تعرية نظامٍ اجتماعي بريطاني جائر: دي سوزا وحِرفية الاشتغال

28 أكتوبر 2020
الصورة
آنا روشا دي سوزا: جائزتان في "لا موسترا 2020" (فيتّوريو زونينو سيلوتّو /Getty)
+ الخط -

 

أحد الأسئلة العديدة المطروحة في "اسمع" (2020)، للبرتغالية آنا روشا دي سوزا (1978)، يتعلّق بتوفير الرعاية والمال والأمان للأطفال في نظام التبنّي، مقابل الحرمان من الحبّ والدفء والرعاية الأسرية. إلى أيّ منهما تنحاز قوانين الرعاية الاجتماعية، ونظم الحضانة، وقواعد التبنّي القسري في الدول المُتحضّرة؟ هل توفير الأمان المادي، والحياة الخالية من المشاكل اليومية المعتادة، معيار، أو أنّ هناك ما هو أهمّ؟

لا تتطرّف دي سوزا في انتقادها المؤسّسة الرسمية البريطانية. لكنّ حدّة الطرح في "اسمع" حاضرةٌ إزاء القوانين الجائرة، وآليات تنفيذها. لا تُدين النظام برمّته لنسفه من جذوره، ففيه تكشف بعض عورات النظام الاجتماعي، كالتطبيق الجامد لقوانين لا بُدّ من مراجعتها. الفيلم صرختها الموجّهة إلى المؤسّسة، للإشارة إلى مكامن خلل وإيضاحه، وإبراز حقائق، وفضح أخطاء، واستعراض وجهات نظر عدّة للموضوع. ربما يسفر هذا كلّه عن مراجعة القوانين أو تغييرها، أو على الأقل تطبيق روح القانون، ومراعاة ظروف وأوضاع كلّ حالة على حدة، خاصة تلك المُرتبطة بالتبنّي القسري.

في "اسمع" ـ الحائز الجائزة الخاصة للجنة تحكيم "آفاق"، في الدورة الـ77 (2 ـ 12 سبتمبر/ أيلول 2020) لـ"مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي"، بالإضافة إلى جائزة "لويجي دي لورنتس ـ أسد المستقبل"، الممنوحة لدي سوزا لـ"أفضل أول فيلم روائي" ـ هناك سلطة مهووسة بتطبيق القوانين، من دون أيّ اعتبارات أخرى. طبعاً، هناك حالات يتعرّض فيها الأطفال للخطر، لكنْ ليس دائماً، والحلّ لا يكمن دائماً في إبعاد الأولاد عن أهاليهم، وإنْ توفّرت سُبل أمان ورعاية ورفاهية في مكان آخر. يلفت الفيلم الانتباه إلى ضرورة مراجعة قوانين التبنّي القسري الجائرة، ويبيّن أنهّا محفوفة بتعقيدات أكثر من حلول.

العلاقة المسمّاة بالـ"تبنّي" يُفترض بها أنْ تقوم أساساً على القبول والرغبة، لأسباب مُتنوّعة. لكنْ يظهر أنّ على الأسرة المتبناة الحصول على مبلغ شهري من الدولة، لقيامها بالتبنّي. إذاً، هناك مُعضلة شائكة: أيكون التبنّي من أجل المال فعلاً، أو لرغبةٍ في تكوين أسرة، واحتضان طفل أو أكثر، وتوفير الرعاية والأمان لهم؟ وإذا كان هناك دعم مالي يمكن توفيره لأسر ترغب في التبنّي، لماذا لا تُمنح الأسر نفسها ذاك الدعم، لانتشالها من فقرها؟ وإذا احتاج الآباء إلى رعاية صحّية أو جسدية أو نفسية، للتخلّص من إهمال أو عنف أو إدمان، فلماذا لا يُوفَّر العلاج والمتابعة قبل فصل الأطفال عن أسرهم، أو بالأحرى "مُصادرتهم"، إلى الأبد؟ ثم: ما هو أساس اختيار الأسر، لمنحها هذا الطفل أو ذاك تحديداً؟ ولماذا لا عودة عن العملية أبداً، بعد إتمام الإجراءات؟

 

 

الأسئلة كثيرة ومتداخلة ومعقّدة، يستحيل طرحها واستعراض المشاكل كلّها وأسباب القصور في فيلمٍ واحد. لكنّ لفت الانتباه ضروريٌّ جداً. هنا، تبرز أهمية "اسمع"، لا سيما أنّه يتّسم بصدق شديد، ويخلو من التكلّف والمزايدة والميلودرامية، رغم أنّه أول فيلم لمخرجته.

