادي التي يحدثها تخبط أسري في مكان بعيد؛ إذ لا تدع ردة فعل رومان السعيدة مجالاً للشك، حين يعلم أن انفجار القمر الصناعي المسؤول عن إطلاقه سبب بتر أصابع أحد العاملين وحسب. 

تحضر الكوميديا في الجانب المظلم من علاقة الأسرة، فهي علاقة سامة مبنية على انعدام لحظات التعاطف الصادقة، أو الثقة أو التضامن. وبعد فترة من ترقب المشاهد لأي استجابة منطقية من أحد الأخوة تجاه الآخر، أو كفهم عن الانقلاب على بعض بمشيئة لوغان، فإننا نبدأ بفهم النكتة. ونصبح بعد كل صدمة يتلقاها أحدهم نترقب حركة الكاميرا غير الثابتة، واقترابها من وجه الأخ أو الأخت المصدومين، وكأن الأمر برمته مجرد مسابقة، أو أحد برامج تلفاز الواقع التي ترصد يوميات عائلة فاحشة الثراء عن كثب.

سينما ودراما
التحديثات الحية

في Succession، ثمة سلوك وحيد تحاول الوحوش الالتزام به وهو "الاحترافية"، فعندما يصبح كل شيء مباحاً، يصير السؤال متعلقاً بكيفية القيام به. وفي عالم القتلة ذوي الدماء الباردة، يستمر تقليد حفل العشاء بكونه المكان الملائم لبسط القوة والنفوذ، إلا أنه في المسلسل يصبح كوميدياً هو الآخر، كما في العشاء الذي يسبق محاولة الاستحواذ على صحيفة عائلة بيرس (الشبيهة بالنيويورك تايمز). وبينما لا يخلو المشهد من التوتر، يسبب التضاد بين التصوّر الذي يبنيه أفراد العائلة عن أنفسهم ككائنات منطقية واحترافية، ويحاولون إقناع عائلة بيرس به، وما يقومون به نهاية المطاف، شيئاً من الضحك، إذا ما نحينا كل الأسى لفقرةٍ أخرى. 

ومجدداً، لا يمكننا إغفال هذا الجزء حين نتحدث عن أصحاب النفوذ اليوم، سواء كنا نقصد روبرت ميردوخ وأسرته، الذي لا يمكن صرف النظر عن تشابهه مع لوغان روي، أو عائلة ترامب أو غيرهم، لأن امتلاك القوة بكل بساطة لا يترافق بالضرورة مع الذكاء أو التفوق أو سواه، وهو أمر مدعاة للقلق كما بتنا نعرف جميعاً اليوم.

مآسٍ، مآسٍ في كل مكان
لفهم ما يجري في Succession، علينا رسم الصلة بين ما يحدث بين أفراد الأسرة ومجمل ما يقومون به، وماذا يجري في الخارج. 
إن الأسرة في المسلسل بعيدة كل البعد عن الدور الاجتماعي المنوط إليها عادةً، وتبدو أشبه بفخٍ يخرج أسوأ ما في أفراده، كما نرى خلال التحول التدريجي لـ توم وغريغ، اللذين لا تخلو شخصياتهما من الأخطاء أساساً، إلا أن انحدارهما يتضح لنا أيضاً، وما علينا سوى تذكر غريغ (الأحمق/البريء) وهو يسأل توم عما إذا كان يجب على شبكات الأخبار أن تكذب أم لا، ونراقب تطور خطه من بعدها.

وكما سنلاحظ بعد بضع حلقاتٍ فقط، فإن مشاكل أفراد الأسرة السيكولوجية تنبع من رأس الأسرة؛ إذ ساهمت طفولة لوغان الصعبة في حقده على أطفاله الذين عاشوا في رخاء، وباتت "المنافسة" بينهم لإثبات صلابتهم، وامتلاكهم اللمسة القاتلة، هما الطريق الوحيد إلى قلبه. على إثر ذلك، تصبح محاولات كيندال أو شقيقته شيف للقضاء على الأب اللحظات الوحيدة التي يشعر فيها بشيء من الإعجاب بهما. ولا تختلف الطريقة التي يدير فيها لوغان أسرته عن تلك التي يسيّر عبرها أعماله، بل تتداخل الاثنتان أحياناً، كما يفعل كيندال حين يغلق شركة إعلامية لإرضاء أبيه، بعد خداعه العاملين كي لا ينظموا صفوفهم ضمن نقابة. 

ونصبح بذلك أمام كيندال، الذي تحدّد نقاط انكساره تحت ضغط أبيه ونهوضه ساعياً نحو التمرد شكل خطّه الدرامي وشيف، التي تحوّل الضغوط الإضافية عليها بسبب كونها الأنثى الوحيدة في هذا الوسط الذكوري، نحو زوجها توم، وتبدو بادئ الأمر الأكثر اتزاناً بين الجميع، ثم تثبت أنها في الفخ ذاته، ورومان الذي نتلمس آثار التعنيف عليه بشكلٍ أوضح بسبب حسه الساخر وعلاقته الغريبة بـ جيري، وأخيراً كونر الذي لا بد أن يتساءل المرء عمّا مر به ليُصبح شخصاً خاوياً لا تعريف له سوى هذا. 

ولكي نكون منصفين، فإن المسلسل يُعنى إلى حدٍ بعيد بما يجري داخل الأسرة ولا يبذل الجهد ذاته في عرض آثار ذلك على العالم المحيط، الأمر الذي يعتبره البعض ضعفاً في الجانب "السياسي" في المسلسل، أو أسلوباً في المعالجة الدرامية للحكاية، أو مجرد مشابهة لما يجري في الواقع حين يكون الضحايا مجرد تقارير وأرقام تمر بسرعة ولا أسماء لها، بل مجرد وظائف كخدم وأبناء عمال ومهاجرين، أو كوكبٍ برمته مثلما يذكرنا إيوان روي، شقيق لوغان، حين يقول إن مناخ الأسرة السام هذا سيودي بنا جميعاً، بسبب سياسة قناة ATN وإنكارها للتغير المناخي.

المساهمون