المكناسي.. السفير المغربي في ضيافة أحمد باشا الجزار عام 1785

04 يوليو 2020
الصورة
زار المكناسي القدس الشريف (ويكيبيديا)

تشكل رحلة السفير المغربي محمد بن عبد الوهاب المكناسي إلى الأستانة، ثم إلى الحجاز والقدس وثيقة مهمة عن أوضاع أوضاع عاصمة الإمبراطورية العثمانية وبلاد الشام والحجاز في القرن الثامن عشر الميلادي إبان حكم السلطان عبد الحميد الأول. كون الوزير المغربي يمتاز بدقة الملاحظة والانتباه إلى مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والجغرافية. 

وتنفرد رحلة المكناسي التي حققها الباحث المغربي محمد بوكبوط، وتمت في عصر السلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الله في كونها تمت على طول طريق الحج العثماني عن طريق دمشق، بخلاف جل الرحلات المغربية التي سلكت الطريق التقليدية إلى الحج عبر مصر. 

وقد أورد خير الدين الزركلي في موسوعة (الأعلام) ما يلي في ترجمة المكناسي: محمد بن عبد الوهاب بن عثمان المكناسي، وزير، رحالة، من الكتاب البلغاء من أهل مكناسة، استخدمه السلطان سيدي محمد بن عبد الله في بعض الأعمال، ثم استوزره وانتدبه لكثير من المهمات وعقد المعاهدات، وكان سفيره في إسبانيا، ومالطة، ونابولي، والآستانة، وإلى إمبراطور النمسا، توفي بمراكش، من كتبه: الإكسير، البدر السافر، رحلة إلى مالطة، وهذه الرحلة التي أطلق عليها (إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل والرسول الحبيب)، توفي عام 1213هـ - 1798م.


الرحلة

بدأ المكناسي رحلته أول عام 1200هـ - 1785م، منطلقاً من الرباط، إلى تطوان، ومنها تعذر سفره بحراً بسبب اضطراب البحر في فصل الشتاء، فأمضى أربعة أشهر ونصف في انتظار الفرصة المواتية للإبحار، وبقي في تطوان لا يستطيع من كثرة الأمطار والطين خروجاً، ثم توجه إلى طنجة، ومنها عشية ثاني رجب من عام السفر، ركب البحر في مركب بعثه عظيم الإصبنيول، ملك إسبانيا كارلوس الثالث، فتوجه إلى قرطاجنة الإسبانية فوصلها في ثلاثة أيام، ومنها أبحر في مركب كبير فبقي في البحر لأن الريح غير مواتية شهراً ويومين، حتى تغير الماء وتأذى الناس من شربه فوصل إلى (سرقوزه) على الطرف الجنوبي الشرقي لجزيرة صقلية.

ومن هذه المدينة كان دخول المسلمين على عهد بني أمية حتى تملكوها وبقيت تحت حكمهم نحواً من 300 سنة. وفي رابع رمضان، غادر المركب صقلية، وكانت الريح مواتية، فوصلوا إلى جزائر بحر إيجة والتي سماها (جزر بر الترك) ثم خليج البوسفور ومدينة القسطنطينية الذي وصله في رابع شوال من عام السفر، وتحدث عن لقائه مع الوزير (الصدر الأعظم). 

ووصف المكناسي مراسم استقبال السلطان عبد الحميد الأول (1725 ـ 1789) له ولمرافقيه: بقوله: "ووجدنا أقواماً معينين للدخول معنا على السلطان، فأمسك بثوب كل واحد منا رجلان منهم عن يمين وشمال، فدخلنا عليه في قبة فوجدناه جالساً على مرتبة والوزير قائم عن يمينه، فشرح الوزير للسلطان وضعنا ومهمتنا، ومن أين أتينا، فقدّمتُ له هدايا سلطان المغرب، ووقفنا أمامه مقدار وقت قليل ثم خرجنا من عنده". 

وقد تحدث المكناسي عن سيرة السلطان العثماني، وقدم موجزاً لتاريخ الدولة العثمانية، ووصفاً للعاصمة القسطنطينية. وبعد أن أدى السفير المكناسي مهمته في بلاط السلطان العثماني، جاء وقت سفره من العاصمة التي أعجبته كثيراً، متوجهاً إلى الحجاز لأداء فريضة الحج عبر طريق الحج الشامي. وحدد المكناسي خمس مراحل بين القسطنطينية والشام، يقطعها ركب الحجيج العثماني، بحيث يستريح بعد نهاية كل مرحلة، ويريح الدواب، ويستكمل الركب تأمين وشراء وكراء ما يحتاج من مؤن لبقية مراحل الرحلة. 