تدور أحداث "اسمع"، المُشارك في المسابقة الرسمية للدورة الـ4 (23 ـ 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2020) لـ"مهرجان الجونة السينمائي"، في إحدى ضواحي لندن. أسرة برتغالية مهاجرة، مكوّنة من عاملة النظافة غير النظامية بيلا (لوسيا مونيز)، وغوتا (روبن غارسيا)، العامل في متجر أخشاب بعقد عمل مؤقّت لساعات قليلة يومياً، وله مستحقات يُماطل صاحب المتجر بدفعها. لديهما 3 أبناء، أكبرهم يبلغ 12 عاماً، ويُدعى دييغو (جيمس فيلنر)، وأصغرهم الرضيعة جيسي (12 شهراً)، وبينهما ابنة صماء، لو (مايسي سلاي).

بعد دقائق افتتاحية قليلة، يبدو الفيلم كأنّه سيكون دراما واقعية قاسية، على نهج كِنْ لوتش. هناك تكرار ركيك، لكن ذكاء آنا روشا دي سوزا في اختيار موضوعها، وحرفيّتها في كتابة السيناريو مع بولا فاكارو وآرون بروكنر، ساعدا على تجنّب الانزلاق إلى هذا الفخّ، الذي لا يجيد التعامل معه إلا قلّة. ورغم كونها وافدة على المجتمع البريطاني، ولا علم لها بخفاياه ومشاكله وقوانينه، استطاعت الإمساك بموضوع التبنّي القسري، الذي يفتك بالأسرة ويفكّكها، ويفصل بين أفرادها، ويعزل بعضهم عن بعض، إلى الأبد تقريباً، إذْ بمجرّد صدور حكم التبنّي القسري، لا يمكن التراجع عنه أو تعديله، وفقاً للقوانين البريطانية. هذا بدافع الحرص على الأطفال وحمايتهم، وتوفير سبل الرعاية والأمان لهم، وضمان مستقبل أفضل.

لأسرة بيلا وغوتا موعد مع رجال الخدمة الاجتماعية، إذْ يبدو أنّها مُراقَبة منذ فترة. السبب غامض. الأم تسرق خبزاً وأجباناً لإعداد الفطور. في المنزل، هناك بعض الإهمال، والارتباك اليومي العادي لدى أيّ أسرة. الأمر ليس كارثياً. فقط مُشكلة تعطّل سمّاعة الابنة الصمّاء، لو، أمرٌ جلل. المُشادات متكرّرة بين الأم والمُعلّمة، بسبب التأخّر في اصطحاب لو من المدرسة وإليها. هذا اليوم، يزداد غضب المدرّسة لاكتشافها كدمات حمراء على ظهر الطفلة. يتفاقم الوضع بسبب صعوبة التواصل معها في المستشفى، لتعطّل سمّاعتها. قبل هذا، تطلب الأمّ من والدتها عبر "الإنترنت" إقراضها مالاً لإصلاح السمّاعة أو شراء واحدة أخرى، فتكاليف الإصلاح وثمن الشراء باهظان. تراكمات أخرى تحدث في اليوم نفسه، وتبلغ ذروتها مع هجوم رجال الخدمة الاجتماعية والشرطة والأخصائيين الاجتماعيين على المنزل، وانتزاع الأطفال من والديهما، واقتيادهم بعيداً. مشهدٌ صادمٌ وصادقٌ ومؤلم.

 

 

تكشف الوقائع أنّ القدرة المالية أساس تقييم مؤسّسة الرعاية الاجتماعية لأوضاع الأسرة ومستواها، يتبعها سوء فهم الواقع في مدرسة الابنة لو، ثم اتّهام الوالدين بالعنف والإهمال والعصبية. لاحقاً، يتّضح أنّ الكدمات في ظهر لو هي نتيجة التهاب سحائي. هناك سوء فهم كبير، وتعسّف إزاء الأسرة، ما يدفع الأبوان إلى بذل جهدٍ كبيرٍ لاستعادة أطفالهما قبل صدور أحكام التبنّي القسري. الصمم أنقذ لو، بعد استيعاب القاضي تفسير الأم ودفاعها، بصدق بالغ، عن حالة ابنتها. هروب دييغو أنقذه من التبنّي القسري، ولَو إلى حين. بينما مصير الرضيعة جيسي يبدو بالغ القتامة.

"اسمع" فيلمٌ بسيط بصرياً، ومُكثّف عاطفياً، من دون شحنات زائدة أو مُتكلّفة. لم تتورّط آنا روشا دي سوزا في شرح الكثير، وتقديم تفاصيل عن كلّ شيء، وهذه تحضر في أعمال أولى غالباً. التوازن سمة عامة. ولأنّ دي سوزا ممثلة أصلاً، تمكّنت بحرفية من إدارة الممثلين وتوجيههم، وخلق أداء انضباطي واضح. تجلّى هذا أساساً في أداء الأم، التي جمعت بين القوّة والهشاشة، والخوف والشجاعة، والعصبية والهدوء. كذلك الطفلة الصماء لو، الناضجة حقاً، وأكثر من يستمع وينصت ويتفهّم، مع أنّها طفلة صماء فعلاً، كانت بطلة "الفتاة الصامتة" (2017)، الحاصل على "أوسكار" أفضل فيلم قصير عام 2018.

المساهمون