"ما الليبرالية؟": كي لا يكون الأفراد في خدمة الدولة

22 يوليو 2020
الصورة
ريشارد هوتون
+ الخط -

لا شكّ أن الليبرالية كمنظور سياسي واقتصادي قد اخترقت البلاد العربية منذ قرنين على الأقل ووجّه معظم السياسات، كيف لا وهو التوجّه الاقتصادي الغالب في العالم. غير أن هذا الحضور لم تصاحبه معالجة مفاهيمية تكشف حدود هذه الظاهرة ومداها. 

تأتي ترجمة كتاب "ما الليبرالية؟ الأخلاق، السياسة، المجتمع" لـ كاترين أودار لتسدّ مثل هذا الفراغ في المكتبة العربية. العمل صدر مؤخرا "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" ضمن سلسلة "ترجمان" ونقلته إلى العربية سناء الصاروط.

يرسمُ الكتاب تاريخ الليبرالية، من خلال التفكير النظري في مجموعة من المفاهيم المتداخلة معه مثل التضامن، والتعدّدية الثقافية، وتجديد الديمقراطية. كما يبحث في كيفية تصوّر الفكر الليبرالي المعاصر للوطنية، وإعادة صوغه من دون الانجراف نحو صيغة مغلقة للوطن، بطريقة لاشعبوية من خلال ابتكار أنماط جديدة من النقاشات العامة

ترى أودار أن الليبرالية قد فرضت نفسها، بدءًا من القرن السابع عشر، بصفتها عقيدة الحرية الفردية والتسامح والحق في الملكية؛ حيث تدعو، في مواجهة الاستبداد المَلَكي، إلى ازدهار حيّز اجتماعي بمعزل عن سطوة الدولة، وهو ما يُعرف بالمجتمع المدني.

يتألف العمل من عشرة فصول وخاتمة. في الفصل الأول الذي حمل عنوان "سيادة الفرد"، تتناول أودار الفرد بصفته مفهومًا خاضعًا للنقاش أساسًا، والفردانية من حيث هي مرض يصيب الليبرالية؛ إذ تقول إن الجريمة الأولى لليبرالية الكلاسيكية، في أعين مناهضيها من اليمين أو اليسار، هي أنها فردانية. 

وتشير أودار في الفصل الثاني، "حرية الحديثين"، إلى أن من العبث القول إن الليبرالية أنتجت المجتمع الحديث، "لكن من المؤكد أن هناك رابطًا ضيقًا بين طروحاتها وبين التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وأن سيرورة التحول سوف تؤدي إلى استقلالية الحقل الاقتصادي بالنسبة إلى النشاطات البشرية الأخرى، بدءًا من القرن الثامن عشر في إنكلترا ولاحقًا في القارة الأوروبية، إلى الثورة الصناعية الأولى ثم إلى الاضطرابات التي لازمتها، في حين أنه في العالم القديم كان الحقل العام بكامله تحت سيطرة السلطة السياسية". 

في الفصل الثالث، "دولة القانون"، تقول أودار إن الحداثة السياسية ترتكز على نقل السيادة من الحاكم إلى الأفراد الذين سيصبحون أسيادًا، ولا يعودون ملكية لمولى لهم، ذلك هو المعنى السياسي وليس الفلسفي فحسب لعبارة "سيادة الفرد". وترى المؤلفة أن فهم الليبرالية هو فهم كيف تكوّن الحل للدولة الليبرالية، دولة القانون، الخاضعة للقوانين والقادرة على المصالحة بين الحريات الفردية بفضل سلطة القانون، والمضمونة بالدستور وبمعايير ميتا - قانونية يرضى الجميع بالخضوع لها. 

أما في الفصل الرابع، "الفرد والمجتمع: الليبرالية الاجتماعية الجديدة"، فترى أودار أنه إذا فقدت الليبرالية مكانها السياسي، فإنها سوف تعيد ابتكار ذاتها بطريقة مدهشة، بصفتها حركة أفكار جديدة، وليبرالية اجتماعية منافسة للاشتراكية وقادرة على التأثير فيها. وتعتقد المؤلفة أن الليبرالية الجديدة جدّدت المبادئ المؤسسة لليبرالية الكلاسيكية، وصنعت تحولًا مزدوجًا: مصالحة الفرد والمجتمع.

في الفصل الخامس، "الثورة النيوليبرالية"، تقول أودار إن الثورة النيوليبرالية، التي غذتها فترة الحرب الباردة عبر الوقوف في وجه توتاليتاريات اليسار واليمين، شكلت تجذيرًا للفكر الليبرالي الذي يصعب فهمه خارج هذا الإطار، منبهةً العالم الحر إلى أن الاقتصاد الموجَه وتدخل الدولة في سيرورة السوق ودولة الرعاية يمثلان طريقًا إلى العبودية، وخطرًا على الحرية، ويحضران للاعتداء على حقوق الإنسان.

