ثقافة عربية معاصرة تعمل بنصف طاقتها

19 نوفمبر 2020
الصورة
تجهيز فنّي لـ ستار نعمة، عُرض ضمن معرض بغداد للكتاب 2019 (Getty)
+ الخط -

الثقافة العربية المعاصرة ثقافة تعمل بنصف طاقتها فقط. وأنا هنا لا أقصد فقط ضعف دور المرأة العربية في الإنتاج الثقافي بشكل عام، وهي مشكلة كبرى تتجاوز حدود الإبداع والاعتراف به والترويج له، لكي تشمل جميع مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية. وهذا حديث ذو شجون لوقت آخر. ولكني أقصد الإنتاج الثقافي بشكل عام، بشِقّيه المذكر والمؤنث، الذي أراه يعمل بنصف طاقته أو حتى أقل.

فمن جهة لدينا كل الفنانين والأدباء والشعراء والمسرحيين والسينمائيين والراقصين والموسيقيين والمعماريين والمؤرخين والمفكرين والنقاد وغيرهم، الذين يُنتجون من ضمن المحيط المعرفي المعاصر، الذي ظهر للوجود بنتيجة التلاقح الغني والخصب بين الثقافة الحداثية الأوروبية والثقافة العربية البازغة في القرنين التاسع عشر والعشرين. ومن جهة ثانية لدينا حركة نبذ الثقافة الحداثية التي صارت تؤطّر مجموعات كبيرة من المفكرين العرب والمسلمين، الذين لا يتعاطون في الأنواع الثقافية الممجوجة ويرفضونها على أنها دخيلة ومتسلّطة وتهدف إلى إلهاء الأمة عن دينها وأخلاقها بالأساس، ويتخيلون بدلاً منها ثقافة مبتسرة وملتزمة تحرّم أنواعاً كثيرة من الفن والأدب والموسيقى وما إليها من منتجات ثقافية منحطة وشاذة بعرفهم. وهم إلى ذلك لا ينتجون ثقافة بديلة بالمعنى الكامل للكلمة، ما عدا الكثير من الكتابات الدينية وبعض الأناشيد والحرف التقليدية ما زالوا يقبلون بها على أنها أصيلة. ولكننا لا نرى من طرفهم أية رواية أو مسرحية أو مؤلف موسيقي أو كتابة نقدية، وطبعاً لا نرى فناً تشكيلياً بالمعنى المعاصر للكلمة. وهذا طبعاً حقهم في اختيار ما يرتأونه مناسباً لعقيدتهم ولرؤيتهم للحياة ومعناها ومعبّراً عن طموحاتهم وآمالهم.

الكثير من الطاقة يذهب في محاججة المختلفين في الرأي

ولكن المشكلة تكمن في كمية الطاقة والموهبة الضائعة في ما يحرمه هؤلاء على منتسبيهم وتابعيهم من جهة، وطاقة المحاججة التي يبذلونها لمنع الآخرين الذين لا يدينون بديدنهم من متابعة مشاريعهم الثقافية والفنية بحجة مروقها وتهتكها ومخالفتها لتعاليم الدين.

المشكلة أيضاً هي أن الثقافة لا تعمل فقط بنصف طاقتها الإنتاجية، إذا صح إسقاط هذا التعبير الاقتصادي ذي الجذور الماركسية عليها، وإنما هي أيضاً تهدر الكثير من طاقتها في سبيل مقاومة التعنّت والرقابة والمنع ضدها وفي سبيل حماية منتجيها من آثار هذا التعنت التي تمتد إلى ما هو أبعد من الرقابة والمنع للوصول إلى حد تهديد سمعة ومورد رزق وأحياناً حياة الأشخاص الذين ينتجون الثقافة المارقة أنفسهم.

وطبعاً هناك أيضاً الأثر العميق الآخر لهذا الصراع، والمتمثل في هجرة بعض الثقافة العربية خارج محيطها المعرفي واللغوي والتاريخي والانتمائي، في محاولة للبحث عن حياة أفضل والتخلّص من طغيان قاس، وتوطنها في أوروبا وأميركا. 

