وقفة مع ليلى قصراني

23 سبتمبر 2020
الصورة
ليلى قصراني (العربي الجديد)

تقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أسئلة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه. "في زمن التواصل الاجتماعي، حتى  الذين لا يملكون ما يقولونه يكتبون"، تقول الكاتبة العراقية لـ "العربي الجديد".


■ ما الذي يشغلكِ هذه الأيام؟

- منذ سنة وأنا مشغولة بتسجيل مدوَّنة صوتية، بودكاست، وهو برنامج للتطبيق الصوتي متوفّر في أغلب الهواتف النقالة، عنوان مدونتي والذي أترجمه هنا عن الإنكليزية "من قتل دي ميلو؟"، فيها أجادل الظروف الغامضة التي أحاطت تفجير مبنى الأمم المتّحدة في بغداد في آب/ أغسطس 2003، والذي أدّى إلى مقتل رئيس البعثة سيرجيو فييرا دي ميلو ومعه 21 ضحية آخرين. الموضوع كلُّه عبارة عن دوّامة أدخلتُ نفسي فيها وليس مَن مخرج. هذا يعكس كم أُحبُّ العراق لأن سيرجيو دي ميلو كان يريد أن ينقذ العراق من الغزو الأميركي، لكن مقتله حال دون ذلك.


■ ما هو آخر عمل صدر لكِ وما هو عملكِ المقبل؟

- "الطيور العمياء"؛ روايتي الثانية، هي آخر ما صدر لي. وكان ذلك سنة 2016. حالياً أعمل على حكاية للأطفال، وهي باللغة الإنكليزية، إلّا ان أحداثها تدور في سورية. عملتُ مع فنّانة تشكيلية موهوبة ولا أدري بعدُ عن تفاصيل النشر... قد لا تُنشَر، لكني لا أندم حتى حينما أجتهد في كتابة عملٍ طويل ما ثم ينتهي به المطاف إلى سلّة المهملات. ليس من الصحّي أبداً أن ينشر الكاتب كلَّ ما يكتبه؛ فليس كلُّ ما يُكتَب يصلح للنشر.

ليس من الصحّي أبداً أن ينشر الكاتب كلَّ ما يكتبه

■ هل أنتِ راضية عن إنتاجك ولماذا؟

- لا طبعاً. لستُ راضية، لأن تجربتي في الحياة دائماً في نمو، وكلّما مرّت السنوات شعرتُ بأني أحتاج إلى حكمة ونضوج ومعرفة. العملُ قد يكتمل، لكن أنا في تغيير دائم، حتى آرائي تتغيّر مع الوقت. 


■ لو قُيّضَ لكِ البدء من جديد، أي مسار كنت ستختارين؟

- تقصد في مجال المهنة؟ أنا لا أقدم نفسي على أنّني كاتبة بالمرتبة الأولى. عملتُ لسنواتٍ في سلك السياحة، لأني لا أقدر أن أمتهن أية مهنة ليس لها اتصال مباشر مع الناس، لكن ككاتبة، أشعر دائماً بأن ثمّة موهبة أو حرفة ما تعوزني، عمل تنجزه أصابعي، شيء ملموس له أبعاد ثلاثية مثل النحت، أنا أغار من كل نحّات أو رسّام تشكيلي، لأن عمل الفنان له ألوان وأبعاد ومساحة تمتدّ لتصل إلى المتلقّي، أما الكتابة، فنحن حالياً نعيش في زمن التواصل الاجتماعي والجميع يكتبون، حتى الذين لا يملكون ما يقولونه يكتبون.

الصورة
الطيور العمياء - ليلى قصراني - القسم الثقافي

■ ما هو التغيير الذي تنتظرينه أو تريدينه في العالم؟

- هذا السؤال مخيف ومحيّر... حينما كنتُ صغيرةً كنتُ أتمنّى السلام، لكن في هذا العمر أيقنتُ بأنَّ السلام صعب طالما أنَّ الطبيعة الإنسانية قاسية، إلا أنّي أتمنّى أن أرى البيئة محمية، كوكبنا الجميل هذا يتداعى، الانحباس الحراري من نتائجه المجاعات والحرائق والجفاف، لكن أقول إنّ تغيير المناخ ذاتَه ناتجٌ عن طبيعة الإنسان الأنانية وطمعه وقسوته. إن لم نجد حلّاً للبيئة في المستقبل القريب كجماعة، فإنّ العواقب سوف تكون وخيمة. 


■ شخصيةٌ مِن الماضي تودّين لقاءها، ولماذا هي بالذات؟

- كثيرةٌ هي الشخصيات التي أحلم أن ألتقيها، لكن أوّلَ شخص خطر على بالي الآن هو محمد علي كلاي، الذي لم يكن فقط ملاكماً بل كان شاعراً، والأهم كان إنساناً كريماً وطيّباً. رغم عنف الرياضة التي كان يمارسها إلّا أنه كان إنساناً رقيقاً، أتصوّر أن الجانب الإنساني عنده طغى على نجمه كرياضي.