الصورة
ما الليبرلية

في الفصل السادس، "الليبرالية الديمقراطية عند جون رولز"، تبحث أودار في الفشل المزدوج لليبرالية الجديدة بحسب رولز، فليست ديمقراطية الليبرالية الجديدة إلا ديمقراطية السوق، مهتمة قبل كل شيء بالفاعلية الاقتصادية أو ديمقراطية رأي يستعبدها آخر استقصاء للرأي العام. ولتفسير تأثير رولز في الثقافة القانونية الأميركية، تستعيد المؤلفة رونالد دوركن الذي قال: "في الولايات المتحدة يجب على القضاة أن يتركوا للسوق تقرير ما تطلبه العدالة". 

"إعادة بناء التضامن الوطني والعالمي" هو عنوان الفصل السابع وفيه تعتبر أودار أن الطموح المعلن للثورة النيوليبرالية كان إنهاء دولة الرعاية والحِمل الذي فرضته على القوى المنتجة من دون حق، وإنهاء الأوهام التي كانت تحرك السياسات الاقتصادية التدخلية. 

في الفصل الثامن، "مساواة واختلافات: تحديات التعددية الثقافية"، تقول أودار إن الديمقراطيات، الأمم المدنية المرتكزة على عقد سياسي بين المواطنين وليس على علاقات الدم، كما في الأمم الإثنية، تحتاج إلى أن تكوِّن وفاقًا سياسيًّا، ولو محدودًا، فالحاجة إذًا إلى الدولة - الأمة كي يجعلوا مبادئ التضامن الاجتماعي وإعادة التوزيع مقبولة، والتي من دونها لا يمكن التماسك السياسي أن يرى النور.

في الفصل التاسع، "فشل الدنيوة"، تقول أودار إن الإسلام ينادي بخضوع الفرد للجماعة، وهذا لا يتطابق مع الليبرالية، ووحده الإسلام المعتدل والليبرالي يمكنه أن يندمج، ونحن حاليًّا بعيدون من ذلك. لكن هذه الظاهرة ليست الوحيدة التي تُوجد تحديًا للقيم الليبرالية، فحركة الدنيوة التي بدا أنها ترافق الحداثة وتقدُّم العلوم وفقدان النفوذ الاجتماعي للأديان على المجتمع والارتفاع العام لمستوى الحياة، هي أيضًا يتراجع نفوذها. وترى المؤلفة أن على الديانات أن تقبل بأن تتغير عند اتصالها بالمجتمعات الديمقراطية، وأن تصبح بدورها أكثر ليبرالية عبر مشاركتها الكاملة في الوفاق السياسي. وتجد الليبرالية الكلاسيكية صعوبة في فهم أن معنى الديني بالذات يختلف وفقًا للديانات، وأن المسيحية - وخصوصًا البروتستانتية الليبرالية - ليست مثالًا يمكن أن تتقيد به الديانات الأخرى.

في الفصل العاشر والأخير، "تجديد الديمقراطية: الأنموذج الجديد ’التشاوري‘"، تقول أودار إن الليبرالية تنتظر الكثير من التشاور العمومي، وتجعله يؤدي أدوارًا متنوعة جدًّا ومتناقضة حتى نستطيع أن ننتظر منه تجديدًا فعليًّا، قادرًا على منافسة الديمقراطية الانتخابية. وترى المؤلفة أن التعددية مصدر تكويني للاستقرار، وهي السمة المحددة للديمقراطيات المعاصرة كما هي موجودة حاليًّا، ويمكننا أن نصفها بحكم الأقليات؛ لأن حكم أقلية واحدة يصبح دكتاتورية. وتواجه النخبة في السلطة باستمرار معارضة وانتقادًا، ليس من الصحافة فحسب، بل من الجمعيات المستقلة كلها في المجتمع المدني التي تدور حول مراكز السلطة.

حملت خاتمة العمل عنوان "ما اللبيرالية؟"، وفيها تقول أودار إن الليبرالية ليست عقيدة كالعقائد الأخرى، إنها عقيدة صنعها بشر أحرار في حد ذواتهم، يرفضون أن يخضعوا لضرورات أيديولوجية سلطوية، ولمفهوم تبسيطي للحتمية الاجتماعية، وأن يضعوا أنفسهم في خدمة الدولة، كما في القومية، التي نجد لها آثارًا في التفكير الجمهوري في فرنسا، أو في خدمة حزب، كما في حالة الفاشية والشيوعية، وحتى الاشتراكية.