بينما يرحل القادمون من بولندا

بينما يرحل القادمون من بولندا

15 مايو 2021
الصورة
من آثار المواجهات بين الفلسطينيين والمستوطنين في حيفا، 13 أيار 2021 (Getty)
+ الخط -

لقد نهضَ الصوت!

لكنه ليس مثل كل تلك الأصوات المفبركة التي نسمعها في التلفاز عند مائدة العشاء، أو ذلك الصياح الذي يخرج من أفواه العالم عند سماع خبر زائف عبر القناة الثانية الإسرائيلية ويصدّقهُ، ولا يشبه حتى تلك التي نطلقُ عليها اسم الضحكات المُخترعة عند مشاهدة الألعاب النارية المقذوفة نحو الهواء للاحتفال بـ"الاستقلال" الإجرامي للصهاينة، بينما يصبح العالم شيئاً صغيراً، يضيعُ في الحلق!

لقد نهضَ الصوت. طالما ينهضُ دائماً، لكن هذه المرة، نهضَ كما يحلو له، نهض من داخل الأشياء، نهض ممزِّقاً الأشياء، والناس تُطلق الصيحات من جوفها، الكراسي تتطاير من فوقهم، والطاولات تصبح أدرع حماية من حديد مثل درع فيرجل، والهواء حر، يلعب بحرية، والأصوات تخرجُ من أرجلُ الطاولات، تزحفُ على طول الشارع، والناسُ تَركِلُ بطون بعضها بينما تنهار الأشجار، والأصوات تشقُ الشارع نصفين، وحيفا مدينة تعلقُ في الثياب، والثياب لا تعرف سوى الهرب، والهرب بدوره محال!

وحدها الأصوات والناس، وشرطة إسرائيلية لا تعرف سوى البنادق، والبنادق لا تعرف سوى قتل الجسد، والجسدُ مرميٌ على عرض الشارع، والناس تجري من فوقه، والهواء حر، والجندي يغدقُ عليهم بالقنابل، وحيفا تضيعُ في كفوف اليد، والأصوات تتهاتف: "لا نرحل من الشيخ جرّاح"، وحيفا تضيعُ في اليد. الناس تُعلن بأنها لن ترحل من أرضها، وجنودٌ تجولُ فوق الخيول وتحطم زجاج المقاهي، وشرطة إسرائيلية تصرُ على القتل، والناس تهرب من القنابل، تمسك بعضها وتحاول الفرار.

والأصوات! آه إلهي تلك الأصوات التي لا تعرف سوى البقاء! تلك الأصوات التي تبقى عالقة في الأشياء كلها، في التُربة، في الأشجار، في الزجاج المكسور، في الأرض ذاتها، في البيوت المهجرة، على سفوح جدرانها، مُلتصقة على بلاطها، وأصواتٌ من الأحشاء تصرخ: "لن نرحل من الشيخ جرّاح، لن نرحل من فلسطين، فلسطين أرضنا".

لقد نهض الصوت بينما تموت الأشياء، لقد بقي الصوت، بينما يضيع العالم، بينما يرحل القادمون من بولندا.


* كاتب فلسطيني من حيفا المحتلة

كتب
التحديثات الحية

المساهمون