نوال

نوال

19 يونيو 2021
الصورة
مهجّرون فلسطينيون من بيوتهم في النكبة (يافا، أيار/ مايو 1948)
+ الخط -

إلى أحمد الملّاح في فقده العظيم
وتوقه الذي لا يهدأ إلى فلسطين

امرأة لا أعرفها. أعيش موتها المتجدّد كل يوم. أسمع الأقارب في منافيهم
يتحدثون عن نساء غريبات يأتين كل يوم ليُسعفنَها على مجاهدة نَفَسٍ جديد. 
يُمسكن بيدها، يمسّدن بعض خصلات شاردات. يمسحن الليل عن الأرض. يفتحن النوافذ كي يتسلّل الموت إلى نزهته اليومية. فيدور حول البيت مرّة، مرّتين، ثم يعود ليحرسها من النساء الغريبات اللواتي يأتين كلّ يوم ليُسعفنها على مجاهدة نَفَسٍ جديد.

*

أسمع الأقارب في منافيهم يأسون لذاكرتها التي امّحت يوماً فيوماً 
      وجهاً فوجهاً 
                   يداً فيداً

تساقطت منها الذاكرة تحت الأسرّة وخلف الأرائك، تاهت الأسماء وغارت العيون الأليفة في الخزائن المظلمة. تناثرت الأيام على الأسطح العارية، فبقيت هي صفحةً بيضاء، يداً حائرة على الطاولة، شجرةً ميتة، ساعة فارغة تموت فيها الشمس هنيهة عند الظهيرة.

أسمع الأقارب في منافيهم يتغنون بصباها البعيد على شاطئ يافا، حيث كان البحر 
يتسحب كالقط ليسكن وقتا تحت سماء يدها.
يقلّبون صورا صفراء، ممتنين لنساء غريبات يأتين كل يوم من خلف سور
الحديقة ليجبرنها على مجاهدة نفس أخير.

*

الحياة نوال بعيد، نموت ونحن ننتظره أو نسعى إليه.

وهي امرأة لا تعرف نفسها إلا طفلة، حيث المدى بحر والسماء ضوء أبيض.
وأنا أعيش موتها المتجدّد كل يوم،
أعلّقه صوراً على الجدران،
أرشّه زعتراً بريّاً، 
أودعه في القدور، عودَ ميرمية،
ليبقى في قوتنا اليومي
عبق الزمن الجامح 
ولسعة الفاجعة. 

*

يوم أُخرجت العائلة من البيت في يافا، كانت الشمس مشغولة بالغياب. وكان البحر
ساهماً، فلم ينتبه إليهم واقفين على الرصيف في الجانب الآخر من الشارع ينظرون 
إلى بيتهم مرّة أخيرة. 

وكان البيت مطرقاً، مسلّماً. النوافذ مفتوحة والباب فم فارغ.
وهي لا تذكر الكثير من ذلك اليوم. كانت طفلة تنظر إلى الأعلى. ترى وجه البيت الحزين ووجه أبيها القاسي يزداد قسوة. 

*

كان أبوها يملك دكاناً كبيراً على واجهة يافا البحرية. لم يكن يتكلم كثيراً. تعوّد أن 
يمشي كل يوم من بيته المطل على البحر إلى دكانه المطل على البحر،
ليجلس على كرسيٍّ خشبيّ، على الرصيف المطلّ على البحر.
لا يتكلم كثيراً، يترك للآخرين أن يدبروا له شؤونه، يعملون عنده،
يدخلون ويخرجون من باب الدكان، يطلبون منه الإذن لتدبير الأمور وهو جالس في مقعده المطل على البحر.
رجل قاس ويستطيع أن يكون ظالماً.
لكن رفقة البحر السمحة كانت تبقي وحوشه ساكنة، فيبدو مهيباً، متأملاً، حالماً أحياناً. 

*

حين وقف الأب ذلك المساء على قارعة الطريق ينظر إلى بيته للمرّة الأخيرة، رأت الطفلة الوحوش تتململ في تضاريس وجهه الصلب. عرفت لحظتها أنها صارت لاجئة، أنها ستمضي بقية عمرها طريدة وحوش اجتاحت طفولتها ذلك اليوم. 

*

فتاة ساهية. 
لم تأبه بالزمان حين انهدم، 
ولا بالسماء حين انقفلت 
وتقوّست قبةً تحجبُ وجه الله.

