دكاش: المسرح هو المساحة التعبيرية الوحيدة المتبقية (العربي الجديد)
27 سبتمبر 2020
+ الخط -

بعدما حملت قضايا السجناء والسجينات في لبنان وسلّطت ضوءاً على الظلم اللاحق بالعاملات الأجنبيّات، تواصل الممثلة والمخرجة واختصاصية العلاج بالدراما، زينة دكاش، مشوار نضالها الحقوقي، لتنقل أصوات المهمّشين في المجتمع وصرخة المنسيين خلف القضبان، وذلك من خلال تقديم أعمال مسرحية وسينمائية، توثيقية تدفع باتجاه إلغاء القوانين المجحفة بحقهم، والتي كان آخرها فيلم "السجناء الزرق" الذي يسلّط الضوء على سجناء "المبنى الأزرق" في سجن رومية ممن يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية ويخضعون لأحكام شبه مؤبّدة بانتظار الشفاء. 
الفيلم الذي تم اختياره من بين أكثر من 55 عملاً من مختلف دول العالم للمشاركة في الدورة السابعة والسبعين لمهرجان البندقية السينمائي الدولي (أقيم بين 2 و12 أيلول/ سبتمبر 2020 الجاري) تبارى ضمن مسابقة The Final Cut التي أقيمت في نسختها الثامنة هذا العام، كما أنه فاز بجائزة مهرجان الجونة السينمائي، إضافة إلى انتزاعه جائزة خاصة من المنظمة الدولية للفرنكوفونية. 
وتقول زينة دكّاش، في حوار خاص أجرته معها "العربي الجديد"، إن فيلم "السجناء الزرق"، وهو ثالث أفلامها الوثائقية حول السجون اللبنانية بعد فيلمي "12 لبناني غاضب" و"شهرزاد في بعبدا"، هو: "عبارة عن عمل توثيقي يلقي الضوء على واقع المساجين ممن يعانون من أمراض نفسية وعقلية، ويُظهر كيف قام زملاؤهم السجناء بأداء أدوارهم في مسرحية عنهم حملت عنوان (جوهر في مهبّ الريح) عُرضت عام 2016". وتوضح أنّ "المبنى الأزرق الذي يُسجن فيه هؤلاء المرضى مع سجناء آخرين، ليس مستشفى، ويحمل هذه التسمية لأنّ لونه أزرق فقط، وليس مجهّزاً بطاقم طبي أو تمريضي لمتابعة حالة السجناء الذين يبقون فيه إلى أجل غير محدد".
وتشرح أن قانون العقوبات الصادر عام 1943 ينص على أنّ: "كلّ مجنون، كلّ معتوه، كلّ ممسوس ارتكب جرماً يوضع في مأوى احترازي في السجن إلى حين الشفاء!". وفيما تشجب وصف المريض النفسي والعقلي بتسميات كهذه توضح أن "العلم يثبت أن الشفاء التام غير ممكن في حالة الأمراض النفسية، وما يمكن التوصّل إليه عن طريق العلاج هو فقط استقرار للحالة، وليس شفاءً، وبالتالي فإن احتجاز هؤلاء المساجين إلى حين الشفاء هو بمثابة حكم إعدام بحقهم، فهم لا يخرجون من (المبنى الأزرق) إلا جثّةً".  وتقول: "هذه القضية حملتها منذ عام 2012، حين بدأت العمل مع مرضى نفسيين في سجن رومية، وقدّمت لهم جلسات علاجية، أقلّه لإخراجهم من قوقعتهم لكي يتكلّموا ويعبّروا. وبالتوازي مع ذلك، عملت على إعداد مشروع قانون قدمته إلى مجلس النواب عام 2016 مع قضاة ومحامين، وما زال قيد الدرس حتى الآن".

