"قاع ما ريني الأسود": موسيقى البلوز وزمن العنصرية

08 فبراير 2021
من الفيلم
+ الخط -

يصوّر فيلم "قاع ما ريني الأسود" (Ma Rainy’s Black Bottom)، للمخرج جورج وولف، محنة الموسيقيين السود في الولايات المتحدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ومعاناتهم مع شركات الإنتاج واستغلالها لهم. سيناريو الفيلم، الذي يُعرض على شبكة "نيتفليكس"، مقتبسٌ من مسرحية بالعنوان نفسه للأميركي أوغوست ويلسون، كان قد ألّفها عام 1982، وهي مستوحاة من حياة المغنية غيرتروت بريجيت، (1882 أو 1886 - 1939)، التي أُطلق عليها لقب "أُمّ البلوز" واشتهرت باسم "ما ريني". وتجسِّد دور ما ريني، ببراعة كبيرة، الممثلة فيولا ديفيس.

تدور أغلب أحداث الفيلم في أحد استوديوهات التسجيل في شيكاغو، إذ تحضر إليه ما ريني مع فرقتها لتسجيل إحدى أغانيها. يسبقها أعضاء الفرقة - وكلّهم من السود - إلى الاستوديو للتدرّب على العزف. وخلال البروفات، تدور حوارات بينهم حول عدد من المواضيع، من بينها رؤيتهم لموسيقى البلوز وروحِها. وسرعان ما يحمى وطيس الحوار ليدور حول قراءتهم السياسية لأوضاعهم وللعنصرية التي يتعرضون لها، ولعلاقتهم بـ "الرجل الأبيض"، ولا سيّما صاحب الاستوديو والشركة الذي يتعامل معهم بفوقية ولا ينظر إليهم كفنّانين، بل كآلات، ولا يرى موسيقاهم إلا كمصدر "ربح" و"خسارة".

في حوارٍ معبّر، يدور بين ما ريني وأحد العازفين، تقول الأخيرة: "أنا لا أهمّهم. كل ما يريدونه هو صوتي... في اللحظة التي سيضعونه على الأسطوانات سيتركونني كما يتركون عاهرة... لأنني لن أعود عليهم بمنفعة". هذا واحد من المقاطع التي تلخّص جشَع شركات الإنتاج في الولايات المتحدة واستغلالها الفنانين السود في بدايات القرن الماضي، في ظاهرة استمرّت لعقود. أصبح لموسيقى البلوز (والجاز) جمهورها الواسع، وبدأت في تلك الفترة تخرج من جدران قاعات الحفلات التي يحضرها السود في الغالب لتجد صدىً لها لدى الشباب البيض أيضاً، وتؤثّر على موسيقاهم. إلا أن صاحب شركة الإنتاج لا يريد البلوز "الثقيل"، فيحاول إجراء تغييرات على الأغاني قبل تسجيلها، لتتناسب مع "روح العصر" وما يريد أن يسمعه "الناس"، كما يقول.

منتجٌ أبيض يريد تعديل موسيقى ما ريني وإفراغها من معناها

لكنْ سرعان ما يصبح واضحاً أن النقاش لا يدور حول "الجديد" مقابل "القديم" أو حول تطوير عضوي يحدث مع أيّ نوع موسيقي، بل ما يريده ذلك الرجل حقّاً هو إفراغ تلك الموسيقى من معناها وممّا تحمله في طيّاتها من تاريخ معاناة السود، لتكون سلعة تجارية أخرى للتسلية. في مقطع آخر من حوار ما ريني مع أحد الموسيقيين خلال استراحة للتسجيل، تقول: "لا يفهم البيض موسيقى البلوز... يسمعونها تخرج (من الآلات)، لكنّهم لا يعرفون كيف وصلت إلى هناك. لا يفهمون أن هذه هي الحياة وأنها تتحدث بطريقتها".

لا يستمتع المشاهد للفيلم بأداء فيولا ديفيس الأيقوني فحسب، بل بشحنة التوتّر التي ترافقه في أكثر من محور، وإن كانت التوترات الإثنية أبرزَها، كذلك التوتّر بين ما ريني وصاحب شركة الإنتاج الأبيض، أو بينها وبين مدير أعمالها الأبيض كذلك. لكن توتّراً من نوع آخر يعطي الفيلم عمقاً أكبر، وهو الحاصل بين أعضاء الفرقة أنفسهم. في هذا المحور، تبرز التوتّرات على عدة صُعُد، من بينها الجندريّ، والجنسيّ، وميزان القوى كما الصراع بين الأجيال. وتشكّل النقاشات والحوارات بين أعضاء الفرقة واحدةً من أهم ركائز الفيلم، دون أن تأتي على حساب جماليات الصورة والماكياج والملابس وأداء الممثّلين والموسيقى. 

