مفكرة المترجم: مع عبدالله طاهر البرزنجي

30 سبتمبر 2020
الصورة
عبدالله طاهر البرزنجي

تقف هذه الزاوية مع مترجمين في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات العالمية المختلفة اليوم. "أبحث عن الكُتّاب المبدعين المهمّشين، ومعظم الناشرين يركضون وراء المشاهير"، يقول المترجم العراقي الكردي في حديثه إلى "العربي الجديد".


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟ وما هو أول كتاب ترجمته وكيف جرى تلقيه؟
- بدأت حكايتي مع الترجمة من خلال الإعجاب بالنصوص الجميلة التي صدمتني أثناء القراءة، كنت أقرأ ثقافات العالم باللغتين العربية والكردية، فقلتُ في نفسي، لا بدّ أن أخدم هذا الجمال الكامن في هذه النصوص، لا بدّ أن يراه الآخرون، ففكّرت أن الوسيلة المتاحة هي الترجمة التي تأتي بعد الدهشة والإعجاب. أول نص، وليس أوّل كتاب، ترجمته، هو قصيدة للشاعر الكردي الشهير لطيف هلمت إلى اللغة العربية، كان ذلك في عام 1972 وكان عمري آنذاك خمسة عشر ربيعاً، كما أن أول كتاب ترجمته كان للشاعر نفسه وذلك عام 1987 بعنوان "السمكة الفضية" في بغداد. سلّط نقاد عراقيون الضوء عليه وتناولوه من جوانب مختلفة.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟
- أخر كتاب مترجم لي هو كتاب "الكرد في الثقافة والرواية العراقية" للناقد والمترجم العراقي حسن ناظم، ترجمته من العربية إلى الكردية، وفيه يركّز الناقد على الروايات العراقية التي كُتبت أساساً باللغة العربية في العراق وتتناول لغة الكرد وحياتهم الثقافية والاجتماعية. يعرّج الكاتب على جميع الروايات التي تناولت هذا الموضوع سلباً وإيجاباً. هو بحث موضوعي متميّز تلمس فيه الجرأة والإنصاف في الطرح. إضافة إلى ذلك ترجمتُ كتابات متفرّقة في الصحف والمواقع الإكترونية. حالياً، أترجم كتابين من العربية، وهما: "عبدالله العروي.. من التاريخ الى الحب" (كتاب حوارات) ورواية "الحلزون العنيد" لرشيد بوجدرة.


■ ما العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية، وكمترجم إليها؟
- أحياناً يلعب التقارب بين بعض اللغات دوراً في تيسير الترجمة، أقصد هنا لغات تنحدر من أرومة واحدة، كاللغة الفارسية والكردية، رغم أنهما مختلفتان في الوقت الحاضر. ففي حالة الترجمة من هاتين اللغتين تُصادف نظامين لغويين متقاربين يسهّلان عملية الترجمة؛ هناك تآلفٌ في تركيب الجملة، لكن العربية من عائلة لغوية مختلفة فتكون الترجمة منها وإليها أصعب من بعض النواحي. في العربية، تقرأ عشرات المعاني للمفردة الواحدة. بالنسبة إليَّ لا أرى في ذلك عقبة، لكن هناك مترجمين ينقلون إليَّ معاناتهم في تجارب مرّوا بها. شخصياً لا يتعسر عليَّ أي شيء لأنني درست جميع المراحل الدراسية باللغة العربية وتخرجت في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، ودرَّستها لمدّة 26 سنة في الإعدادية ومعاهد المعلمين وأكتب بها مثل أي كاتب عربي.

أتمنى أن تؤسس دار خاصة بنشر الثقافتين الكردية والعربية


■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟
- على الصعيد الشخصي، اهتممتُ بترجمة الأدب كثيراً لأنني أديب أكتب النقد والشعر والقصة، غير أن هذا لم يبعدني عن ترجمة عشرات الدراسات التاريخية والفكرية، أما على الصعيد العام، فإن دور النشر الكردية ترحّب بترجمة الفكر والتاريخ والسياسة والفلسفة والسيرة الذاتية وتفضّلها على الأدب، ولم يعد القرّاء يكتفون فقط بقراءة الأدب والفن، مثلما رأينا ذلك في السبعينيات والثمانينيات. المطلوب في نظري هو قيمة المادة المترجمة وليس الكمية والتنوّع فقط.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟
- علاقتي الشخصية طيّبة مع الناشرين، بخاصة مع الكرد ودور النشر العربية في بغداد. يستشيرونني، وأقيّم لهم الكتب، وأراجع بعض الكتب المترجمة، لا ألبّي طلبهم في بعض الأحوال. أحياناً يطلبون مني ترجمة بعض السِير والكتب التي لا أقتنع بها فأرفض الطلب. أنا أبحث عن الكُتّاب المبدعين المهمّشين، وهم يركضون وراء المشاهير. لا يروق لي ذلك كثيراً.

اهتمامي بالأدب لم يبعدني عن ترجمة الدراسات التاريخية والفكرية


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟
- لكل كاتب ومترجم آراؤه وطروحاته الشخصية يعتز بها ولكن من الأفضل ألا يسقطها على كتاب أو نص يترجمه. دليلي إلى اختيار الموضوع هو الجمال الكامن فيه ودقة الكاتب ورؤاه العميقة. لا يمكن إقصاء السياسة نهائيا شريطة ألا تبتعد عن توجهات إنسانية معقولة، ينبغي أن تتجنّب التطرّف والطاعة العمياء والتعصّب الفكري أو القومي. في العام الماضي كلفت من قبل مؤسسة كردية بترجمة السيرة الذاتية لشخصية معروفة إلى اللغة العربية، بعد أن قرأت الكتاب وجدته يستحق الترجمة لكونه مسحاً جيداً لربع قرن من الحراك السياسي اليساري في العراق، علماً أنني لستُ شيوعياً ولم أنتم في حياتي إلى أي جبهة يسارية منظمة.