 

من جبل الطور يظهر بيت المقدس في غاية البهاء وحسن المنظر وكذا من جهة القبلة

عبر البوسفور إلى الإسكندرونة وكان منطلق الرحلة بعد عبور البوسفور من أسكدار، وبعد أن يمر بعدد كبير من المدن والقرى التركية يصل إلى الإسكندرونة، والتي يقال لها (مرسى حلب)، ومر الركب بأنطاكية المشهورة. 

ومر ركب الحجاج بأرض الزنبق على وادي العاصي، ومنها إلى جسر الشغر، ثم إلى حماة فحمص فزاروا فيها قبور المشاهير: سيف الله خالد بن الوليد، عبد الله بن عمر بن الخطاب وكعب الأحبار من التابعين، وجعفر الطيار أخي الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، وعكاشة بن محصن، وعمرو بن أمية الضمري، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسي الأشعري، ودحية الكلبي والراجح أنه مدفون في دمشق بقرية المزة، وعبد الله بن مسعود ممن يقال إنهم دفنوا في حمص. 

ومن حمص توجه الركب إلى دمشق فنزل الركب خارجها، ثم تقدم إلى البلدة فقال إنهم وجدوا (جميعاً خرجوا لملاقاة ركب الحجاج بالفرح والإجلال، والطبول والمزامير، والخيول في مهرجان عظيم، فأنزلونا داراً فيها مياه كثيرة في عدة مواضع، لكون أرض الشام من أكثر البلاد مياهاً، إذ يشقها سبعة أنهر، وأجروا علينا من المؤن والعلوفات ما هو فوق الكفاية في إكرام عظيم، ووجدنا فيها قبوراً للمشاهير مثل قبر نبي اللّه يحيى بن زكرياء، وتبركنا بمصحف الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فقد أخرجه لنا القيّم من خزانته.).

وأنهى المكناسي رحلة ركب الحج من العاصمة العثمانية إلى الشام بوصف مقتضب لدمشق، التي عاد إليها بعد انتهائه من مناسك الحج. من دمشق إلى عكا وفي ذلك يقول: "ثم أخذنا في التأهب للسفر لمدينة عكة بقصد الركوب إلى الأوطان، فتوجهنا إلى زيارة رأس نبي الله يحيى بجامع الأمويين، فزرنا وتبركنا به ودعونا الله هناك، وغيره من الأنبياء والصحابة والصالحين لم يساعدنا الوقت في الطواف عليهم ثانياً من أجل الطين والأمطار، لكن عممناهم بالزيارة من مكان عال.

ولما كنا بجامع الأمويين بقصد الزيارة دخلنا إلى مقصورة صاحبنا الفقيه الأجل الشيخ محمد الغزي بقصد رؤيته ووداعه.. وكان خروجنا من دمشق الشام في التاسع من ربيع الأول من سنة اثنتين ومائتين وألف، فبتنا بقرية قرب المدينة بنحو ساعة ونصف يقال لها المزة بالزاي، وبظاهرها قبر الصحابي الجليل دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه، وقد تقدم ذكره في الزيارات".


عن طريق القنيطرة

بعد ذلك يسافر عبر طريق القنيطرة فيمر على خان سعسع ثم خان أرينبة ثم خان جسر بنات يعقوب المؤسس على وادي السيسبان كما يقول. ثم خان جب يوسف ثم قرية الرامة ويقول إن أهلها نصارى، إلى أن يصل عكا يوم 9 ربيع الأول عام 1202هـ (ديسمبر 1787م). 

ويقول: "لما قربنا من المدينة بعثنا أحد أصحابنا ليكتري لنا داراً ننزل بها، فطاف البلاد كلها فلم يجد منزلاً، فسمع بذلك الوزير صاحب البلد وعملها ويقال له أحمد باشا الجزار، فعين لنا موضعاً نزلناه مشرفاً على البحر في أحسن حال، في خان جديد أنشأه على ساحل المرسى، وبعد يوم من نزولنا استدعانا لأنه كان مريضاً، فتوجهنا إليه فأبدى بشاشة وفرحنا وقعدنا معه ساعة نتحدث ثم خرجنا من عنده".