بل إن تلك الحوارات المشحونة والمكثّفة تشكّل نسيجاً يربط بين عناصر الفيلم ويفسّر نجاحه ويجعل شخصيّاته، حتى الثانوية، منها تبرز بشكل لافتٍ للانتباه وتعطيها عمقاً أبعد. كما تلفت الحوارات، ولا سيّما تلك التي تدور بين أعضاء الفرقة الموسيقية - الذين عانوا جميعاً من العنصرية والملاحقة بطرق مختلفة - إلى الأثر المختلف الذي تتركه الصدمة الجمعية والفردية (نتيجة العنصرية والتفرقة وغيرها) على الأفراد وتعاملهم معها.

الصورة
من الفيلم

 
واحدة من تلك التجلّيات تظهر في الدور الذي يلعبه عازف البوق الموهوب، ليڤي، والشجارات التي تنشب بينه وبين بقية أعضاء الفرقة، وعلى رأسهم ما ريني.  يقوم بدور ليڤي الممثّل الراحل تشادوك بوزمان، بطل فيلم "بلاك بانثر".  وفيلم "قاع ما ريني الأسود" كان آخر ظهور سينمائي له قبل وفاته، عن 43 عاماً، بإصابته بمرض السرطان. وكان رحيله قد فاجأ الكثيرين من حوله، حيث أبقى مسألة إصابته بالمرض سرّاً على أغلب المحيطين به.

أدى بوزمان دور ليڤي ببراعةٍ كذلك. وهو شابّ يحلم بأن تنتج الشركة أسطوانة خاصة به، فيتفق مع المنتج على القيام ببعض التعديلات على أغاني البلوز التي جاءت ما ريني لتسجيلها. في تلك التغييرات، يعطي ليڤي لآلة البوق التي يعزف عليها دوراً بارزاً على حساب كلمات الأغاني التي يعدّل بعضها. يرحّب الرجل الأبيض وصاحب الاستوديو بتلك التغييرات، ويحاولان فرضها على ما ريني. ذلك أن البلوز، الذي يحمل في طيّاته قصص وتاريخ السود في أميركا، والذي بات من الشهرة بمكان بحيث لم يعد ممكناً للشركات غضّ النظر عنه، يحتاج "ترويضاً" أو "تبييضاً" يخرجه من "ثقله".

يصوّر الفيلم الآثار الجمعية والفردية التي تتركها صدمة العنصرية

ومن اللافت للانتباه أنّ إحدى شركات الإنتاج كانت بالفعل قد ألغت عقداً لما ريني آنذاك، بحجّة أن أسلوبها أصبح "قديماً"، على الرغم من أنّها كانت في قمّة شهرتها ونجاحها. في الفيلم ترفض ما ريني تلك التغييرات، ما يضطرّ صاحب شركة الإنتاج للخضوع لإصرارها. تدرك "أُمّ البلوز" حينها أنّ معركتها كامرأة وكسوداء لن تنتهي إذا وافقت على ما يقترحه "الرجل الأبيض" من تعديلات وما يريده الشاب ليڤي ليضمن لنفسه موقعاً مستقلّاً ونجاحاً سريعاً في السوق. ترفض ما ريني إدخال هذه التعديلات التي ستعني نهايتها، ليس كمغنّية فحسب، بل لكلّ ما تمثّله من روح موسيقى البلوز، وكذلك لجمهورها الذي كان السبب وراء التفات شركات الإنتاج إليها أصلاً.

يخلف صاحب شركة الإنتاج وعدَه للشاب ليڤي بتسجيل أسطوانته الخاصة. لكنّه يقترح عليه أن يشتري منه تلك الأغاني مقابل مبلغ بسيط ليغنّيها ويعزفها موسيقيون بيض، في تغييب لصاحبها الأسود عنها، وهو المشهد الذي يختم الفيلم بطريقة معبّرة.

المساهمون