كلّما مرّت السنوات شعرتُ بأني أحتاج إلى حكمة ومعرفة

■ صديق/ة يخطر على بالك أو كتاب تعودين إليه دائماً؟

- قلّة من الأصدقاء لهم مكانة خاصّةٌ في قلبي، أتعلم منهم كثيراً تماماً كالكتب. معروفٌ عنّي أني لا أجيد التحدُّث عن ذاتي، وكثيراً ما أذكر صديقة صباي كلّما فتحتُ فمي، رفيقتي في هذه الحياة، الشاعرة والكتابة ذات الثقافة العالية فيء ناصر، صداقتنا تمتدُّ من أيام الثانوية، ومنذ أكثر من ثلاثة عقود.
أمّا الكتاب الذي يبقى مفتوحاً في بيتي فهو العهد القديم والجديد، لا أريد أن أقول "الكتاب المقدَّس"... لا أحبّ كلمة "مقدَّس"، إلّا أنه كتاب مهمّ، خصوصاً أسفار الأنبياء (الكبار) مثل حزقيال وأيوب، أيوب بالنسبة إلي هو شكسبير العهد القديم. 


■ ماذا تقرأين الآن؟

- حالياً أقرأ كتاب مذكّراتٍ للإعلامي الكندي الأميركي آليكس تريبيك مضيف برنامج "مخاطرة". بضغط من معجبيه كتب هذه السنة مذكراته، كونه مصاباً بسرطان البنكرياس. أسلوبُه محبَّب وسلس ولغته سهلة. أحبُّ كتب المذكرات والسيرة لأنها تعرّفنا على الجانب الإنساني وأسرار الكتّاب والمشاهير. 


■ ماذا تسمعين الآن وهل تقترحين علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا مشاركتك سماعها؟

- أنا من الناس الذين يقدّرون الصمت، لكني حينما أكسر صمتي أختار الموسيقى الصحراوية القادمة من أفريقيا، خصوصاً صوت الفنّانة الموريتانية الموهوبة نورة منت سيمالي، رغم أنّي لا أفهم الكثير من كلمات أغنياتها إلّا أنها تُحرّك شيئاً في داخلي. أحب الفنان الذي ينشد من القلب.


بطاقة

كاتبةٌ عراقية من مواليد الأنبار عام 1967. درست الأدب الفرنسي في بغداد، وغادرت العراق بعد حرب الخليج عام 1991، وتعيش حالياً في الولايات المتّحدة الأميركية. صدرت لها روايتان؛ هما: "سهدوثا" عن "دار الغاوون" (2011)، و"الطيور العمياء" عن "منشورات المتوسّط" (2016). نشرت أيضاً عدّة مقالاتٍ في الفن التشكيلي والموسيقى والرحلة، صدر بعضها في صحفٍ ومواقع إلكترونية عربية.


هذه الحكاية*

ليلى قصراني

في غياب جدّتي، نتذكّر القصص المحكية، في ليالي أكل البطيخ المبرَّد بالحالوب المخزّن في القبو في البرّاد الخشبي. الحالوب الموضوع في حصيرة كبيرة أيضاً لحفظ اللحوم لساعات. أما اللحم المقدّد، فمعلّق في الظل منذ مئات السنين، حيث الهواء الجاف، ومتبّل بالبهارات المستوردة من بلاد الهند. التوابل التي تُبعد الذباب، الذباب نفسه الذي إذا سقط في عصير الفاكهة تحوّل المحلول إلى شراب روحي، حسبه القدماء سمّاً، حتى شربت منه امرأة تعيسة، ظنّت أنّها تنتحر، لكن الذي حدث، أنها بعدما شربت منه هربت مع مَن تُحبّ.
القصص المحكيّة وغيرُ المدوّنة، محفوفة بالخيال الذي وصل إلينا جاهزاً وملفوفاً في صرّة صفراء. وأنا أصدّق كلّ ما تقوله جدّتي، حتى عن المرّات التي لَسَعَ فيها العقربُ جدّي حين كان ثملاً. كان يستيقظ في الصباح فيرى العقرب ميتاً قربَ فراشِه، فيضيفه إلى مجموعة العقارب التي يجمعها في صندوق خشبي مصنوع في أسطنبول أهداه إليه أحد رجال القرية.

قالت جدّتي: "لو عرف جدّكم فائدة سمّ العقرب لوضعه في قناني العرق وشرب منه لمعالجة أمراضه العديدة". أما الحكاية التي روتها جدّتي ولم نصدّقها مطلقاً، فهي قصة مرجانة جارتها التي رجعت من الكنيسة وأخذت طيناً وبصقت فيه وطلَتْ به عينَي زوجها نصف الأعمى.

أخذه أولاده خارج القرية نهار ذلك اليوم، وكان يوم أحد، ممسكين بيده وهو يتخبّط، وسألوه بعدما غسلوا الطين عن عينَيه، في ما إذا كان يرى الناس من بعيد وكأنهم أشجار، لكنّ الرجل لم يرَ شيئاً، ثم فقد بصره كلياً بعد أيام ولعن زوجته وأولاده بقية حياته. لم نصدّق هذه الحكاية، لأن يوم الأحد في القرية هو يوم بطالة.


* مقطع من رواية "سهدوثا"