كيف أصبحت القاهرة المملوكية مدينة المدارس والخانقوات

01 أكتوبر 2020
الصورة
من "شارع المعز" في القاهرة (Getty)

الوقف مؤسسة أساسية في التاريخ الاجتماعي والعمراني الإسلامي؛ فقد ساهم مساهمة فعّالة في تطوّر السياسات الخيرية والأطر القانونية للمنح والهِبات والتكافل والدعم الاجتماعي على مرّ العصور الإسلامية، حتى إطلالة العصر الحديث بوسائله القانونية الجديدة والمختلفة. 

أمّن هذا النظام الإسلامي القديم السَنَد التمويلي الرئيس والمستدام لكل المنشآت المعمارية الهائلة التي أقامها السلاطين والملوك والأمراء والأثرياء منذ القرن الرابع الهجري على أقل تقدير إن لم يكن أبكر. فعبره كان يمكنهم وقف وحبس وتأبيد العقارات المدرّة للدخل والأراضي الزراعية المنتجة وغيرها، بسلطة شرعية لا تسمح بأي تبديل أو تحويل لإرادة الواقف، لبناء المؤسسات الموقوفة وتوظيف العاملين فيها والمحافظة عليها وصيانتها ودعم نشاطاتها الخيرية والاجتماعية والتعليمية والدينية.

وقد ساهمت دراسات الوقف في الفترة الأخيرة في إغناء معلوماتنا التاريخية إغناءً كبيراً، وخاصة أن الأوقاف قد أمدّتنا بنوعية من المعلومات لا تتوافر عادةً في المصادر التاريخية المعتادة. وقد استفادت الدراسات التاريخية المعمارية والعمرانية بشكل خاص من استيعاب دراسة الأوقاف القروسطية بسبب ما تحويه هذه الأخيرة عادة من توصيف دقيق للمباني والأراضي الداخلة ضمن الوقف، يشمل بالإضافة لتحديد موقعها ضمن المدينة أو الريف وصفاً مفصّلاً ووظيفياً لترتيبها المعماري يتبع عادةً حركة الواصف ضمن فراغاتها من مدخلها حتى أعلى مشترفاتها. 

بالإضافة لذلك، وفّرت وثائق الأوقاف تقديراً دقيقاً لكلفة المباني الموقوفة ومصاريف صيانتها وأجور العاملين بها والمستفيدين منها والقائمين على خدمتها. ثم أدرجت تعداداً تفصيلياً للحصص الموقوفة من أراض وعقارات وغيرها يتضمّن موقعها ومساحتها ووظائفها والدخل المنتظر منها وتكاليف صيانتها. وقد مكّنت وثائق الوقف، وقد بقي منها من الفترة المملوكية المئات في القاهرة وحدها، الباحثين المعاصرين من استخدامها في دراسات شتّى تشمل النواحي العمرانية والمعمارية والاصطلاحية بالإضافة للأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمؤسسة الوقف نفسه ولتأثيرها على شكل المدن وتطوّر عمرانها.

مخطوطات الأوقاف مصادر تاريخية ثمينة لباحثي اليوم

تظهر آثار نظام الوقف العمرانية أكثر ما تظهر في القاهرة التي تزخر وتختال بمئات المؤسسات الخيرية الموقوفة في عهد المماليك (1250 -1517 م)، من مساجد ومدارس وخانقات وترب وقبب وأسبلة وغيرها. فالوقف قد شكّل الأداة الأولى والضرورية للمماليك - من السلطان إلى أصغر أمير - للتصرّف ببعض من الثروات التي منحها إياهم الإقطاع المقدم لهم من قبل الدولة كجزاء على خدماتهم لها، في شؤون الخير والرعاية. فهم قد استخدموا جزءاً من إقطاعهم لتمويل أوقافهم الخيرية التي أحصى مايكل ماينكه أكثر من 2300 منها في القاهرة نفسها خلال المئتين والسبعة وستين سنة من حكم المماليك، أي بمعدل عشرة مؤسسات خيرية جديدة تقريباً في السنة، كانت معظمها مساجد أو مدارس أو قباب، وفي الفترة المتأخرة أسبلة كانت تزوّد أحياناً بكتّاب لتدريس الأولاد فوقها. 

