انخلي يا هلالة.. حكاية هجرتها الصعبة

انخلي يا هلالة.. حكاية هجرتها الصعبة

10 مايو 2022
+ الخط -

ذكرتُ لحضراتكم، من قبلُ، أنني أعرف المدام هلالة معرفة جيدة، مذ كانت فتاة عازبة.

نزحت هلالة مع بعض إخوتها وأخواتها، بعدما قُصف بيت أسرتهم في مدينة تقع ضمن ما يسمى الآن بـ(مناطق النظام)، وهي لا تحب أن تذكر اسم مدينتها لأسباب خاصة بها.. وبعد طول ركض، وتشرد، وبهدلة، واختباء في أماكن مهجورة، وركض، ولهاث، وأخذ الأرض منبطحاً أثناء سقوط القذائف والبراميل، وصلت إلى الأماكن الشمالية من سورية، التي أطلق عليها اسم "المحرر"..

في الطريق، كانت تضيع بعضاً من إخوتها وأخواتها، ولا تعرف أين لجأوا قبل أن يتوفر لكل منهم اتصال بالإنترنت، ولكنها، في المحصلة، اطمأنت عليهم، والحمد لله، واضطرت هي لأن تعمل في نخل الطحين لمصلحة أشخاص لا تعرف هي (ولا نعرف نحن) كيف استولوا على منظمات الإغاثة في "المحرر"، ومن أين يأتون بالمال لشراء الطحين.. ولكن هذا ليس موضوعنا الأساسي على كل حال.

هلالة، وللأمانة التاريخية، إنسانة محترمة، منضبطة، مرباية في بيت أهلها أحسن تربية، لذلك كانت تنخل الطحين من تلقاء نفسها، وفم ساكت، ولكن بعض الرجال الذين تعود إليهم ملكية الطحين كانوا يلحون عليها قائلين: انخلي يا هلالة، انخلي يا هلالة..

حتى أصبحت هذه العبارة شهيرة، مثل عبارة (يالا لالي أمان)، وعبارة (زغردي يا انشراح)، وعبارة (رقصني يا كدع).. واستمر الوضع على هذا الحال حتى وقعت مشكلها بينها وبين شخص نازح من نفس المنطقة التي نزحت منها، وكان يُعرف في بلده باسم "أبو ضَرَّاب"، وأصبح يحمل هنا اسم "أبو ثمامة".

لم يكن قدوم أبي ثمامة إلى مكان نخل الطحين مصادفة، بل كان واضحاً أنه سمع بوصول ابنة بلده هلالة إلى هذه البلدة، فجاء مباشرة إلى حيث كانت تنخل الطحين، وصعد فوق دكة حجرية، وأخرج من جيبه ورقة، وصار يقرأ:
أقولُ لناخلة البرغلِ:
بحقِّ الغرابيل لا تزعلي
بلادُكِ عزٌّ وجَخٌّ ورَخٌّ
وجَدُّكِ من عبسَ أو نهشلِ
أقول لناخلةٍ للطحينِ:
سأعطيكِ روحي 
وبؤبؤَ عيني
فأرجوكِ أرجوكِ لا تزعلي

هلالة، بذكائها المعهود، استطاعت أن تغادر هذه البلدة، ودخلت الأراضي التركية، وفي أول بَلم بحري، وصلت اليونان، ومنها إلى هولندا، وهناك تزوجت من سوري مهاجر

استغربت هلالة أن يصدر هذا الشعر الظريف عن أبي ثمامة، (أبو ضَرَّاب سابقاً)، وهي تعلم علمَ اليقين أنه هضيلة، وبلغة أهل حلب، طَشَنة، إذا جلس إلى الطعام يأكل ستة إلى سبعة أرغفة، حتى ولو كان الإدام زيتاً وبصلاً يابساً، وإذا حكى، يقول (بُعْ جَمَل)، وإذا ألقى نكتة يقف الحاضرون وينفضون الغبار عن مؤخراتهم، ويغادرون المكان، خشية أن تسول له نفسه الأمارة بالسوء أن يلقي نكتة أخرى، فيفقدوا، إثر ذلك، حد المرونة، ويموتوا من فرط الضحك (عليه)..

