غابرييل شارم.. فرنسي يلتقي مدحت باشا في دمشق قبيل عزله عام 1880

17 أكتوبر 2020
الصورة
التكية السليمانية التي أنشئت بأمر السلطان سليمان القانوني في دمشق (ويكيبيديا)

في الأشهر القليلة التي سبقت إقالة والي سورية مدحت باشا من منصبه، أواسط العام 1880، زار دمشق صحافي وكاتب فرنسي مرموق يدعى غابرييل شارم (Gabriel Charmes)، كان من أهم كتاب صحيفة ديبا الشهيرة. وسبب الزيارة التي اصطحبه فيها صديقه بشارة تقلا، أحد مالكي صحيفة "الأهرام" المصرية، من الإسكندرية، هو الاطلاع على أوضاع ولاية سورية المهمة لفرنسا في عهد مدحت باشا ومعاينة طبيعة التغييرات التي أنجزها خلال العامين اللذين قضاهما في ولايته.

كتب بشارة تقلا وقائع رحلته ونشرها في جريدة الأهرام، بينما قام شارم بنشر وقائع رحلته في مقالات متسلسلة جمعت بعد وفاته عام 1886 ونشرت في كتاب تحت عنوان الرحلة إلى سورية، في العام 1891. ولم تتضمن هذه الرحلة وقائع زيارته إلى دمشق التي خصص لها مقالاً مستقلا غاية في الأهمية نشر بعد عودته إلى باريس.

ولم يدخر غابرييل شارم وقتاً، فنشر حال عودته إلى باريس، في السادس والعشرين من أيار/ مايو 1880، مقالاً غاية في الأهمية استعرض فيه خلاصة رحلته إلى سورية، وكشف بشكل مباشر وفج وضع الوالي مدحت باشا في تلك اللحظة التاريخية الحرجة، وهو ما استرعى اهتمام الباب العالي الذي قام بترجمة المقال للسلطان عبد الحميد والتعليق عليه، وهو ما سرع في إصدار قرار إقالة الوالي الإصلاحي وإبعاده عن سورية.


مبررات الرحلة

بدأ شارم رحلته إلى سورية من الإسكندرية، حيث يستذكر العامين اللذين قضاهما في مصر قائلاً: إن القيام برحلة إلى سورية أمر لا بد منه لأي دراسة جادة حول مصر، فهذان البلدان يكمل بعضهما بعضا بشكل طبيعي، ولا يمكن فهم بلد بمعزل عن الآخر، كما يقول، فهناك علاقات مادية وأخلاقية وسياسية وتاريخية بين البلدين.

ويشرح شارم أهمية سورية لفرنسا بقوله: سورية من بين جميع بلدان الشرق هي الأكثر ارتباطًا بفرنسا بالذكريات والمصالح. ويضيف: يجب أن نعود على الأقل إلى شارلمان لنكتشف أصل تأثيرنا على سورية، فمفاتيح القبر المقدس، التي أرسلها هارون الرشيد إلى الإمبراطور العظيم، لم تفتح لنا أبواب الحرم المسيحي فحسب، بل فتحت لنا أبواب الشرق كله.

ويشير شارم في كلامه هذا إلى بعض الامتيازات الدينية التي حصل عليها شارلمان في كنيسة القيامة ومنها مفتاح القبر المقدس. ويقول: "من القدس تمكنّا تدريجياً من الوصول إلى جميع مناطق الشرق، حيث أصبح اسمنا (الفرنجة) مرادفاً للأوروبي. كنت أعتقد دائماً أنه على الرغم من مصائبنا، فإن ما زرعه أجدادنا في هذه الأرض المباركة، حيث تنمو المحاصيل بوفرة غير معتادة، لا يمكن أن يذهب هباءً. لقد أثبت لي مشهد مصر بالفعل أنني لست مخطئاً. بقي أن أرى ما إذا كانت سورية ستؤكد انطباعاتي الأولى".

ويستطرد شارم في شرحه للتنافس الفرنسي البريطاني على طرق التجارة في الشرق، مشيراً إلى حالة الوهن التي تدب في جسد السلطنة وكيف ستتعامل فرنسا مع ذلك في ظل التحالف والتنافس مع البريطانيين، مؤكداً أهمية سورية في طريق التجارة البحري وخط سكة الحديد المستقبلي الذي سيعبر، عاجلاً أم آجلاً، كما يقول، وادي الفرات ويصل إلى الخليج العربي.

