فالنتان جوندرو: شهادة من قاع مؤسسة الأمن

29 سبتمبر 2020
الصورة
اشتباكات خلال مظاهرة ضد العنصرية وعنف الشرطة في باريس (Getty)
+ الخط -

تُشبه حكايةُ تأليف كتاب "شرطيّ: صحافيّ تَسلَّلَ إلى جهاز الأمن"، الصّادر بدايةَ أيلول/ سبتمبر الجاري عن منشورات "غوت دور"، روايةً بوليسية، بأسلوبها المُشوّق وحبْكتها اللافتة وتطوّراتِها اللامُتوقَّعة، على الرغم من طبيعته التوثيقية والوصفية. فقد تجرّأ فالنتان جوندرو، أحد الصحافيين الفرنسيين، على اختراق أوساط الشرطة الباريسية، مُتّبِعاً كلَّ الخُطوات اللازمة للالتحاق بهذا السّلك. ونجحَ في تَخطّيها جميعاً ليبدأ مسارَ التوظيف بتدريبٍ أوليّ، دام ثلاثينَ ساعةً، تركّزَ حول إدارة التوتّر وفضّ النزاعات بين الأهالي والدفاع المدنيّ وغيرها من الموادّ، ومنها ثلاثُ ساعات خُصّصت لمناهج السيطرة على العنف الأسريّ. وقد تعجّب الصحافي، المتنكّر في شخصية شرطيّ متدرّب، من تخصيص ساعةٍ واحدةٍ لهذا المحور الرئيس، حيثُ عُرض خلالها تقديمٌ نظريّ، لا يُسمن ولا يغني من جوعٍ. وبعدها مرّر لهم المدرّب "شريطاً سينمائيّاً" عن الموضوع دام ساعتيْن!

وبعد هذا التدريب السريع، ابتدأ جوندرو مرحلة العمل، إذ عُيّن في مركز شرطة بالدائرة التاسعةَ عشرَة بباريس، حيث مارس كلّ الوظائف والمهامّ التي تُناط عادة بالشرطة ضمن النسيج المدني. وواجهَ هناك العديدَ من المواقف الصعبة في أثناء احتكاكه، ليس فقط بالمجرمين وصِغار الجانحين، بل بزملائه ومديريه، حيث شاهد، بملء عينَيْه، ما يقوم به هؤلاء الموظّفون من إيقافاتٍ وتقاريرَ واستجواباتٍ، غالبُها تعسّفيّ، تطاول أساساً مواطنينَ من أصول مغاربية أو مهاجرين أفارقة. ويَظهر في تحركاتهم تلكَ تأثير الصور النمطيّة ونزوعهم إلى السلوك المُعادي، بل إنَّ بَعضَه خارجٌ عن مواضعات القانون التي يزعمون أنهم يَعملون تحت رايتِها ومن أجلها.

وقد نقلَ هذا الكتاب التوثيقي-الاستقصائي، عبر صفحاته الثلاثمئة والثلاثين، أشكالَ العنف الجسدي ونماذج من الشتائم العنصريّة والمُعادية للمرأة وللمثليّينَ وللعرب والسود. وأشار، في الجهة المقابلة، إلى النقص الفادح في التجهيزات والتمويلات التي تعاني منه مراكز الشرطة. فقد رَوى، بنحو مفصَّلٍ، عَمليات الانتحار العديدة التي شَهِدها هذا القطاع، وشملت أفراد الشرطة الفرنسية، وحتّى أحد "زُملائه" الذين عَرفهم من قربٍ، داعماً ذلكَ بإحصائيّات تؤكّد تزايدَ عدد من يضعون حدّاً لحياتهم بسبب ظروفهم المعيشية وهشاشة حالتهم النفسيّة والمهنيّة.

كذلك غاصَ الصحافي في الأعماق السيكولوجية للشرطة، واتَّبع ما يَشعر به أفرادُها من أحاسيس ومُركبات نفسيّة، جلها عُقَدٌ متأصّلة، ومن ذلك أنهم الوحيدون الذين يمتلكون الحقيقةَ المطلقة، وأنّ "قوىً عظمى" (الله، الدولة، المجتمع) هي التي كَلَّفتهم الحفاظ على الأمن العام وتحقيق الاستقرار، الأمر الذي خَلق لدَيْهم خليطاً من مشاعر الغَطرسة والتكبّر والتعالي، فضلاً عن الهشاشة والسطحيّة، لأنّ الإمكانات الماديّة المُخصصة لعملهم لا تتناسبُ البَتّة مع حجم المسؤولية التي يحسّون بأنّها ألقِيت على كواهلهم.