فتاة تحلم بحقل أقحوان بعيد، تقلق على ورد ينام في الصقيع. تتألم لأطفال لم يولدوا بعد. بأنامل مرتعشة، تعلق خصلة وراء أُذنها الصغيرة،
تنظر إلى البعيد، وراء البحر،
فلا تنتبه حين ينهشها الزمان 
وتتقوّس فوق سنيّها،
قوسَ ألم أبكم.

*

عجوز تضلّ الطريق، فتقع على سجادة الصلاة كل يوم مرّات عديدات. 
تنجو من غرقها اليومي، وتطفو فوق ضجيج الناس حين تلوذ بوسوسات رفيقة.

يهدأ نفسها وتسكن يداها، تسرح عيناها في الفضاء المستطيل الذي يرفعها عن أرض الآخرين. 
تتتبع أطراف السجادة، تهيم في قناطرها المطرّزة.  تفكر في يدين
 بعيدتين تعبتين، رجل ربما أو امرأة. تؤمن بذاك الشخص البعيد المنهك مثلها الذي حاك الفضاء القدسي هذا، في غرفة رطبة ربما، معتمة ربما.
لم يأبه بأبواب السماء، أمفتوحة كانت أم مغلقة. لم يكترث بما سيبذل من همهمات 
وأحلام مهدورة، لم يمتثل إلا لألم حكيم في معصميه ونور في عينيه لا محال منطفئ.

*

تصلي في كل زواية من زوايا البيت العقيم. 
تضيء لكل لحظة شمعة 
وترى في كل كسرة خبز 
نبوءة تتحقق.  

*

أُمّ 
تعلّق أولادها على حبل الغسيل
تلوّح بذراعيها حين يهب النسيم
فيذبل وجهها في الشمس 
وتيأس عيناها من الأفق 
أُم منسية،
لا من ينزلها عن صليبها العادي
لا من يضمد جراحها لتقوم بعد حين
أُم يتيمة، 
والأبناء
خرق على حبل الغسيل.

*

لكنّ لها ولدا
حين ينكمش جسدها 
كزبيبة 
وتتكوّر على نفسها، في لحد في بيت لحم،
ينكمش جسده في الجانب الآخر من العالم.
فجأة يسمع خرير الدم في رأسه
وحين يغلق عينيه يرى الأوردة في جفونه
تنبض غضباً.
يتكوّر على نفسه.
ولا يجد من يشيعه. 
فقد نسي الآخرون جسده في الخارج
وأغلقوا الترنيمة. 

*

يتحلق الآخرون حول قبرها المفتوح في بيت لحم،
وينسون أن جسداً لها ما زال منكمشاً 
في الجانب الآخر من العالم. 
ينسون أنها في جسد ولد بعيد تقع كل يوم 
تنكسر آلاف المرّات
ولا تجد من يعيدها إليها، 
من يجمع أطرافها،
من يهدّئ روع دمها الغاضب. 

*

التقيتها أول مرّة في عمّان. كانت هالتان تحت عينيها ابتسامتين داكنتين. ويداها  
النحيلتان ترتجفان خجلاً أو قلقاً. أمسكتْ بيدي حين تقابلنا وكأنها وجدتني بعد أن
 كنت تائهة. أجلستني على أريكة في بيت مؤقت لم تكن تعرفه. لم تسعفها الكلمات 
فقامت تدور في البيت من المطبخ إلى الصالة. تحضر أشياء لتملأ الصمت بيننا. موز وتمرّ. ماء وعصير. تروح وتجيء، 
تقدّم لي تعب يديها حيث يضيع الكلام.

*

وكانت قد عبرت الجسر لتأتي إلى لقائنا العابر هذا. صحت باكراً بعد ليلة من القلق 
ومراجعة الاحتمالات. انتعلت حذاءها الأسود نفسه، أرضاً أليفةً تصحبها في سفرها المستحيل. التحفت بثوب يجعل منها خيالاً، ثوب تصبح فيه بلا جسد، فلا تمشي بل تلوح وتميل.

صحت باكراً لتعبر جسراً يمتد بغلٍّ فوق نهر سقيم أنهكته الأساطير. 
وقفت ساعات في الطابور في ممرّات مسوّرة بالحديد. ومع كل ساعة يزداد انحناء ظهرها وتثقل يداها. مع كل خطوة بطيئة إلى الأمام يكبر فزعها،
فزع ينخز حلقها ويكبر كوردة سوداء.