ومع ذلك، كما يقول بكل عنجهية: "في سورية، لم تتمكن أي قوة، ولا حتى إنكلترا، حتى الآن من الحصول على مثل هذا التأثير القوي والدائم مثل تأثيرنا، وإذا كان احتلال قبرص من جانب الإنكليز، في السنوات الأخيرة، أدى إلى تطور في ترسيخ البعثات البروتستانتية ومشاريع الخدمة العامة الكبرى، فإن هذه الأرض لا تزال حتى الآن فرنسية تمامًا، كما قال اللورد بيكونزفيلد، هذه المصالح لا تزال محفوفة بالمخاطر لدرجة أنها لا تسبب لنا إنذارات خطيرة، فالأمر متروك لنا للحفاظ على قيادتنا المؤثرة التي ندين بها لقرون من السياسات المتسقة والذكية".

ثم يشرح سبب قدومه إلى سورية بقوله: "هذا هو السبب الذي أوصلني إلى سورية. كنت حريصاً على دراسة أجناسها وعاداتها ومؤسساتها ووضعها الإداري والاقتصادي والصناعي والتجاري. رغم عدم تأكدي من استطاعتي القيام بذلك. وإلى جانب دراسة البلد، أنا أحب السفر".

ويلفت النظر إلى أنه لا ينوي في هذا الوقت عرض نتيجة ملاحظاته السياسية في رحلته هذه بل سيكتفي بسرد الانطباعات الشعرية والأخلاقية عن المدن التي سيزورها. نظرا لأن الحديث بالسياسة سيؤثر على كتابة رحلته عبر واحد من أجمل البلدان في العالم والذي من بين كل تلك البلدان ستكون الرحلة إليه مليئة "بالذكريات المقدسة"، في إشارة إلى مواقع الحج المسيحية التي زارها فعلاً وتوقف عندها ملياً مستلهماً قصة يسوع من خلال الجغرافيا المسيحية.


على متن سفينة روسية

يقول شارم: "كنت أهجس بهذه الأفكار أثناء صعودي للسفينة التي ستقلني من الإسكندرية إلى يافا في 21 آذار (مارس) 1880. لكن هل سأعترف بذلك؟ كانت أفكاري تقاوم فكرة الابتعاد عن مصر. عندما غادرت هذا البلد الجميل، شعرت بألم القلب الذي يشعر به المرء عادة عندما يترك وطنه وراءه. شعرت بحنين كبير وأنا أرى جدران الإسكندرية البيضاء تختفي شيئًا فشيئًا في الأفق، وتخيلت نفسي وأنا أختفي أيضاً في الضوء الأفريقي المبهر. مآذن القاهرة وجبل المقطم أصبحا بعيدين عن ناظري. حاولت عبثًا التحديق في الفضاء علني أرى المدينة التي أغادرها بحزن عميق".

ويضيف: "من أهم الأشياء الرائعة في حياتي هذه هو المكان الذي عشت فيه، وبدا لي، وأنا أغادر مصر، أن جزءًا من خيالي وقلبي قد انتزعا مني.. ساحل مصر منخفض للغاية بحيث لا يمكن رؤيته لفترة طويلة؛ المآذن الأخيرة، منارة الإسكندرية، تنحدر تدريجياً إلى الأمواج؛ السماء لا تزال مشرقة مع تألق عجيب، وتحدث المسافر الحزين عن هذا البلد الذي يغيب ويختفي".


عرب وأتراك وسيمون

يلفت شارم إلى أن السفينة التي حملته هي سفينة روسية غير مريحة، ولكن سطحها كان يوفر مشاهد مثيرة ومتنوعة. كانت غالبية الركاب من الحجاج الروس الذين تغطي رؤوسهم قبعات ثقيلة وأجسادهم ملفوفة بمعاطف متسخة من جلود الغنم، فيما اختفت أقدامهم داخل أحذية ضخمة يقطر منها الزيت والشحوم ومياه البحر، مشيراً إلى أن النساء، اللواتي يرتدين أحذية كبيرة، كنَّ أهدأ من الرجال.

