جامع ابن طولون: حكايات البناء والترميم

22 سبتمبر 2020
الصورة
رواق داخل جامع ابن طولون (Getty)

جامع ابن طولون في القاهرة، المبني بين سنتي 876 و879، واحد من أكثر جوامع العالم سكوناً وهيبةً ورصانةً. وهو المبنى الوحيد المتبقي من مدينة القطائع التي بناها الأمير أحمد بن طولون شمال الفسطاط عاصمة مصر الإسلامية إبان حكمه البلاد لصالح العباسيين، الذين دمروا ما بناه بعد أن تطاول على الخلافة وأسس سلالة حكمت لجيلين بعد موته.

والجامع يقبع فوق جبل يشكر في قلب المدينة التاريخية في مكان مشهور بإجابة الدعاء حتى قيل إن موسى ناجى ربه عليه بكلمات‏. وهو بباحته الواسعة التي تتوسطها فوارة متأخرة البناء وبوائكه التي تحيط بها بعضادات من الطوب كل منها مزنرة بأربعة أعمدة محفورة في زواياها، وقاعة صلاته التي تستمر على نفس نمط البوائك لخمسة صفوف، وزخارفه الجصية المجردة، ومئذنته التي تستقي شكلها من ملوية سامراء عاصمة الخلافة، وكتاباته الكوفية على الخشب والجص التي قيل إنها حوت يوماً نص القرآن كله، النموذج الوحيد الذي ما زال قائماً في العالم لمساجد سامراء العباسية.

تبدأ قصة الجامع بكنز مخبوء. ففي ليلة مقمرة، حسب عبارة البلوي كاتب سيرة ابن طولون، خرج الأمير مع حاشيته إلى الصحراء فساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه وسقط الغلام، فوقف عليه أحمد بن طولون وأخرجت يد الفرس، فنظر فإذا بفتق ففتح، فوجد غرفة قديمة محشوة بالأشياء النفسية (لا بد أنها مقبرة فرعونية)، وأصاب فيها من المال ما كان مقداره ألف ألف دينار. فقرر ابن طولون صرفها في وجوه البر، وأولها بناء جامع. وهكذا بدأت أسطورة الجامع الذي أراد له ابن طولون أن يحفظ ذكره كحاكم مؤمن وعادل وسخي. وأراده أيضاً أن يكون مبنىً فريداً ولكنه ليس بالغريب، مهيباً ولكنه ليس بالمتباهي، وضخماً ولكنه ليس بالطاغي.

النموذج الوحيد الذي ما زال قائماً لمساجد سامراء العباسية

رغب الأمير لجامعه أن يجايل العمارة العباسية مثل جوامع سامراء التي شب فيها ابن طولون. فقد قدِّر لبناء جامعه ثلاثمائة عمود، وقيل له: ‪"‬ما تجدها أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضياع الخراب فتحمل ذلك‏. فأنكره ولم يختره وتعذب قلبه بالفكر في أمره‪،"‬ لأنه لم يجد بين المعماريين الذين تسابقوا للحصول على مشروعه من يمكنه أن يحل له هذه المعضلة. وبلغ الخبر بنّاءً مسيحياً حفظت لنا المصادر اسمه، سعيد بن كاتب الفرغاني‫،‬ يبدو أنه جاء مع ابن طولون من سامراء وهو مسجون في سجن الأمير، فكتب إليه‏:‏ "أنا أبنيه لك كما تُحب وتختار بلا عمد إلاّ عمودي القبلة"، فأحضره وقد طال شعره، فصوّر المعمار الجامع على الجلود فأعجب الأمير واستحسنه وأطلق سراحه وأطلق له النفقة حتى يقوم بالبناء. وكما وعد فقد تمكن سعيد من بناء الجامع باستخدام العضادات بأعمدتها الآجرية الأربعة، ولم يستخدم سوى عمودي رخام سماقي على طرفي المحراب. وارتاح ابن طولون، وأمر لسعيد بجائزة عشرة آلاف دينار. وحصلت مصر على أول جامع فيها على الطراز السامرائي الآجري الذي لا يستخدم الأعمدة الرخامية كما كانت العادة.