وتساءلت هلالة: من أين يأتي (أبو ضَرَّاب السخن) بالشعر الجميل، أو كما غنت نجاة الصغيرة من شعر د. سعاد الصباح: من أين تأتي بالفصاحة كلها، على الرغم من الغباء المركز الذي يستوطن شخصيته؟

ما تعرفه هلالة، كذلك، أن أبا ضراب وقع في أزمة مصيرية حينما وصل إلى الصف الحادي عشر، وكان من البديهي أن يتجنب دخول الفرع العلمي، لأن ملكاته العقلية لا يمكن أن تستوعب الجبر والمثلثات والهندسة الفراغية، واللوغاريتمات، والجيب، والتَجيب، والإبسلون، والميكانيك والقدرة، وتشريح الأميبيا (وحيد الخلية)، فاختار الفرع الأدبي، وهو لا يعرف أنه سيعلق تلك العلقة المسخّمة مع الفلسفة، والجغرافيا، وأدب المهجر، وميخائيل نعيمة، وبحور الشعر، وبالأخص العَرُوض.. والحقيقة أن الخليل بن أحمد الفراهيدي عندما اكتشف قواعد بحور الشعر، ووضع أصول العَروض، كان يرمي إلى خدمة الشعر العربي، إذ يسهّل على الشعراء الذين لا يمتلكون سليقة شعرية كافية عمليةَ النظم، فيصبح بإمكانهم أن يُخضعوا الأبيات التي يكتبونها للتقطيع العروضي، ثم الوزن، ولكنه لم يكن يدري أنه سيخرج في تلك الأمة واحد طشنة مثل أبي ثمامة يريد أن يأتي إلى حيث تنخل هلالة الطحين، فيفقعها ببضعة أبيات من الشعر، قاصداً أن يَضبعها، فيوقعها في غرامه..

المهم أن هلالة، بعد انتهاء أبي ثمامة من إلقاء شعره، ازورَّت عنه مثل مهرة جامحة، وأشاحت بوجهها، و(قلبت خلقتها على القناة الثانية)، وعندما أخرج من جيبه ورقة أخرى، وهَمَّ بقراءة أبيات أخرى، ألقت المنخل من يديها، ووضعت إصبعيها في أذنيها، متخذة وضعية توحي بأنها ستولول لتجمع عليه الناس، وتجعله ملطشة للقاصي والداني، ولكنها في الواقع سدت أذنيها لأنها لا تريد أن تسمع شعراً من هذا الرجل بالذات، حتى ولو كان سيلقي عليها خالدةَ المعري:
غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي
نوحُ باكٍ ولا ترنمُ شادِ
وشَبِيهٌ صَوْتُ النَعي إذا قِيـ
ــسَ بِصَوْتِ البَشيرِ في كلّ نادِ
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أمْ غَنَّـ
ــتْ عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ

إنني أروي لكم، أحبتي قراء مدونة "إمتاع ومؤانسة" هذه الوقائع نقلاً عن هلالة نفسها، وعلى مسؤوليتها الإنسانية والأخلاقية..

سألتُها عما جرى بعدما أبدت استعصاء ضد سماع شعر أبي ثمامة.. قالت إن الحكاية كبرت في دماغه، ودماغه، بحسب عادل إمام، جزمة قديمة، وقال لها، وهو يحرك يديه بالإشارات: إذا كان لي خاطر عندك ارفعي إصبعيك من أذنيك واسمعيني.

رفعت هلالة أصابعها، فراح يشرح لها أنه لم يعد ذلك الفتى الداشر (أبو ضَرَّاب) الذي لم يكمل دراسته، وأن معظم الحكايات التي كانت تروى عنه في البلد كاذبة، وبإمكان هلالة، الآن، أن تسأل مَن تشاء عنه.. وفي المحصلة يريدها للزواج بشرع الله.

قالت هلالة: ببساطة، أنا لا أريدك زوجاً.

ووقتها لب عقلُ أبي ثمامة، وصار يحلف لها على أنه مستعد لأن يطلّق المرأتين اللتين تزوجهما قبلها، في الحال.. وعندما لم يجد لديها قبولاً، مد يده إلى خرج الموتوسيكل، وأخرج الروسية، وأطلق رشقتين من الرصاص في الهواء وهو يقول: إذا بقيت على عنادك، سأقتل نفسي.

وأدار فوهة الروسية إلى بطنه.

ووقتها خافت هلالة، وقالت له: طيب أعطني مهلة لأفكر.

قال: كم يوم؟

قالت: أسبوع.

فتركها ومشى.

هلالة، بذكائها المعهود، استطاعت أن تغادر هذه البلدة، ودخلت الأراضي التركية، وفي أول بَلم بحري، وصلت اليونان، ومنها إلى هولندا، وهناك تزوجت من سوري مهاجر اسمه كريم وخلفا ولدين، وصار معهم جنسية.