مآثر الجزار

ويقول عن الباشا الجزار: "لهذا الوزير أثر كبير بهذه المدينة وهو الذي شهرها وبه اشتهرت، وأنشأ بها مسجداً من أحسن المساجد وألطفها على شكل مساجد القسطنطينية، وغرس في صحنه المستدير شجراً مصفوفاً من نخيل وسرو، وأنشأ بها أيضاً حماماً ما رأيت مثله لا في القسطنطينية ولا في الشام؛ وأهل البلد يثنون عليه كثيراً، فله جرايات على الضعفاء والفقراء ورواتب لأهل الحياء، والحشمة الذين لا يسألون الناس إلحافاً، إلا أنه يفعل في بلاده برأيه ويقبل من أوامرها ما يوافق غرضه. 

وقد استدعته الدولة ونحن هنالك للقدوم عليهم، قائلين له إنهم أرادوا بعثة لناحية العدو برسم الجهاد فأبى عليهم، لكنه معذور فلا يأمن على نفسه". ومن الطريف أنّه سعى لترتيب رحلة عودته إلى المغرب عن طريق البحر على متن سفينة، وكانت السفينة ترتّب أمور السفر الذي يستغرق وقتاً وتحضيرات طويلة، فلم يشأ أنْ يضيع الوقت بالانتظار من غير فائدة فقرّر القيام برحلة سريعة لزيارة بعض مدن فلسطين، وأهمّها زيارة بيت المقدس، وقد كان له ذلك، فزار مدينة نابلس.

فقال في وصفها: "هي بلدة متوسطة بين جبال مرآها حسن، وبناؤها كله بالحجارة المنحوتة حسن المنظر، وماؤها كثير ذات بساتين، إلا أن أزقتها كثيرة العفونات والطريق إليها من القلعة المتقدمة في صعود وهبوط وحجارة، فوصلناها على أربع ساعات ونصف، فنزلنا بها على شيخ القلعة المذكورة، والقلعة كنا وجدنا بها ولده فله تصرف بهذه البلدة أيضاً، فبتنا عنده ومن الغد عين فارساً يصحبنا في الطريق إلى القدس". .... 

وبعد أن يخرج من نابلس يمضي في طريق جبلي ليصل إلى قرية يقال لها البيرة على عشر ساعات، كما يول، وفي اليوم التلي يسافر فيصل إلى القدس بعد مسير ساعتين ونصف الساعة. 


وصف القدس

يقول واصفاً القدس: "للقدس السور الحصين مبني بالحجارة في غاية الكمال والإتقان، والأبواب الحصينة الغلق فعدد أبوابه ستة: الأول ومنه دخلنا وهو باب العمود، والثاني باب الزاهرة [الساهرة]، والثالث باب الأسباط، والرابع باب المغاربة، والخامس باب النبي داوود، والسادس باب الخليل. فدخلنا إليه ونزلنا ببيت يقال إنه بيت الشيخ أبي مدين الغوث دفين تلمسان وعليه وكيل وله أوقاف". 

ويتابع قائلاً: "كان أول ما بدأنا به أن توضأنا وتوجهنا إلى المسجد الأقصى، فدخلنا أولاً إلى قبة الصخرة وقد صعدنا إلى المكان الذي فيه الصخرة بمدارج نحو العشرين، وهو بلاط واسع جداً في وسط مسور المسجد، وفي وسط هذا البلاط قبة الصخرة المباركة وهي مثمنة الدائرة، لها أربعة أبواب عظام مجلدين بالصخرة، وبين الأعمدة شبابيك من الصفر في علو نحو قامتين، لها أربعة أبواب من نفس الشبابيك، فدخلنا من الشباك المذكور فألفينا الصخرة محيط بها شباك من خشب علوه أقل من القامة، فأشرفنا منه على الصخرة ولمسناها على سبيل التبرك من طيقان بالشباك المذكور، ووضعت أصابع يدي في أثر أصابع الملك حيث أقام الصخرة لما مالت بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء كما يأتي بيانه. 

فعدد أعمدة القبة كلها أربعون عموداً من الرخام الفائق، منها أربعة عشر عموداً هي الدائرة بالصخرة المرفوع عليها قبتها، ومنها ستة عشر عموداً مرفوع عليها المسقف المحيط بقبة الصخرة وهو مسطح، وجميع حيطان هذه القبة من داخل وخارج مكسو بالرخام المصقول الذي كأنه مرآة، وما رأيت في بلاد الإسلام أكثر تأنقاً من صنعة هذه القبة، وفيها محراب يصلي فيه إمام الحنفية الخمس. 