ولكن هذه الثقافة المهاجرة غالباً ما تجد نفسها مضطرّة، بسبب الضغوط المادية والمعيشية، للتخلّي عن بعض هويتها، والتعبير بأسلوب يتماشى ومحيطها الجديد. ولذا فهي تتخلّى أحياناً عن لغتها العربية للتعبير بلغة أُخرى تسمح لها بالمنافسة في سوق الأفكار والإبداع في موطنها الجديد ولمحاولة جذب جمهور غير جمهورها المفترض، بل هو جمهور لديه انطباعات مسبقة عن الثقافة العربية تجد نفسها أحياناً مضطرة لمسايرته والالتزام برؤاه. وهي أيضاً تجد نفسها مدفوعة للتطرّق إلى مواضيع ومناح لم تكن في صلب اهتماماتها عندما كانت في وطنها الأول، مسايرةً أيضاً للاتجاهات السائدة في موطنها الجديد. وهي على المدى الطويل تتطور باتجاه مغاير لمنحى تطوّرها الذي جاءت به أساساً في اتجاه هو بين الثقافة الأم التي نبعت من أرضها والثقافة المضيفة التي تحتاج إلى قبولها بها.

ثمة ثقافة عربية مقيمة وأُخرى مهاجرة وقلّما يتحاوران

من هنا نشأ لدينا على الأقل فرعان في الثقافة العربية المعاصرة: ثقافة مقيمة وثقافة مهاجرة. وهما فرعان متباعدان، بل إنهما لا يتحاوران في غالب الأحيان، كل ينحو باتجاه يستجيب حكماً لسوقه وجمهوره. وأنا هنا أيضاً لا أود التركيز على المغايرة بين الثقافة دينية المنبع والهدف التي طغت على الكثير من مناحي الحياة في العالم العربي والبقية الباقية من الثقافة المدنية، المجايلة للثقافة العالمية، التي لم تزل فاعلة في نفس العالم العربي. ولكني أود الإشارة إلى المغايرة وأحياناً التناقض بين هذه الثقافة المدنية المقيمة والثقافة العربية المهاجرة اللتين تتشاركان في الجذور والتاريخ القريب والرؤى والهموم ولكنهما تختلفان في المنحى واللغة والجمهور والأساليب والأدوات التعبيرية وفي الاشتباك مع الثقافات الأخرى أخذاً وعطاءً. وكلتاهما لهذا السبب أفقر وأضعف وأقل تأثيراً في محيطهما المباشر وفي الجو الثقافي العالمي السائد. بل هما أيضاً وبسبب من تباعدهما الجغرافي والمعرفي لا يتعارفان بما فيه الكفاية ولا يتلاقحان في ما هو المجال الطبيعي لكلتيهما بالنمو والتفرّع. وفي هذا إفقار إضافي لكلتيهما وللثقافة العالمية نفسها.

هل لديّ من حل أو على الأقل اقتراح للتقارب والتكامل والانسجام ما بين فرعي الثقافة الواحدة هذين اللذين يتباعدان بتباعد العالم العربي عن أوضاع العالم وانشغاله بمصائبه الوجودية التي تزداد يوماً عن يوم؟ الحقيقة أني لا أرى حلاً مباشراً، خاصة في ظل ازدياد التنابذ الأيديولوجي بين حاضنتيهما: العالم العربي الذي يزداد تعصّباً دينياً بصعود قوى السلفية الاجتماعية باستمرار - على الرغم من تراجع السلفية السياسية - وبازدياد الضغوط الخارجية عليه، والعالم الغربي الذي يزداد تعنتاً بانخفاض درجة سيطرته على مقدرات العالم من دون تراجع هيمنته الثقافية.

ربما لهذا السبب سيتعيّن علينا البدء بمعاملتهما على أنهما ثقافتان متوازيتان، رديفتان ربما، ولكن بالنتيجة كل منهما تتبع مسارها الذي تفرضه عليها ظروفها المعيشية وسياقها اللغوي والتعبيري ودرجة الانفتاح أو الانغلاق التي تعمل ضمنها. وربما أيضاً تمكنّا من النظر إليهما على أنهما بالمحصلة وسيلتان لإغناء التعبير المتاح للعرب أنّى كانوا، خاصة وأن العديد من العرب المثقفين قد وجدوا طريقهم للغرب في العقود الأخيرة إما طمعاً في العالمية أو هرباً من القمع أو هجرةً كما هاجر الملايين غيرهم من أشلاء العالم العربي الممزقة.

ولنا في الثقافة الإنكليزية العالمية أو الفرانكوفونية العالمية أيضاً نماذج يمكن التعلم منهما. المهم هو أن تبقى الثقافتان مرتبطتَين بمنبتهما المعرفي والتاريخي، وبشكل خاص اللغوي منه. ومن هنا أنهي مقالتي النظرية هذه بالدعوة إلى التركيز الكبير على الترجمة بين هاتين الثقافتين الأختين أصلاً وحكماً ومصيراً.


* مؤرّخ معماري مقيم في الولايات المتحدة

المساهمون