ويشير إلى مشهد مناقض لمشهد الحجاج الروس البائس وهو وجود العديد من الركاب العرب الوسيمين، والأتراك الفخورين، والشباب السوريين برؤوسهم المزينة بكوفيات متعددة الألوان، حيث أظهروا أناقتهم وجمالهم جنبًا إلى جنب مع غرابة موسكو وتجهمها.

ويقول: "عند مغادرتهم الإسكندرية، جلس الحجاج الروس على الأرض، وبدأوا بضرب صدورهم، والركوع، ورسم علامات الصليب بحماسة. كان يجب أن ترى كيف أن الشرقيين، وهم مستلقون على سجاد رائع، ملفوفون بثيابهم البراقة، يلقون نظرة ازدراء على هذه المومياوات غير المحببة. كان من المستحيل التفكير في مشهد يعطي فكرة أكثر دقة عن تناقض الشرق والغرب".

 ويستطرد قائلاً: "حتى في الصلاة، يبدي الشرقيون نعمة وكرامة فريدين. ينحنون ببطء وينهضون باتجاه مكة، دون أدنى تسرع.. وعلى العكس من ذلك، كان الحجاج الروس يؤدون على عجل، من خلال حركات متشنجة مليئة بالتفاهات، عباداتهم التي لا نهاية لها. بعد بضع ساعات، تكدس المسيحيون والمسلمون والروس والعرب بعضهم فوق بعض، ممزوجين بدرجات اللون الرمادي مع التنويعات القرمزية، ورائحة دهن الغنم، وعلامات الصليب والسجود في سبيل الله..".


ربان ثرثار

يشير شارم إلى أن ربان السفينة الذي كان يتكلم الفرنسية كان ثرثاراً للغاية، واصفاً إياه بالفولتيري المسعور، حيث أخذ على عاتقه أن يخبر شارم بأن معظم مواطنيه الذين رآهم أمام عينيه كانوا حمقى مدفوعين بالتعصب الأعمى للحج إلى فلسطين. حيث أتوا إلى ميناء أوديسا على البحر الأسود بعدما اجتازوا روسيا سيراً على الأقدام من جانب إلى آخر، في حالة يرثى لها من التعب والإرهاق.

ويقول إنهم أتوا من بلاد الثلج إلى أشعة الشمس المصرية التي التهمتهم. وهذا لم يمنعهم من الصلاة، أو رسم علامات الصليب، أو الترانيم. ويشرح شارم أن مهنة الحج تنتشر في روسيا على نطاق واسع، حيث يكتسب المرء هناك سمعة القداسة القادرة على محو المعاناة ونسيان الكثير من الآلام.

لكن لا يمكن للجميع متابعتها لأنها باهظة الثمن. ويؤكد شارم أن المسافة من الإسكندرية إلى يافا قصيرة جدًا؛ ومن الممكن أن تكون أكثر خطورة إذا لم تتوقف عند بورسعيد، التي يصفها بأنها مدينة فريدة من نوعها، حيث رأى ميناء وورش شركة السويس، والحي العربي المبني من الألواح الخشبية، مشيراً إلى وجود متاجر صغيرة وملاه ليلية قد تثير اهتمام القبطان الروسي، ولكن لم يكن لها التأثير نفسه عليه هو.

ويروي رحالتنا وجود رفيق له في السفر هو شاب فرنسي يعمل في إدارة مصرية بدأ يتحدث العربية بطلاقة. وخلال النهار يتعرّف إلى سوري شجاع في سن متقدمة إلى حد ما كان قد صعد على متن السفينة في بورسعيد وكان ذاهبًا إلى بيروت مع ابنته، وهي امرأة سمراء ذات عيون جميلة، مرتدية الطراز الأوروبي، ولكن ملامحها، وصوتها، وبشرتها، ومشيها، ولهجتها، كانت شرقية، كما يقول.

ويشير إلى أنها كانت تتحدث الفرنسية بطلاقة وكانت تدعى روزا. ويبدو أن هذه الفتاة روت له قصة حياتها، إذ نشأت مثل جميع الفتيات الصغيرات في بيروت تقريباً في دير راهبات الناصرة، وقد تلقت تعليماً فرنسياً. وكانت تعزف على البيانو، وقد قرأت الشعراء والروائيين الفرنسيين.