تتقدم فزعة من أطفال نزقين، يختبئون وراء أسلحتهم اللامعة، أطفال نزقين
سيتقاذفون قلبها المضطرب كطابة على الشاطئ، يتبادلون النظرات
كالضباع حين تحاصر أضعف الطرائد.
يهزؤون من الرعب الظاهر في عينيها، فيسمح الواحد منهم لنفسه أن ينظر إليها من رأسها حتى قدميها. 

تبقى رهينة تحت شمس جائرة على جسر معلّق في الهواء،  
إلى أن يوميَ لها واحدهم بحركة متعجرفة من رأسه أن امشي،
فتظل واقفة، تماطل برهة، 
تراوغ هنيهة، وكأنها تنتقم قليلاً،
تجبر شلة الأطفال النزقين على النظر إليها وهي في كامل ضعفها، تتحرك ببطء مستفز، وبانكسار سحيق تخرج من قفص نظراتهم الشائكة.

*

أتت إلينا مرّة وكنّا نعيش في الشمال الأميركي حيث الشمس تظل مكسورة، لا تقول شيئاً وتتربص من خلف التلال.

أتت إلينا مرّة وكان ذهنها قد بدأ يخادعها. تدخل من باب ثم تضيعه، فتهلع. 
تنزل الدرج كل يوم في الصباح وتقول:
هيا بنا تأخرنا. سيقفلون الجسر بعد قليل. 
لا أريد أن أبيت في عمّان، فلا معنى لنا هنا.
من يخرج من داره يقل مقداره.

*

أتت إلينا مرّة، فبهت كل ما في البيت. التطريزات الحمراء التي كانت تضيء الصالة ذبلت. كنّا نضعها في صدر الغرفة، فيعلّق عليها من يزورنا. كانت دوماً تفتح لنا باباً للحديث عن فلسطين. فنخبر أصحابنا الأميركيين شيئاً عن العالم الذي لا يعرفونه، شيئاً عن معنى السفر في يأس، شيئاً عن الجغرافيا التي تتربص بك كيداً، 
عن الجدران حين ترتفع والأشجار حين تصير مستحيلة.
 
كانت المربعات الحمراء المطرزة تشتعل حين تحتشد الغرفة بالزوار والكلام. 
ولكنْ، حين أتت هي إلينا مرّة، بهتت المربعات الحمراء خجلاً. والبابونج الذي كان يملأ خزائن المطبخ حكايات، انطفأ هو كذلك،
حين أتت إلينا مرّة. 

أهي الفجيعة حين تقترب، تصبح عصية؟  تستحيل فلا يراها أحد فلا تسعها كلمة أو غرفة؟

*
في بيت لحم، كان البيت يقودها على سجيته. يمسك يدها ويرشدها في تيهها.
فتبتسم لها الأبواب وتحييها. تهمس لها النوافذ، فلا تضيع. 

تمشي على هدى غفلتها في حضن بيتها العقيم.

وكان البيت فرحاً بها. يعرفها جيداً، ينتبه من لمستها حين تصافح يد الباب أو تمسح 
على ظهر الأريكة. فينهض إليها كل صباح، 
يهيئ لها خارطة تيه جديد.

*

تسير على هدى غفلتها. تحفظ الفتاتَ للقطط الشاردة. تتوق لنقنقة الدجاجات التي 
ذبحت منذ سنوات، وكانت تملأ الحديقة كلاماً. 

تعجب لما يهدر من حياة حولها: أيام تتكدس، دموع، نظرات، أنفاس، ريش،
دماء، خبز، كلام. 

تسير على هدى غفلتها. تنسى أسماء الأشياء.
أطاولة أم كرسي هذا الكائن القابع في الزاوية؟
أباب هذا الجدار أم صمت؟
وهذا الآخر المتربص بها، أأهلٌ أم قَفر؟ 

على هدى غفلتها، تنسى أسماء الأشياء ولا تنسى أن تحفظ شيئاً من نفسها، 
تهبه لقطة أو طير عابر، لا يفوتها أن تهب بعضاً من حياة مهدورة. 

*

امرأة لا أعرفها. عشت موتها المتجدد يوماً بعد يوم. 

لم تجد زاوية في حجرة عقلها الجامح، بل جدراناً تمتد بلا قرار.
بلا هدأة، ورحى العقل تدور وتدور، كما تدور غرفةٌ أولَ الحمى أو آخِر البكاء، إلى أن أغمضت عينيها على أمل نوال أبعد.
 
وخرجت من زنزانة العقل الجامح
إلى حيث المدى بحر والسماء ضوء أبيض.


* كاتبة من لبنان، أستاذة الأدب والنقد العربيَّين في "جامعة بنسلفانيا" الأميركية

المساهمون