ومن داخل القبة الأولى انحدرنا إلى سفلي الصخرة بأربع عشرة درجة، فصارت الصخرة فوقنا وقد أحاط بجوانبها بناء متصل بها، وتحتها عمود من رخام قائم تحتها متصل بها كأنه مقيم لها، وعند المدارج أيضاً عمود طرفه في بعض المدارج وطرفه الآخر متصل بها قرب لسانها". 

ويقول معلقاً: "هذا المكان الذي تحت الصخرة كثيرة من الأنس يجد الإنسان فيه نشاطاً وخفة وانشراحاً لعبادة الله تعالى، فصلينا في محراب سيدنا سليمان، وهو عن يسار الخارج منها وهو من الرخام، وصلينا أيضاً ركعتين في محراب سيدنا داود، وهو عن يمين المخارج، وقرأنا تحت الصخرة ما تيسر من القرآن ودعونا الله هناك بما نرجو من الله قبوله، ثم صعدنا مع المدارج التي انحدرنا منها فأرونا طرفاً من الصخرة ممتداً شيئاً ما يقولون إنه لسان الصخرة، ولا أصل له وإنما ذاك من موضوعات المزورين. 

ومكتوب في دائرة قبة الصخرة من خارج سورة الإسراء، وبدائرة المسطح المحيط بها سورة يس إلى يأكلون". بعد ذلك يزور المكناسي جبل الطور ويقرأ الفاتحة على قبر الصحابي عبادة بن الصامت، وهو عن يسار الخارج من باب الأسباط ملاصقاً للسور، كما يقول، وبعده بشيء ما ضريح للصحابي الشهير شداد بن أوس قرب السور المذكور في مقبرة هنالك. 

ويقول: "انحدرنا إلى زيارة سيدتنا مريم بنت عمران، فوقفنا عند ضريحها وقرأنا لها الفاتحة ودعونا الله هناك، ومفتاح قبتها بيد النصارى ولا حول ولا قوة إلا بالله، جبر الله حال هذه الدولة فقد أفسدهم الطمع، وأمامها تربة الإمام الحنبلي صاحب "تاريخ الأنس الجليل في القدس والخليل"، ثم صعدنا إلى الطور فزرنا قبر الشيخ محمد العلي من ذرية سيدنا عبد السلام بن مشيش نفعنا الله تعالى ببركاته، وحذاء ضريحه مسجد وزاوية يقال لها الأسعدية سميت باسم بانيها أسعد أفندي كان شيخ إسلام، ثم دخلنا إلى الموضع الذي رفع منه عيسى فصلينا فيه ركعتين، وأرونا حجراً فيه أثر قدمه فتبركنا به ودعونا الله هنالك.. 

ومن جبل الطور يظهر بيت المقدس في غاية البهاء والابتهاج وحسن المنظر وكذا من جهة القبلة، وأما من جهة الغرب والشمال فلا يرى منه من بعد إلا القليل لمواراة الجبال له، فإن بيت المقدس والخليل في جبال كثيرة الأوعار والأحجار، والسير فيها متعب والمسافة فيها بعيدة، فإن الجبال المحيطة بالبلدتين مسافتها تقريباً ثلاثة أيام طولاً ومثلها عرضاً يسير الأثقال، ولكن إذا من الله على قاصد الزيارة بالوصول إلى المسجد الشريف الأقصى وإلى المقام الشريف الخليلي، يحصل له من الأنس والبهجة ما لا يكاد يوصف، ويسلوا عما حصل له من المشقة والنصب". 

وزار المكناسي عين سلوان حيث أخبره أهل البلد أنها تجري حيناً وتحبس حيناً، وهي خارجة من أصل جبل لا يدري لها أصل، ويضيف: "من الغريب أنها لا تجري غالباً إلا عند أوقات الصلاة وتحبس فيما عد ذلك، ونحن لما وصلنا إليها وجدنا ماءها منحبساً، وعند وصولنا إليها خرج ماؤها وجرى على وجه الأرض في مصاريفه، فشربنا منه فإذا ماؤها أشبه بماء زمزم، وهذا عند أهل البلد معروف وقد أخبرونا به قبل رؤيتنا له فلما شربناه وجدناه كما قيل". 