ويقول إن هذه الفتاة من خلال "قضبان قفصها الشرقي" (!)، أعطته لمحة عن عالم جديد بالكامل مليء بالجاذبية التي تأتي من المجهول. ويبدو أن والدها أراد تزويجها لابن عم لها اكتسب ثروة كبيرة في مصر، لكن روزا لم تتقبله بسبب دمامته فعادت مع والدها إلى بيروت.

في الصباح التالي، عند الفجر، وجد شارم نفسه عند يافا، ويقول: "إن ساحل سورية ليس أعلى بكثير من مصر. يمكن رؤية بعض الارتفاعات هناك فقط في اتجاه أبولونيا وقيصرية". ويضيف: "منظر يافا جميل جدا. أجد عمومًا أن المسافرين قساة للغاية بالنسبة لهذه المدينة، التي يصورونها على أنها قبيحة وخالية من المناظر الخلابة".

بعد ذلك يزور شارم مدينة القدس وبيت لحم وجميع مزاراتهما المسيحية، قبل أن ينتقل إلى طبريا والجليل على خطى المسيح، قبل أن يتوجه إلى بيروت، حيث يلتقي صديقه بشارة تقلا ويتوجهان لزيارة دمشق، حيث يلتقيان بالوالي مدحت باشا في لقاء طويل عكس فيه إحباطه من مسيرة الإصلاحات التي كان ينوي أنجازها في سورية.


في دمشق

لم يدخر غابرييل شارم وقتاً، فكتب حال عودته إلى باريس، بعدما ودّع صديقه تقلا في بيروت، مقالاً في صحيفة الـ"ديبا"، في السادس والعشرين من أيار/ مايو 1880، استعرض فيه خلاصة رحلته إلى دمشق، وكشف بشكل مباشر وفج وضع الوالي مدحت باشا في تلك اللحظة التاريخية الحرجة .

وقد سخر شارم من الأوهام التي علقتها بريطانيا، أو ادعتها، بأن حملة إصلاحات كبيرة وجوهرية سوف تشهدها سورية.

وقال: "يبدو أن السلطنة العثمانية قد تظاهرت بعد اجتماع مع المملكة المتحدة في جزيرة قبرض بأنها سوف تتعاون مع التطلعات الإنكليزية، والتي تحدث عنها سفير بريطانيا كما لو أنها كانت سوف تقلب وجه سورية تماماً".

وأضاف شارم أن "الحقيقة تبدو وكأن السلطنة قد ساهمت بشكل مقصود، أو غير مقصود، بتضخيم الأوهام البريطانية وآمال السوريين بتعيينها مدحت باشا، الليبرالي المقرب من لندن، ليكون واليا على سورية، وخاصة أن سمعته قد صدحت في أوروبا والأستانة، وهو كان محاطاً بمجموعة من الاصلاحيين المحدثين الذين أبعدهم الباب العالي عن الأستانة".

وكشف شارم أن مبعوث مدحت باشا الذي حمل خطته الإصلاحية لموافقة الباب العالي، عاد خائب الرجاء بعدما رفضتها السلطات العثمانية تماماً. وسخر "من صمت إنكلترا عن مساندة وتوفير الدعم لحليفها وصديقها"، متسائلاً عن "سبب عجز قوة تجارية وعسكرية كبريطانيا عن دعم حليفها؟". وقلل شارم من شأن "خطط الإصلاح الكبيرة التي وعد بها مدحت باشا"، والتي "اقتصرت على أعمال بنية تحتية تمثلت بشق طرق لم يكن هناك من حاجة إليها"، منتقداً "عملية توسيع الطرقات هذه، والتي دمرت أجمل ما في دمشق من بازارات وحارات".

ومن الواضح أن الكاتب يشير إلى حريق شهر آذار/ مارس 1879، وما نتج عنه من تجديد للطريق المستقيم، وهي مبالغة من الكاتب، تهدف إلى الحط من شأن مدحت باشا، فالأسواق العشوائية التي احترقت كانت في حقيقة الأمر أكبر تشوه عمراني في دمشق القديمة، بالإضافة إلى أنها كانت منبعاً للكثير من الأمراض والأوبئة المتوطنة؛ كداء السل والتراخوما والجرب بسبب قذارتها وعدم وصول الشمس إليها.