هناك أكثر من عامل تاريخي لتبرير الزخم الهائل في إنشاء المؤسسات الخيرية في العصر المملوكي. فهناك أولاً الأسباب السياسية التي جعلت المماليك يحاولون عن طريق دعمهم للمؤسسات الدينية إثبات التزامهم بدين البلاد وهم القادمون الجدد إليها وإلى الدين الإسلامي نفسه. وهناك طبعاً الوازع الديني الذي لا يمكن الشك في لعبه دوراً عظيماً في قرارات المماليك، أو نسبة كبيرة منهم، بدعم العمل الخيري المؤسساتي. فهم على الغالب والأعم قد تلقوا تربية دينية متكاملة خلال فترة تدريبهم ودرسوا القرآن والحديث وآداب الدين على يد فقهائهم المعيّنين لهذه الوظيفة بالذات حتى شبّوا وقد تشرّبوا بتعاليم الإسلام وتعظيمه، على أقل تقدير في الفترة المملوكية الأولى أو البحرية، على رأي المقريزي وابن خلدون.  

مثّلت فضاءً يشتغل فيه أبناء المماليك النافرين من الجندية

ويمكننا هنا أن نتذكر أن عدداً لا يستهان به من المماليك تعلّموا الفقه أو الحديث وبعضهم برع فيه، وعدد أكبر مال إلى التصوّف والتحق بواحدة من عشرات الطرق الصوفية المنتشرة في البلاد، ما انعكس ولا بد على رغبتهم بدعم إنشاء المدارس أو الخانقات واختيارهم لما يناسب ميولهم وانتماءاتهم.

وهناك أيضاً الرغبة بتخليد الذات، أو على أقل تقدير تخليد الاسم، عن طريق إقامة المؤسسات التي تحمل اسم الراعي، كما لا يزال الحال اليوم في مختلف الثقافات. وهناك روح التنافس بين السلاطين والأمراء على من سيوقف المنشأة الأكبر أو الأهم أو ذات الخدمات الأكمل، وطبعاً كانت منشآت السلاطين هي الأسبق دائماً ولو أن بعض الأمراء الكبار قد فاقوا سلاطينهم في عظمة منشآتهم الخيرية المعمارية واتساع أوقافها.  

وهناك أخيراً سبب تاريخي آخر خاص بنظام الدولة المملوكية ذي الجيل الأرستقراطي الواحد الذي يتم تبديله كل جيل بمجموعة جديدة من المماليك الصغار المجلوبين من بلاد الترك والشركس. فأولاد المماليك، الذين عرفوا في المصادر بـ"أولاد الناس"، مالوا بمعظمهم عن حياة الجندية واتجهوا إلى متابعة مهنة في العلم أو الكتابة أو التصوّف. ونحن نجد ذكر العديد منهم مبثوثاً في صفحات كتب التراجم والطبقات. ولذلك لا يمكننا إهمال إمكانية أن تكون الأوقاف الكبيرة وسيلة أخرى من الوسائل التي استنبطها المماليك لدعم عائلاتهم وطبقتهم بشكل عام عن طريق خلق المناصب لأولادهم أو على أقل تقدير تمويل تعليمهم، ولو أن المعلومات المتوافرة بهذا الشأن شحيحة جداً ولا تعدو كونها بعض الإشارات إلى بعض أولاد الناس في التراجم.

لم تغب فرادة هذه الحالة عن أعين المراقبين المعاصرين من العلماء والكتّاب الذين استفادوا استفادة مباشرة من اهتمام المماليك الشديد وغير المسبوق بإقامة المنشآت الخيرية ودعمها لتأدية الوظائف المنوطة بها. وليس هناك معلّق أقدر تعبيراً من ابن خلدون لكي يوصل لنا رأياً محكماً بأسباب تقدم القاهرة كعاصمة للعلم يربط فيه بين نظريته العامة في العمران وبين الوضع الخاص والاستثنائي الذي شكّله المماليك فيها من حيث محاولتهم تأمين بعض المدخول من إقطاعهم لورثتهم مع وعيه لتأثير الوازع الديني أيضاً.

يقول ابن خلدون في "المقدمة": "ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر، لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة من آلاف من السنين فاستحكمت فيها الصنايع وتفنّنت، ومن جملتها تعليم العلم. وأكّد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا‏.‏ وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته‏.‏ فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركاً لولدهم ينظر عليها أو يصيب منها مع ما فيهم غالباً من الجنوح إلى الخير والصلاح والتماس الأجور في المقاصد والأفعال‏.‏ فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد وكثر طالب العلم ومعلمه بكثرة جرايتهم منها وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها والله يخلق ما يشاء". 


* مؤرخ معماري مقيم في الولايات المتحدة