لكن المؤرخين المصريين لم يعرفوا على ما يبدو أن جامع ابن طولون يتبع في طرازه جامع الخليفة المتوكل في سامراء. وقد جهدوا في شرح أشكال جامعهم الجديد الغريبة، وابتدعوا من أجل ذلك قصصاً جميلة، لعل أفكهها هي قصة المئذنة. فكما نعلم فإن مئذنة ابن طولون تتبع في شكلها شكل سابقتها الأعظم المئذنة الملوية في سامراء، ولكن المؤرخين أتوا لنا بالقصة التالية: كان ابن طولون جالساً في مجلسه يفكر وهو يعبث بلوح من الورق بيده وهو ساهٍ عنه، فخرج بعضه وبقي بعضه في يده، واستيقظ لنفسه وعلم أن مجالسيه شاهدوه وأخذوا عليه لكونه لم تكن تلك عادته، فطلب معمار الجامع وقال له: تبني المنارة هكذا، فبنيت على تلك الصورة، وتخلص ابن طولون من موقف محرج. نحن نعرف أن منارة ابن طولون بُنيت على مثال ملوية سامراء، التي سبقتها بخمس وعشرين سنة، ولكن القصة التي توردها المصادر المصرية تبين لنا كيف يتحايل المؤرخون لدرء جهلهم.

يختزل كل ما هو جميل ومهيب في العمارة الإسلامية المبكرة

كما هي الحال في أغلب قصص المباني العظيمة، تحفل سيرة جامع ابن طولون بالمنامات المعبرة المنسوبة لابن طولون. منها اثنان يأتيان عبر روايتين مختلفتين، ولو أنهما في نهاية الأمر يعبران عن المشاعر نفسها. في الرواية الأولى رأى أحمد بن طولون في منامه لما تم بناء الجامع كأن الله تعالى قد تجلى للقصور التي حوله ولم يتجل للجامع فسأل المعبرين فقالوا‏:‏ يخرب ما حوله ويبقى قائماً وحده. قال‏:‏ من أين لكم هذا؟ قالوا‏:‏ من قوله تعالى‏:‏ "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً". وكان كما قالوا‏، خربت القطائع وبقي جامع ابن طولون قائماً. أما الرواية الثانية فقد رأى ابن طولون في منامه كأن ناراً نزلت من السماء فأخذت الجامع دون ما حوله من العمران، فلما أصبح قص رؤياه فقيل له: أبشر بقبول الجامع المبارك لأن النار كانت في الزمن الماضي إذا قبل الله قربانا نزلت نار من السماء أخذته ودليله قصة قابيل وهابيل‏.‏

وقد احترق جزء من جامع ابن طولون فعلاً، فالفوارة في وسط باحته احترقت بكاملها بعد مئة سنة من بنائه، وهي كانت على قول المقريزي، "قبة مشبكة من جميع جوانبها، مفروشة كلها بالرخام، وتحت القبة قصعة رخام فسحتها أربعة أذرع، في وسطها فوارة تفور بالماء، وفي وسطها قبة مورقة يؤذن فيها، وفي السطح علامات الزوال، والسطح بدرابزين ساج، فاحترق جميع هذا في في ساعة واحدة". ولكن القطائع كلها خربت بعد زوال دولة بني طولون وتشعث الجامع وخرب أكثره، وصار مكاناً ينزل فيه المغاربة في موسم الحج.

الصورة
جامع ابن طولون (Getty)

ولكن الله قدر للجامع من يرممه في الفترة المملوكية في قصة أكثر إثارة من قصة البناء الأول. ففي عام 1292 اختبأ الأمير حسام الدين لاجين المنصوري في الجامع بعد مشاركته في اغتيال السلطان الأشرف خليل بن قلاوون. وأعطى لاجين عهداً إن سلمه الله من هذه المحنة أن يجدد عمارة الجامع ويجعل له ما يقوم به. فلما منّ الله عليه بالسلطنة وفّى بوعده وأزال كل ما كان في الجامع من تخريب، وبلطه وبيضه ورتب فيه وأعاد بناء فوارته ومحرابه سنة 1296. هذه هي الفوارة القائمة بوسط الصحن اليوم تحت قبتها الآجرية التي يُقال إنها كانت الإلهام وراء بناء المتحف الإسلامي في الدوحة، بعد أن شاهدها المعماري الراحل أي إن بيي ‪(‬I‪.‬ N‪.‬ Pei‪)‬ قبل الشروع في تصميمه خلال تجواله في المدن الإسلامية، ووجد في جامع ابن طولون المبنى الذي يختزل في بنائه كل ما هو جميل ومهيب في العمارة الإسلامية المبكرة.


* مؤرخ معماري مقيم في الولايات المتحدة