ولم يفوِّت الكاتب الفرنسي فرصة لإبداء رأيه بالعروض المسرحية العربية والتركية التي شاهدها في دمشق، فقال: "أما المسارح فقد قامت بترجمة رديئة لتراجيديات كورني وموليير إلى كل من العربية والتركية لتصبح مهازل سيئة هابطة المستوى". وفي هذا الخبر تأكيد على أن أبا خليل، في تلك الفترة، قدم أعمالاً فرنسية مترجمة، والمقصود هنا، على الأرجح مسرحية "متريدات" للكاتب الفرنسي جان راسين، و"ناكر الجميل" المقتبسة بإعداد كبير عن "تابع الكذاب" لكورني.


التنافس مع الإنكليز

تناول شارم زيارة السفير لايارد الى سورية، وجولته في كافة أرجاء البلاد من دون أن يعلن عن صفته الرسمية أو يكون مصحوباً بالحاشية الرسمية، زاعماً أن "لايارد اختار هذه الطريقة، ليتمكن من الاستمتاع بـ(المتع) التي يوفرها الشرق بعيداً عن الأعين، والتي يبدو أنها كانت تنتظره في كل محطة من محطاته".

ورأى أن "زيارة لايارد كانت قد أحيت الآمال بأن إنكلترا سوف تتحرك لدعم مشروع الإصلاح من جديد. ولكن الآمال خابت مرة أخرى". ويؤكد شارم أن "سورية عاشت على هذه الأوهام لمدة 18 شهراً. لم ينفك مدحت باشا خلالها من الشكوى ومراسلة الباب العالي.

وفي كل مرة يتم سؤاله عما أنجزه منذ وصوله يكون جوابه دائماً بأنه مقيد اليدين، ولا يزال ينتظر أن يمنح حرية التصرف، وأنه لا يمتلك سلطة حقيقية على الجيش والهيئة القضائية، وأنه في مراسلاته قد طالب بمزيد من الاستقلالية عن الباب العالي لأن لامركزية واسعة، تبدأ من سورية، هي الإجراء الوحيد الكفيل بإنقاذ السلطة العثمانية".

ويوافق الكاتب الفرنسي على طروحات مدحت باشا، ولكنه يرى أن الوالي "يضلل نفسه باعتقاده أن الباب العالي سوف يوافق على طروحاته. ففي كل مرة يتم تولية أحد الباشاوات على إقليم من الأقاليم، ويمنح سلطات واسعة، تظهر طموحات الاستقلال لديه".

ويقول: "إن السلطان ليس بحاجة لجواسيس لينقلوا له ما يتم تداوله وكتابته في سورية"، في إشارة إلى نشاط جهاز الخفية، ويشير إلى حادثة حسبت ضد الباشا تمثلت في كتابة على إحدى الإصلاحيات تقول إنها شيدت بأمر من "مدحت باشا خديوي سورية" .

وقصة "خديوي سورية" رواها الوجيه الدمشقي عبد العزيز العظمة بقوله: "إن مدحت باشا أنشأ مدرسة الصنائع لتعليم صناعات الحياكة والحدادة والنجارة والخياطة وغيرها، فكتب المكتوبجي بهاء بك تاريخاً بالتركية ضمن البيت الأول منه ما تعريبه: "إن مدحت باشا هو خديوي سورية"، فكانت هذه العبارة مدعاة لرفع حجر التاريخ عن باب المدرسة والحذر من مدحت باشا.." .

ويرى غابرييل شارم أن مدحت باشا "إن كان يريد السلطة فالأجدر به أن يأخذها لا أن يطلبها"، مشيراً إلى قيامه "بتأسيس جمعيات عبر سورية على الطراز "الماسوني"، مهمتها دعم مشروعه الإصلاحي وتأجيج الاحتجاجات العامة المطالبة بالإصلاح الوطني. حتى أنها ذهبت إلى حد تأسيس محكمة وطنية إلى جانب المحكمة الرسمية التابعة للباب العالي".

ويخلص شارم إلى القول إن مدحت باشا محتار بين أن ينفصل بدعم الإنكليز للقيام بالإصلاحات المناسبة، وبين ولائه التركي للدولة، مؤكداً أن "سورية في نهاية المطاف عربية، ولا يروق لها أن تحكم سوى من قائد عربي" . ويبدو أن أصداء المقال كانت كبيرة في "المابين الهمايوني"، إذ طالعنا عنه تقارير عديدة في الأرشيف العثماني، مصدرها سفارة السلطنة في باريس تعلق على كل فقرة وردت فيه.