"الرقابة الشاملة": كيف حكَم الاحتلال الفلسطينيين

30 سبتمبر 2020
الصورة
("الحاضر" للفنانة الفلسطينية منى حاطوم)
+ الخط -

في عام 2014، نشَر أستاذ علم الاجتماع السياسي أحمد السعدي كتابه "الرقابة الشاملة: نشأة السياسات الإسرائيلية في إدارة السكان ومراقبتهم والسيطرة السياسية تجاه الفلسطينيين" عن "منشورات جامعة مانشستر"، محللاً فيه إدارة الكيان الصهيوني للباحثين التي تعتبر تحدياً أمام الباحثين ومنظري الأشكال الاستعمارية للسيطرة السياسية.

عن سلسلة "ترجمان"، في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" صدرت حديثاً بترجمة الحارث محمد النبهان النسخة العربية من الكتاب، الذي أتى نتاج أعوام طويلة من البحث والإعداد والحصول على مواد أرشيفية لم تنشر، ومحاولة وصف المؤسسات والطرائق التي استعملتها "إسرائيل" لحكم الفلسطينيين منذ عام 1948 حتى نهاية الحكم العسكري (1966). ويمكن تصنيفه وثيقةً تؤرخ لحياة الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم ومدنهم وقراهم بعد قيام كيان الاحتلال، وتصف معاناتهم وحياتهم في تلك الحقبة الحاسمة من تاريخهم.

في الفصل الأول "تشكُّل الخطاب"، يناقش المؤلف أسس خطاب إسرائيلي متعلق بـ "الأقلية الفلسطينية"، وأحوال ظهور هذا الخطاب وتَبلوره. وبحسب المؤلف، ثمة عوارضُ كثيرة أثّرت في هذا الخطاب، "بما في ذلك طلب إسرائيل الانضمام إلى عضوية منظمة الأمم المتحدة، والأسئلة المتعلقة بالحدود واللاجئين، والانتخابات الإسرائيلية للكنيست الأول التي جرت في كانون الثاني/ يناير 1949، ووضع الأقليات اليهودية في أنحاء العالم". نشأ هذا الخطاب بسبب وجود الجزء الأكبر من الفلسطينيين الباقين ضمن الأراضي التي حازتها الدولة اليهودية في الجليل، أي المنطقة التي كانت ممنوحة للدولة العربية في فلسطين، طبقًا لخطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة. 

يستدلّ المؤلف في الفصل الثاني، "السياسات"، على أن هذا الخطاب لم يكن مقصورًا على عالم الأفكار والمجادلات، بل كان على صلة وثيقة بممارسة سلطة الدولة أيضًا، من أجل مراقبة السكان الفلسطينيين وإدارتهم. فيتناول ترجمة هذا الخطاب إلى مبادئ موجِّهة للسياسات، وإلى مبادئ وخطط شاملة. وبحسب رأيه، فإن كلًّا من وجود هذه المبادئ الموجِّهة وهذه الخطط "يدحض الإجماع السائد في كتابات الدارسين [...] مثلما بينت آنفًا، على انتفاء وجود سياسات للدولة إزاء الفلسطينيين".

الكتاب نتاج أعوام طويلة من البحث والإعداد

في الفصل الثالث، "الإطار القانوني والمؤسسات ومقاربات السلطة"، يتناول المؤلف بالوصف، وبالتحليل أيضًا، الأطر القانونية والمؤسساتية التي جرى حكم الفلسطينيين من خلالها، "وهي التي كانت أدوات تنفيذ المبادئ الموجهة والخطط". ويجري تحليل عمليات الضبط بموجب هذه الأطر العامة ضمن علاقتها بشكلين اثنين، مؤسَسَين نظريًا على نحو جيد، من أشكال الضبط السياسي الحديث: السجن المراقَب مراقبة جماعية، وحالة الاستثناء. وتتضح للمؤلف حقيقة أن هذين الأنموذجين كانا مشتَغِلَين من خلال الاستعارات والحجج التي تظهر في كتابات الشهود والمعلقين والدارسين ممن تناولوا تلك الفترة.

ويناقش المؤلف في الفصل الرابع، "فرِّق تسُد"، سياسة بناء الفلسطينيين المفهومي؛ باعتبارهم غير يهود، وباعتبارهم مجموعة متنوعة من الأقليات المنعزلة. وهوية الجماعة، وبنيتها المُبلقنة هذه، كانتا - فضلًا عن غايتها السياسية - أداة أساسية من أدوات الرقابة والضبط السياسي. لذا، يناقش المؤلف كيف جرى إنشاء صورة الفلسطينيين باعتبارهم غير يهود، وذلك من خلال ممارسات الدولة الكثيرة، ثم يُتبع ذلك بتناوله مسألة إنشاء صورة لهم تظهرهم كتشكيلة متنوعة من الأقليات. 

يتناول المؤلف في الفصل الخامس "التقسيمات الفرعية" سُبل تطبيق رقابة الدولة وضبطها على المستوى المحلي. فعلى هذا المستوى الجزئي، استخدمت الدولة الوحدة الاجتماعية وثيقة الوشائج التي تدعى "الحمولة" لضبط السكان. وفي حين اتخذت هذه الوحدة الاجتماعية مكانة أساسية لدى الدارسين، وصارت علامة مميزة لبنية المجتمع الفلسطيني، فـ "إنه يجدر بي أن أصف الخطط والسياسات الرسمية الرامية إلى إحياء نفوذ الحمولة والوجهاء وتعزيزه؛ إذ جرى تحويل الحمولة، التي كان دورها التقليدي توفير السندين المعنوي والاجتماعي لأفرادها، إلى وحدة يمارَس ضبط الدولة من خلالها. وصارت إدامتها أمرًا أساسيًا من أجل اقتصاديات الضبط والرقابة". 

الصورة
غلاف الكتاب

لا يحلل المؤلف في الفصل السادس "سلطة العقل على العقل: الرقابة عبر التعليم"، الطرائق التي لم تقف بموجبها السياسة التعليمية عند تعزيز التجزئة الموصوفة من قبلُ فحسب، بل التي شجعت أيضًا في صفوف الطلبة والمعلمين، ما دعاه سيد حسين العطاس باسم "العقل الأسير". 

في الفصل السابع، "الحقوق السياسية في ظل الحكم العسكري"، يبحث المؤلف في مسألة الحقوق السياسية ومعناها في ظل الحكم العسكري. فالواقع أنّ منح الفلسطينيين حقوقًا سياسية، وممارستهم هذه الحقوق، في الانتخابات الأولى أدَّيا إلى تعزيز صورة إسرائيل باعتبارها ديمقراطية راسخة. 

أخيرًا، يُضمّن المؤلف فصل "ملاحظات ختامية" تأملات شخصية في الآلاف من محاضر الاجتماعات والوثائق والتقارير والخطط والرسائل الشخصية مما أقرَّته ولخّص بعضه في الكتاب، موجهًا اهتمامه إلى مسائل تغافل عنها من تولوا أجهزة الرقابة أو آثروا عدم تناولها، ومتعمقًا في سبر تأملاتهم الذاتية في ما كانوا يفعلون، وفي التبعات المحتملة لتلك الأفعال.