وقفة مع عبد الله حبيب

21 سبتمبر 2020
الصورة
عبد الله حبيب (العربي الجديد)

تقف هذه الزاوية، مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه "صرت أثق بالقبلات المسترقة السريعة أكثر من يقيني بالجبال"، يقول الشاعر والسينمائي العُماني لـ"العربي الجديد".


■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟
- التطبيع، ثم التطبيع، ثم التطبيع. في كل مرّة نقول إن الجواد سينهض من كبوته، لكن في هذه المرّة "تكسرت النصال على النصال" بالفعل. في هذه المرّة صار الهواء تعريفاً للعلقم، وأصبح الرغيف شقيقاً للرماد. في هذه المرّة لم تعد الضلوع قادرة على استيعاب مفردات من قبيل "التهشيم"، و"السحق"، و"الطحن". في هذه المرّة نحن وراء الشمس التي جفَّت. 


■ ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟
- آخر عمل صدر لي هو "مفاتيح ضئيلة، سماوات واسعة: شهادات ومداخلات" وذلك في 2018. أما عن عملي القادم فأنا مشتت الجهد وضائع الهوى بين ثلاث مخطوطات: مذكرات أو يوميات فترة السجن، ومحاولة استكمال الجزء الثاني من "مساءلات سينمائية" (قد يصدر إذا ما اكتمل بعنوان آخر)، ومحاولة إنهاء التسويف الذي طال أكثر مما ينبغي في مشروع إصدار كتيَّب يحتوي دراسة موسَّعة إلى حد ما عن فيلم توفيق صالح "المخدوعون" المبني على الرواية القصيرة "رجال في الشمس" لغسان كنفاني. 

على المرء أن يكتب كي لا يموت


■ هل أنت راض عن إنتاجك ولماذا؟
- الرضى شيء مستحيل لأنه مثل "الجمال المستحيل حيث الرب لم يمنحنا شيئاً سوى الألغاز" على رأي دوستويفسكي. غير أني لا أحبّذ أن أكون تجريدياً وميتافيزيقياً أكثر من اللازم في ما يخص هذا السؤال. من ناحية: نعم، أنا راضٍ عن إنتاجي، ومن ناحية أخرى: كلا، لست راضياً على الإطلاق عن إنتاجي. لماذا أقول ذلك؟ أقوله لأني، مع تقدم العمر واطّراد اعتلالات الجسد والروح، صرت موقناً أنه لزاماً على المرء أن يكتب كي لا يموت (مهمة تقييم ذلك الإنتاج والحكم على جودته من عدمها من شأن أناس آخرين، وحساسيات أخرى تقع خارج النص منذ البداية). بهذا لم أعد أنتظر "اللحظة المثالية" للكتابة وتجويدها، وأعتقد أني خسرت نصوصاً محتملة متسكعاً بلا جدوى في أودية مقفرة بحثاً عن وهم الاكتمال. في هذه الفترة من تجربتي صرت أثق بالقبلات المسترقة السريعة أكثر من يقيني بالجبال.  


■ لو قيض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟
- حقيقةَ لا أعرف. ما أعرفه هو أني لا أريد أن أبدأ من جديد. أنا مُرْهَقٌ بما فيه الكفاية وأريد النهاية عوضاً عن البداية.

لم أعد أنتظر "اللحظة المثالية" للكتابة وتجويدها


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
- الحرية (في الأقل، الحد الأقصى الممكن منها).


■شخصية من الماضي تود لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
- ليست شخصية واحدة؛ وذلك على اعتبار أن تلك الشخصية تتواشج مع شخصيات أخرى لا بد من حضورها مجتمعة كي يتم تبادل أنخاب الحوار. في حالتي أود أن ألتقي ماركس ونيتشه وفرويد دفعة واحدة كي أوجّه لهم ما يكفي من التقريع بسبب كل هذا الذي يحيق بنا (تقريباً بسببهم). 


■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟
- عن الصديق فهو الراحل العزيز الشاعر والباحث الإماراتي أحمد راشد ثاني الذي غدر بالجميع ومات ونحن بالكاد في بداية الحديث. أما عن الكتاب فهو "جينيالوجيا الأخلاق" لنيتشه. أعتقد أن ذلك الكتاب لا تمكن كتابته بصورة نهائية، ولا قراءته بصورة أوليَّة.


■ ماذا تقرأ الآن؟
- في الحقيقة أنا موزّع بين عدد من القراءات في تجربة جديدة، وهذه تجربة لن تستمر فقد اكتشفت أن قدراتي على التركيز الذهني لا تسمح بتعدّد القراءات في الوقت عينه. بالكاد يستطيع المرء أن يركز على كتاب واحد فقط. فلنقل إني أقرأ يوميات فيرناندو بيسوا بترجمة المهدي أخريف.


■ ماذا تسمع الآن وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟.
- في فترة انفجار مرفأ بيروت استمعت غزيراً إلى فيروز. وبعد ذلك عدت إلى إدماني القديم: "أحبك لو تكون حاضر" لطلال مدَّاح، و"قدَّاس الموتى" لموتزارت، و"تاسعة" بيتهوفن.