تماثيل السلطة... تشييد القبح والحكاية الوطنية

06 أكتوبر 2020
الصورة
تمثال "مصر تنهض؟" (فيسبوك)
+ الخط -

يداهمنا كل حين وآخر على وسائل التواصل الاجتماعي، صورة أو عدة صور لتمثال "قبيح" استنسخه أو أنجزه فنان ما، كي يوضع في الساحات والفضاءات العامة، كمنحوتة رأس الحصان في دمشق، أو تمثال "مصر تنهض"، أو تمثال محمد الصغير أولاد أحمد في تونس... كلها صروح مختلفة الأحجام نعتت بـ"القبيحة"، وقد ووجهت بانتقادات شديدة، وطرح دوماً سؤال: لماذا سمح بهذا التمثال أن ينتصب في العلن؟  

ننظر إلى هذه التماثيل بوصفها تمثيلاً جمالياً، للسلطة وأسلوب استعراضها لذاتها. هي تراهن على أنها رسميّة ومرضي عنها، وهنا تظهر أول خصائص الكيتش، والتي هي لفظة "قبيح"، هذه الكلمة ليست حكماً جمالياً بحتاً ناتجاً عن عملية عقلية، بل ردّ فعل عاطفي مباشر، مشابه لشتيمة رأس السلطة.. اندفاع عاطفيّ تجاه ما هو مفروض علينا في الفضاء العام بمباركة رسميّة.  

صفة قبيح التي تنعت بها هذه الأعمال، لا تتعلق فقط بتكوينها أو "شكلها"، بل بخصائصها كمنتج ثقافي موجود في العلن. هي لا تعكس فقط الثقافة الوطنيّة، بل النظرة السطحيّة، كونها لا ترغب بالإقناع أو طرح سؤال، بل تهتم باستعراض القوة، من دون تقديم معارف مغايرة، أو احتفاء برمز وطني يتطابق فيه الدال مع المدلول؛ أي أيقونة، بل كتلة هائلة تثير العاطفة والغضب، وهنا تكمن إشكاليتها، هي تشابه خطاب السلطة، حيث لا تجربة جمالية أو خصائص جمالية وطنيّة، بل حقيقة أيديولوجية، ترتبط بالعلاقة بين السلطة وموضوعاتها، تلك التي في أغلب البلدان العربية قائمة على السينيكيّة/السخريّة، أي يدرك الناس أن السلطة كاذبة، وأن إجراءاتها تتحرك لمنفعتها فقط، وهنا تظهر هذه الصروح بوصفها خطاباً فارغاً، مُشابهاً للخطاب الرسمي، لا نصدقه، لكن نستمع إليه ونتلقاه. 

سينما ودراما
التحديثات الحية

الأهم أن أغلب هذه الأعمال مستنسخة، ليست أصلية، أي هي إعادة إنتاج لمنحوتة تنتمي إلى ماض نوستالجيّ، ربما وهمي وربما لا، لكنها تحضر في ساحاتنا وفضاءاتنا العامة كتقليد مبتذل يراهن -كأيّ كيتش- على عدم الإتقان، وعلى أن النسخة لا تسعى إلى مطابقة الأصل، بل إبراز عيوب صناعتها وغياب المهارات التي كان من الممكن أن تجعلها أشد إتقاناً.
في ذات الوقت، هذا الكيتش، هائل الحجم، لا يمكن شراؤه أو نقله بسهولة كونه يشغل حيزاً بصرياً واسعاً، لا كمنتجات الكيتش الصغيرة والوطنيّة، كصور الرئيس أو الأعلام، بالتالي نحن أمام صروح للقُبح لا تدخل ضمن الحكاية الوطنيّة، كرأس الحصان في سورية، الذي أنجز عبر أموال شخصيّة وسلسلة بيروقراطيّة من الأوامر والمعدات التي تحركت في الفضاء العام وغيرت شكله إرضاء لمصالح السلطة التي تسعى للتجانس لا الاختلاف.  

الإشكاليّة الثانيّة ترتبط بالخطاب المدافع عن التماثيل، الذي يتهم المتشدقين به فئة من الكارهين بغياب الذوق الفني لديهم وعدم قدرتهم على تذوق الفنّ أو إدراك معانيه الساميّة. هذه  الكلمات تظهر عند الدفاع عن منحوتة أصليّة تنتمي إلى "الفن العموميّ" public art الذي يعكس خصائص تزيينيّة، ويمتلك فيها الفنان حريّة ما يقوم بتقديمه. لكن في حالة رأس الحصان في سورية نحن أمام تقليد ساخر، لا دور للفنان فيه سوى استعراض مهارة الاستنساخ. الأهم أن هذه النسخة لا تنتمي للشكل العام للمكان، ولا الثقافة البصرية للمنطقة، إذ تم وضع الرأس مكان رمز وطني، ما يشكل أيضاً تساؤلا مفاهيمياً آخر: لماذا تم استبدال رمز وطني بمنحوتة مستنسخة لرأس حصان توصف بالقبيحة؟ وتقسم الناس إلى من يمتلك القدرة على تذوق الفنّ العالمي وأولئك "الجهّال" الذين لا تفكير نقديا لديهم.  

القبيح هنا لا يرتبط بالشكل، بل بالمكان والحجم والموضوع، والعلاقة بين النسخة والأصل. وهذا ما نراه مثلاً في منحوتة جيف كونز "باقة ورد" الموجودة في باريس، والتي وصفت أيضاً بالقبيحة، وتتعرض للتخريب دوماً لأنها لا تنتمي إلى المكان حسب رأي الجمهور، وحجمها الهائل يلوّث بصرياً المسافة بين القصر الكبير والصغير في باريس.

بالتالي، لفظة قبيح هنا ترتبط بطبيعة هذه الأعمال، العلنيّة، الحاضرة دوماً، والتي لا يتم تأمّلها في الكثير من الأحيان، بل المرور من جانبها والتعرف عليها بوصفها ترسم هويّة المكان، هي تزيينيّة يتلقاها بصورة دائمة المارة والمسرعون إلى أعمالهم، والمتسكعون، لا نقّاد الفنّ والمتأملون لساعات بصمت، وإن قرر المارة أنها قبيحة فهي قبيحة، بل لا بد من تخريبها وتشويهها كونها بالأصل لا تراهن على الإتقان.

المساهمون