سيرة العقل والجنون (8)

27 نوفمبر 2020
+ الخط -

في سهرة الإمتاع والمؤانسة السابقة قال الأستاذ كمال إنه توصلَ إلى كلمة السر التي جعلت الأستاذ علاء مدير مدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية في إدلب يحتفظ بالتلميذ (المجنون العاقل) فريد، وهيَ أن الأستاذ علاء بحد ذاته شخصية طريفة، مختلف جداً عن نماذج المديرين الموجودين في الوسط التعليمي المحلي، والمرجح أن علاء قد رأى في "فريد" أنموذجاً إنسانياً يبعث على التأمل، وبالتالي سيلعب وجودُه دوراً مهماً في تغيير الجو الروتيني في المدرسة، ويخلق جواً من الإثارة والمرح.

أبو محمد: يطول عمرك يا أستاذ كمال. ما في شك إن كلامك صحيح، وأنت أدرى بهاي الأمور، بس نحن حابين نعرف أيش صار مع فريد بعد مشكلة الجاروج والزيت المغشوش.

أبو المراديس: حكينا لكم أن فريد لما أحس بالعطب، وأيقن إن أبوه بده يعاقبه بالضرب، تعربش ع الحيط وهرب، وقال لأمه أنا رايح أكتب الوظيفة مع رفيقي نادر. وطبعاً كلامه كذب، أصلاً ما في بين زملاء فريد في الصف واحد إسمه نادر. المهم؛ أم خلو بتعرف إن أبو خلُّو رجل حَنون، ومع إنه قرر يعاقب فريد بسبب أكاذيبه، إلا إنه قلق عليه، وخاصة لما طلع من الدار. صار يحسب إنه هلق الوقت ليل، وصحيح إن جسم فريد صاير بقد الجحش، بس ما لازم ننسى أنه طفل عمره سبع سنين، وممكن يتعرض لأذى من إنسان، أو يعضه شي كلب جارح.. منشان هيك دخلت لعنده على أوضة النوم، وطمنته إنه فريد رجع من السهرة.

أبو خلو: كيف رجع؟ باب الزقاق ما انفتح.

ضحكت أم خلو وقالت له:

- باب الزقاق بيدخلوا وبيطلعوا منه كل الناس، ما عدا فريد اللي بيتعربش ع الحيط وبينزل ع الزقاق، وبالرجعة نفس الشي، بيطلع من بره، وبينزل على أرض الديار!

أبو خلو: اسمعي لقلك. أنا بدي هلق أشوفه، وبحكي معه بلطف، وبفهم منه ليش عم يكذب، وليش عم يخلي معلمين المدرسة يزعلوا منه؟

أم خلو: ما بنصحك تشوفه. لأنه بيعرف حاله مذنب، ولما بيسمع صوتك راح يتعربش ع الحيط ويهرب، وإذا قدرت تحاصره وما خليته يهرب، بده يرجع للكذب. خليه هلق نايم والصباح رباح.

أبو خلو: معك حق. بس أنا ما فهمت، وين نايم هلق؟

أم خلو: نايم ع السقيفة تبع المونة. هلق من شوي حكيت معه وعطيته بطانية حتى ما يبرد.

حنان: بتعرف يا أبو المراديس؟ هاي القصة كتير شبيهة بأفلام الكارتون.

أبو المراديس: صحيح. مع أن أحداثها جرت قبلما يكون في إدلب تلفزيونات، وما كان حدا بيعرف شي اسمه أفلام كارتون. المهم، الأستاذ علاء، متلما حكى صديقنا كمال، كان حابب يبقى فريد عنده في المدرسة، منشان هيك بعت الآذن ع الصف الأول، وطلب من الأستاذ عبد الله يجي لعنده ع الإدارة. ولما أجا عبد الله، ضيفه فنجان قهوة، وصار يحكي له عن الأزمة اللي تعرض لها والد فريد، وهيي إن الأحذية الولادية بتجي زغيرة على مقاس قدم فريد، والرجالية بتجي كبيرة، واستناداً للقاعدة الفقهية اللي بتقول إن الضرورات تبيح المحظورات راح نسمح لفريد يجي ع المدرسة بالجاروخ الديري..

عبد الله: أنت صادق يا أستاذ علاء، بس الرواية اللي بلغوك فيها مو صحيحة. في قياس بيسموه "المُحَيَّر" بين الولادي والرجالي. كمان في شي إسمه تفصيل، بيروح الواحد لعند الكندرجي، بياخد قياسات قدمه وبيفصل له كندرة.

علاء: لو كنا عم نحكي عن كندرة كان كلامك صحيح، بس نحن طلبنا منه بوط رياضة، والأبواط  بتنصنع في المعامل، يعني صَبّ، مو تفصيل.

عبد الله (بشيء من النزق): يا سيدي بلا بوط الرياضة، خليه ينقبر ويلبس صباط عادي، أنا إذا بيبقى لابس الجاروخ  راح ينخرب بيتي.

دهش الأستاذ علاء وقال: أشو هالحكي؟ كيف يعني بينخرب بيتك؟

عبد الله: يا أستاذ علاء أنا عمري حسب الهوية 55 سنة، بس في الحقيقة عمري 61 سنة، لأن أبوي لما مات أخوي عبد الله ما راح ع دائرة النفوس وخبر الموظف إنه مات، وبعد ست سنين ولدتني أمي وأبوي سماني عبد الله وما راح ع النفوس وخبرهم إني أنا شرفت ع الدنيا، يعني بقيت مسجل ع إسم أخوي المرحوم عبد الله، وهلق باقي لي خمس سنين حتى إطلع تقاعد، وجسمي بلش يتعب، وإنت بتعرف مهنة التعليم قبل ما يشرف لعندنا فريد كانت صعبة، فكيف هلق بعدما شرف؟ وأنا يا صديقي عندي خمس ولاد، واحد منهم عنده مرض وراثي، وبيحتاج لرعاية مدى الحياة، وعندي بنت شكلها مو كويس، صار عمرها تلاتين سنة وما حدا تقدم لخطبتها، يعني راح إبقى إصرف عليها طالما هي عانس، وهلق إذا بستقيل وبترك الوظيفة قبلما أوصل للتقاعد أكيد راح ينكشف حالي، وأتبهدل.

علاء: غريب هالحكي يا أستاذ عبد الله. أيش اللي خلاك تفكر بالاستقالة؟

عبد الله: جاروخ فريد! حضرتك قاعد في الإدارة وما بتعرف أيش بيساوي فريد بجاروخه طول الدرس. أول شي لما بيجي الصبح ع المدرسة بيكون عالق بجاروخه أكتر من رطل طين، والطين بيكون عالق فيه روث بغال وحمير وكدش، وأنا شفت آذن المدرسة أبو أيوب عم ينتف شعره من "فريد" وجاروخه، وحلف لي يمين إن إذا بيبقى فريد عم يجي بالجاروخ بده يقدم طلب نقل على ضيعة "المسطومة".

علاء: أنا آسف أستاذ عبد الله. ما كنت بعرف هالشي.

عبد الله: هادا على حسب ما بيقولوا أساتذة العربي (غيض من فيض)، طيب إنت بتعرف شلون فريد بيتصيّد عصافير في الفرصة؟

وقبل أن يحكي له عن عملية صيد العصافير دخل الآذن أبو أيوب وهو يصطحب ولداً من الصف الثالث ينزف دم من جبينه.

علاء: خير أبو أيوب؟ أيش في؟

أبو أيوب: سلامتك أستاذ، فريد ضربه بالجاروخ.

(للقصة تتمة)