بعد ذلك توجه المكناسي من القدس إلى الخليل، فمر على قرية بيت لحم التي يصفها بأن أكثر أهلها نصارى. وبعد ست ساعات بالسير الحثيث، يصل إلى الخليل، فيزور شيخ البلد ثم يتوضأ ويدخل الحرم فيصف القبور ويؤدي الصلاة. وفي وصفه للحرم الابراهيمي يقول: "هذا المسجد ليس بالكبير، فمساحته مقدار ما كتب في دائرة جداره، ففي دائرة المحراب {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين} إلى آخر السورة.. 

وفي المسجد المذكور شبابيك على شكل القبور مغطاة بستور ديباج مثل ما يفعل عندنا بقبور الأولياء، جعلت في مقابلة قبور الأنبياء إلا قبر يوسف فإنه في آخر المسجد عند انتهاء الصحن في الناحية الغربية، وكذا نبي الله يعقوب خارج عن مسقف المسجد..". 

جرايات عثمانية ويلفت المكناسي النظر إلى الاهتمام الخاص من جانب السلطنة العثمانية بالحرم القدسي الشريف وكذلك حرم مكة والمدينة. ويقول: "اعتناء عظيم وأثر جسيم، فمهما سقط شيء منه إلا أعادوه وما تلاشى جددوه، صانهم الله تعالى وأبقاهم وأسماهم في معارج المآثر الحميدة وأرقاهم، ولهم هنالك زيادة على إصلاح ما في الحرم من البناء، الصدقة الجارية على من في القدس من الآباء والأبناء، وعينوا هنالك زاوية تظل على طول الآناء أعشار تفور، وآنيتها بالطعام على الفقراء تدور في العشي والبكور، ومن انحاز له من هذه الصدقة حظ أو نصيب، صار ملكاً له يورث عنه بالفرض والتعصيب، فإن أراد بيعه في حياته فهو كبعض شيئاته. 

وهذه الحسنة جارية قد مضت عليها من الدهر أحقاب، يتبع أثرها منهم صالح الأعقاب، وكل من أتى من ملوكهم عن هذا النهج لا يحيد ولا ينقص بل يزيد، أدام الله تعالى أيامهم ونصر جيوشهم وأعلامهم". ولا يفوت المكناسي أن يشير إلى أن "لأهل بيت المقدس بشاشة وطلاقة وأخلاق حسنة، وميل إلى مؤانسة الغريب ومسامرته والمحادثة معه، ولاسيما إن كان من هذا الجنس العلمي، فلهم اعتناء به كثير حياهم الله وبياهم وأدام سقياهم ورياهم، وإلى مكارم الأخلاق يسرهم وهيأهم". 

ويغادر المكناسي القدس بعد أن قضى بها يومين بعد عودته من الخليل. ويقول: "ورجعنا على طريقنا فبتنا أول يوم بقرية سنجيل فأكرمنا أهلها، إلا أنهم كثيرو التشكي من الوزراء والولاة الذين يولون أمرهم من قبل الدولة العثمانية صانها الله، فإنهم أكلوا اللحم وامتشوا العظم واستفوا المخ ولا حول ولا قوة إلا بالله. 

وهذه سيرتهم في جميع الإيالة، فكل من مررنا به يشتكي من جورهم، حتى أن بعضهم سألني عما يلزم الناس في أرض المغرب، فقلت له الذي أوجبه الله تعالى وهو الزكاة والأعشار، فقالوا: وكيف الأعشار، فقلت لهم: يأخذ رب الزرع تسعة أعشار والمزكي العشر، فقال: يا ليتنا لو تركوا لنا العشر وأخذوا تسعة الأعشار". 

ويعزو المكناسي سبب غضبة أهل فلسطين من الولاة العثمانيين إلى أن الولاة يعتمدون نظام الالتزام، حيث يلزمون خراج القرى إلى صيارفة مسيحيين مقابل مبلغ مقطوع فيقوم الملتزمون بتحصيل مبلغ الالتزام وأرباحهم بمختلف صنوف العسف، وهو ما أدى إلى خراب الزراعة في فلسطين وباقي مناطق بلاد الشام خلال القرن الثامن عشر. وبعد ذلك يسافر من عكا في البحر عائداً إلى بلاده.