توفيق صالح... الحلم والمأساة

06 يناير 2021
الصورة
رحل عام 2013 (فيسبوك)
+ الخط -

لا يحتاج توفيق صالح (1926 ــ 2013) إلى شهادة في إبداعه ولا حتى أستاذيّته الفنية، فالأعمال السينمائية التي أخرجها كافية لتشهد له بذلك. لكن يبدو أنها لم تكن كافية ليكمل مشواره في عالم الإخراج، إذ دفع ثمن مواقفه السياسية، وجرأته في طرح القضايا الحساسة من خلال تناوله للتابوهات الثلاثة؛ أي الجنس والسياسة والدين.

لكن العائق الأكبر أمام ازدهار مسيرته في الإخراج السينمائي تمثل أولاً وأخيراً في خوضه غمار السياسة، ما سبب له صداماً متكرراً مع الأنظمة العربية.
عام 1969 قدم فيلم "المتمردون"، من بطولة شكري سرحان وزيزي مصطفى. في هذا الشريط انتقد النظام الناصري واستبداده، ورغم ذلك سُمح بعرضه. ثمّ عاد واصطدم بالنظام الساداتي، ما اضطره للانتقال والعيش في سورية. هناك أخرج واحداً من أهم الأفلام العربية، وهو فيلم "المخدوعون" (1972) الذي أنتجته مؤسسة السينما السورية، العمل المقتبس من قصة "رجال في الشمس" (1963) للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني.

لم يكن مستغرباً أن يشارك الفيلم في مهرجان "كانّ" الفرنسي عام 1972، ولكن المؤسسة السورية وقتذاك قررت إرسال وفد من موظفي المؤسسة، ومنع توفيق صالح من السفر للمشاركة في عرض الفيلم في المهرجان الفرنسي الشهير.

لقد ترك هذا الموقف بالغ الأثر في نفس صالح، حتى إنّه اضطر في نهاية المطاف إلى مغادرة سورية متوجهاً إلى العراق. فتحت بغداد ذراعيها لصالح، إلى درجة أن صدام حسين طلب منه تحويل قصة حياته إلى فيلم طويل بميزانية مفتوحة. كان عنوان الفيلم "الليالي الطويلة" (1980). وبالفعل شرع المخرج المصري بتنفيذ الفيلم. وعندما وصلت ليلة العرض الخاصة، كانت آمال كثيرة معقود على العمل، لكن فجأة أمر الرئيس العراقي السابق بإيقاف العرض، وتوّجه بنبرة غاضبة إلى توفيق صالح سائلاً "لماذا تألم الممثل الذي لعب دوري في الفيلم؟". فأجابه صالح: "لأنه مصاب برصاصة يا سيادة الرئيس"، فغضب صدام حسين وقال بنبرة حادة:
 "ومن قال لك إنني أتألم، أنا فوق الألم".
بهذه العبارة فهم توفيق صالح أنه غير مرغوب فيه في العراق، فشد رحاله إلى مصر. كان الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك في ولايته الأولى. وقد رحبت الأوساط الثقافية والفنية بقدوم فنان من طراز توفيق صالح، لكن كان الاحتفال الذي يسبق التجاهل والإقصاء والتهميش والتعتيم. بالفعل مكث توفيق صالح ثلاثين عاماً من دون أن يقف وراء كاميرا؛ إذ اتفقت كل شركات الإنتاج السينمائي على محاصرته، وكانت الحجة الدائمة الحاضرة دائماً:
الميزانية لا تسمح.
هكذا ضاع العمر، وتبدت الأحلام والطموحات؛ لكي تنتهي مأساته برحيله عام 2013. قرر الفارس أن يترجل من فوق حصانه، "لفساد الأمكنة"  على حد تعبير الروائي الرائع صبري موسى.

المساهمون