ودكاش التي عملت مع السجناء وناصرت قضاياهم وناضلت لتأمين حقوقهم، هي المديرة التنفيذية للمركز اللبناني للعلاج بالدراما "كاثارسيس" الذي نشط طوال 12 عاماً في تقديم الدعم النفسي للمساجين في مختلف السجون اللبنانية عبر تقنيات العلاج بالدراما، وهي تعتبر "أننا جميعاً مسجونون في هذا البلد، وليس فقط السجناء الذين يعيشون خلف القضبان. وإنّ الظلم الحاصل في لبنان، يجعلنا نتعاطف مع المجرم أكثر من أي سياسي في ظلّ السرقات الكبرى التي تحصل على صعيد الدولة". وإذ تؤكد أن دورها ليس "إصدار الأحكام المسبقة أو تبرير الجريمة بأي شكل من الأشكال"، تقول إن "الموضوع بالنسبة لي هو موضوع إنساني بالدرجة الأولى، ولا يُمكن لومي على تعاطفي مع السجناء في وقتٍ أُشاهد فيه الأخطاء الكبرى في البلد التي ترقى لأن تكون جرائم بحق الشعب". وتوضح "إننا نناضل لنعطيهم حقوقهم وليس من أجل أن نبرئهم أو أن نخرجهم من السجون بعفو عام. بل نقول يجب أن يكون لديهم حقوق مثلهم مثل السجناء في أي بلد في العالم". ولم يقتصر نضال دكاش الحقوقي على تنفيذ الأعمال المسرحية والسينمائية، بل إنها تمكّنت من الدفع باتجاه تغيير القوانين وتحديثها، فبعد مسرحية "12 لبناني غاضب" تمكّنت في عام 2009 من دفع السلطات اللبنانية لتنفيذ "قانون تنفيذ العقوبات - حسن سلوك" رقم 463 الذي يسمح بالنظر بوضع السجين وتخفيف عدد سنوات سجنه إذا كان لديه سلوك جيّد.
كذلك تمكنت دكاش بعد مسرحية "شبّيك لبّيك" من إلغاء قرار صدر عن وزارة العدل في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2014، والذي يقول إنّه يحق لأي شخص لديه عاملة أجنبية في منزله، وشكّ في أنها على علاقة غرامية مع أحد أفراد المنزل، أن يقدّم شكوى ضدها لدى الأمن العام ويطلب ترحيلها، وإلّا يُقاضى هذا الشخص إذا كان يعلم بذلك، ولم يبلّغ عن العاملة الأجنبية. 

القضايا الحقوقية تُعتبر الآن ضحايا جانبية أيضاً للانفجار، إذ لم تعد أولويةً، لكن يجب أن نستمر في النضال من أجلها ومن أجل الإنسان


وترى دكاش أنه بعد انفجار بيروت المأساوي ازدادت صعوبة حشد الاهتمام الإعلامي والشعبي للقضايا الحقوقية التي كانت قبل الانفجار لا تُعَد قضايا حيوية يوليها الناس الأهمية، وترى أنّ "هذه القضايا الحقوقية تُعتبر الآن ضحايا جانبية أيضاً للانفجار، إذ لم تعد أولويةً بعد حجم الانفجار الذي حصل والدمار الذي خلّفه، لكن يجب أن نستمر في النضال من أجلها ومن أجل الإنسان".  وتتحدّث عن مشاركتها في "تجمّع إغاثة المسرح في لبنان"، والذي يضمّ أكثر من 150 شخصاً يعملون في مجال المسرح في لبنان من كتّاب ومخرجين وممثلين وتقنيين، وتعترف: "بعد الانفجار فكّرتُ في البداية إنّ هذا العمل ليس وقته، لكن العكس هو الصحيح، فهذا وقت المسرح وهذه هي المساحة التعبيرية الوحيدة المتبقية، وهناك أشخاص كثيرون تضررت مسارحهم ومنازلهم، ومنهم من فقد زملاء له، والتجمّع يحاول دعمهم ضمن الإمكانات المتوفرة". وتقول عن جلسات العلاج بالدراما التي قدّمتها للذين تضرروا نفسياً من انفجار بيروت: "منذ ولادتنا ونحن ننهض بهذا البلد. وبعد استيعابي لصدمة الانفجار، نزلت إلى الشارع وبدأت في إعداد المأكولات والطهي للناس، وكنت أقوم بأي شيء يمكنني تقديمه، ثمّ وضعت عيادتي مجاناً في تصرّف أي معالج نفسي دُمّرت أو تضررت عيادته جراء الانفجار. كذلك قدمت جلسات معالجة مجاناً لفترة شهرين للمحتاجين، شخصياً أو عبر الإنترنت".