وأما على الصّعيد المعجميّ، فيتضمّن هذا الكتاب جمعاً طريفاً للمُصطلحات الخاصّة بالوَسط المهني للشرطة، وهو المعروف في الألسنية بـمفهوم sociolecte، حيث دمج الصحافيّ، بأسلوبه الواقعي، العديدَ من الألفاظ والمُفردات التي لا تَستعملها سوى هذه الفئة من المُتكلّمين، حتى صارت خاصّةً بهم، دالّة على مِهنتهم، وهي مَن يَهبها معانيَ خاصّة. ومن أمثلة ذلك مفرَدَتا "صيّاد" و"جانٍ" (من جَني الثمار)، إذ تشير الأولى، حسب مواضعتهم، إلى الشرطي الذي يَصطاد الجرائمَ ويتعقّبها، فيما تحيل الثانية على مَن يلتَقط المخالفات إثرَ وقوعها. ومن هذا المُعجم، اختار الكاتبُ عنواناً لكتابه مفردة: Flic وليست هي المفردة الرسميّة الفصيحة للدلالة على "شرطي"، policier، بل هي مما سارَ دارِجاً على الألْسُن.

جندرو

وقد أثار هذا الكتاب زوبعةً من الاعتراضات والجدل، بل وحتى الملاحقة القانونيّة، ومن بينها اتهام الصحافي بعدم الإبلاغ الرسمي عن حالاتٍ العُنف التي شاهدَها بنفسه، وحَضرها في فترة عمله، وهو ما يقرب من اعتباره تواطؤاً ومشاركةً في الجريمة، ولا سيّما عملية اعتداءٍ موصوفة، شارَك هو في تحرير مَحضر مكذوبٍ عنها، كما عِيبَ عليه القيام بهذا الاستقصاء بشكل غير نزيهٍ، حيث لم يُعلن عن مهنته صحافيّاً، بل تَخفّى وراء هويّة مُنتَحلَة، وهو ما يشكّل انتهاكاً لميثاق شَرف المهنة، وإن كان هذا الشكلُ من الصحافة قد قاد، في أحايين كثيرة، إلى الكشف عن شبكات عِصابات ومَلفات فساد شائكة، وهو في تقنياته قريب مما يستعمله رجال الشرطة أنفسهم في تحقيقاتهم الجنائيّة.

وهكذا، فالكتابُ ثَمرة انغماسٍ كلّي في المعيش اليومي للشرطة، وهو فضاء قلّما نفذت إليه أضواءُ النّخب والمثقفين وأحاطت به أقلامُهم، نَظراً لانطوائه على أسرار أمنيّة، فيما عدا جنس الرواية البوليسيّة، غير أنها قلّما تركّز على عالم الشرطة في واقعه الصادق، بل تصوّره أقربَ إلى نموذج جاهز وبِنية ثابتة، غايتها البحث عن هوية الجاني في جريمةٍ ما.

كذلك يمثّل كتاب جوندرو عمليّة اختراق منهجيّة، تكمن صدقيتها في اتباع الكاتب للطّرق الطبيعيّة من أجل الوصول إلى موقع بين رجال الشرطة، فلم يكن تسلله عَرضيّاً، سريعاً أو مُسقطاً، بل امتدَّ طوال سنتَيْن كاملتَيْن، مارس خلالهما كلّ الأنشطة التي ينجزها أيّ شرطيّ، وهو بذلك يكشف أسبابَ اهتزاز المؤسسة الأمنية من الداخل. ويمكن عملَه هذا أن يقدّم شهادةً مكمّلة لبحوث سوسيولوجية تهتم بدراسة أزمة المؤسسات الأمنية في العالم الحديث وعلاقتها المتشعّبة بالخيارات السياسية ونَزوات الحكّام والدوافع النفسية مثل استغلال النفوذ والاستمتاع "بنشوة السلطة"، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بمفاهيم مجرّدة كبرى مثل الدولة والأمن والدين والعنف وغيرها.

وحين نَقرأ شهادة فالتان جوندرو عن الشرطة الفرنسيّة، التي يقف فيها على بعض الانتهاكات غير المنتظمة زمنيّاً، لا بد أن تتبادر إلى ذهن القارئ العربي أسئلة، لعلّ أكثرها إلحاحاً: كيف سيكون مضمون هذا الكتاب لو أن كاتِبَه تَسلّل إلى أحد مراكز الشرطة العربية أو دوائر وزارات الداخليّة وأقبيتها، وقضى فترة من الزمن في رَصد طرق عملها و"مناهجها" في التحقيق والإيقاف والاستنطاق؟ نتوقّع أن تكون النتيجة أكثر حدّة، لكنها لن تكون صادمة، فقد فُرضت هذه الوسائل العنيفة على الشعوب العربية، قبل ثوراتها وبعدها، حتّى باتت تبدو من طبيعة الأشياء!

يُذكر أن جوندرو صحافي فرنسي مستقلّ يبلغ من العمر تسعاً وعشرين سنةً، تخصص منذ سنة 2014 في عمليات التسلل، وكتب تحت أسماء مستعارة. من مؤلفاته: "المقيّدون"، وفيه أدانَ الظروف الهشة للعمّال.