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟
ليس شرطاً أن يعرف المترجم الكاتب الذي يترجم مادته، وفي الوقت نفسه يحبّذ أن يُنشئ علاقات وطيدة معه. أنت تترجم لكاتب تصادقه من خلال الترجمة وربما تكتشف أثناء ذلك خفايا قابعة في أعماقه لا يعرفها المقرّبون اليه. لي علاقات يومية مع بعضهم والتقيتُ بعضهم في مهرجانات؛ منهم الشعراء عباس بيضون ورفعت سلام ومحمد آدم والناقد حسن ناظم والشاعران الإيرانيان شمس لنكرودي وموسى بيدج وآخرون.


■ كثيراً ما يكون المترجم كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟
- عندما أترجم أُحسّ أن النص سجن جميل أختاره بنفسي، يفرض عليَّ صاحب النص ما لديه لتقبله، وحينما أنتهي من ترجمته أشعر وكأنه يمنحني المفتاح لأطلق سراحي بنفسي. إنني أعرف مسبقاً أن أسلوب الكاتب وأجواء نصوصه قريبة من أسلوبي ورؤيتي فأختاره على هذا الأساس، بمعنى آخر أن أفق انتظاري ينسجم مع أفق انتظار النص أو الكاتب. الترجمة اختيار، أنا أختار ما يصدمني ويستميلني ويسحرني. بالتأكيد لا أجبر النص المترجَم على التطابق التام مع أجواء اللغة الثانية وإنما أدعه يُثري، مثلاً، اللغة الكردية، بعبق أزاهير لغة أخرى وأجواء، ربما تكون غريبة عليها.

أبحث عن المبدعين المهمّشين والنقاد يركضون وراء المشاهير


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟
- لا أروم التطرّق هنا إلى المبادئ والقواعد العامة التي يسير وفقها المترجمون، إنها معلومات عامة مدروسة ومعروفة لدى المترجمين، أما بالنسبة إلى الشق الثاني من السؤال فأقول: عندما أترجم أودّ أن أستمتع بأجواء الموضوع وأقرأ الجمل بدقة تامة. يعني، تكمن مهمتي في نقل النص والإفادة منه والاستمتاع بجماله، أحياناً يلهمني ويزوّدني هذا التروي بفكرة القيام بإنجاز دراسة نقدية. أعيد قراءة الجمل وأقارنها أكثر من مرة مع الأصل. وأضع الخطوط تحت بعضها.


■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟
- لم أندم في حياتي.


■ ما الذي تتمناه للترجمة من اللغة العربية وإليها، وما هو حلمك كمترجم؟
- أتمنّى أن يتعمق المترجم ويكون دقيقاً وألا يلهث وراء المال ووعود الناشرين ولا يذعن لكل المشاريع التي يطرحها أنصاف الناشرين. في العراق لغتان رسميتان، العربية والكردية، أتمنى أن تؤسس دار خاصة بنشر الثقافتين الكردية والعربية فقط من خلال ترجمة النماذج الرائعة. ففي هذه الحالة يمكننا إعادة النظام إلى حركة الترجمة وتمييز الغث من السمين.


■ ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟
- هناك أكثر من مبرّر وسبيل لوصول الأدب العربي والآداب الشرقية إلى العالمية. هنا لا بد أن نعرف أن العالمية تختلف عن العولمة، عالمية الأدب لا تخضع لهيمنة المركزية الغربية وحصرالإبداع في مواقع جغرافية غربية فقط، الأدب له قدرة خارقة على خرق الحدود والوصول الى العالمية. الأدب العربي أدب عريق وعميق في الشرق، نشأ في مركز حضاري ويحمل هموماً محلية وشرقية وعالمية، يملك خصوصياته المحلية ويحمل آفاقاً فكرية وإنسانية شاملة، يتميّز بصدقه الفني وجموح خيال مبدعيه، فيه قامات وأصوات مبدعة ليست أقل شأناً وقيمة ممن نراهم في العالم.


بطاقة

ناقد وشاعر ومترجم عراقي كردي من مواليد السليمانية عام 1957 يترجم بين اللغات الكردية والعربية والفارسية. صدر له إلى الآن أكثر من أربعين كتاباً بين التأليف والترجمة، وعمل رئيس ومستشار تحرير مجلات عربية وكردية في العراق، ويعمل حالياً كخبير في "مركز الدراسات الكردية" التابع لجامعة السليمانية.

ترجم من الكردية إلى العربية: "أنطولوجيا الشعر الكردي الحديث" (2008)، و"أطول من الحياة، مختارات رفيق صابر" (2013)، و"الريح لا تصادق أحداً، مختارات لطيف هلمت". ومن العربية إلى الكردية ترجم مختارات من شعر محمد الماغوط، وسنية صالح، وعباس بيضون، وشوقي أبي شقرا، ورفعت سلام، وأمجد ناصر، ومحمد آدم، وجان دمو، وغيرهم.

ومن ترجماته من الفارسية إلى العربية: "من ثقب الباب: مختارات من قصائد الشاعر شمس لنكرودي" (2009)، و"كلب يغادر أعماقي: مختارات للشاعر رسول يونان" (2012)، و"الابن"، وهو سيناريو للكاتب والفنان قطب الدين صادقي.