سيرة العقل والجنون (34)

25 يناير 2021
+ الخط -

في القسم الثاني من سهرة الإمتاع والمؤانسة الإسطنبولية، استأنف أبو الجود رواية ما جرى مع المجنون العاقل نبهان البرغوتي الملقب (طَقّ مْصَدّ). لقد حضر والدُه الحاج صطيف إلى منزل بكار في معرتمصرين، وطالب بابنه، وكان بكار غائباً عن المنزل، وأم بكار قالت له: نحن مو متمسكين بإبنك، ولا إلنا مصلحة بوجوده عندنا، إذا بدك تاخده ما في مانع. وبالنسبة لبكار مو مشكلة، أنا بخبره.

أبو الجود: اللي صار بعدين أن الحاج صطيف البرغوتي، أبو نبهان، بعدما أخد ابنه وراح ع القرية ندم، شعر بأنه تسَرَّعْ، وتمنى لو كان تاركه عند بكار، لأنه خلال السنتين اللي مضوا كان مرتاح منه ومن مشاكله.

أبو ماهر: قصدك مشاكله القديمة؟

أبو الجود: لأ. المشاكل القديمة صارت ذكريات، أنا قصدي الشي اللي صار معهم بعدما رجعوا عالقرية. صاحب العلاقة نبهان "طق مصد" انقهر كتير، لأنه قبلما يجي أبوه ويعمل هالمشكلة كان مبسوط كتير مع أصدقائه برعاية بكار ووالدته المحترمة، ومن كتر ما انقهر قرر يرتكب حماقة كبيرة، ويخلي أبوه يعلق بمشاكل إلها أول وما إلها آخر.

كمال: أكبر مستفيد من هالعملية هوي نحن، في سهرة الإمتاع والمؤانسة. إذا طق مصد ارتكب حماقة بيصير عندنا حكاية، أو مجموعة حكايات، وأكيد راح تكون حلوة، وخاصة أنّ الراوي هوي حضرتك يا أبو الجود. هات لنشوف، سمعنا.

أبو الجود: قبل ما يجن نبهان صارت بينه وبين عمه الحاج فاضل مشكلة، وهالمشكلة تأزمت، بعدين تدخلوا الناس الطيبين وحلوها. ولما عرف طق مصد إنه خسر الإقامة في معرتمصرين مع أصدقاؤه، وخسر كمان الشغل في "محلات بكار للتجارة" بسوق الهال، قرر إن يجدد المشكلة مع عمه فاضل، ويخلي أبوه يعلق بمشكلة طويلة عريضة. وهادا اللي صار.

أبو الجود: لأ طبعاً ما هرب. كيف بيهرب إذا كان هوي كان راسم خطة وهدفه يوقع في إيدين عمه؟

أبو المراديس: بعد إذنك أبو الجود، خلينا نتوقف شوي، ونعيد ترتيب الأوراق. لازم نعرف أشو هيي المشكلة القديمة، وكيف عَقَّدها طق مصد؟

أبو الجود: متلما بدك. خيو، الحاج فاضل، عمه لنبهان (طق مصد)، عنده حديقة تابعة لداره، زارع فيها تفاح وليمون ومشمش وكرز، وفيها كمان شجرة زعرور، وشجرة تين زعيبلي، ودالية عنب قيسي. نبهان دخل مرة ع الحديقة وصار يقطف من هالشجرات وياكل. شافه عمه، ما أحب يخجله، قال له: صحتين إبن أخوي نبهان. كول قد ما بدك، بس إذا بتريد لا تقرّب ع شجرة الكرز. لأن بعدها ما نضجت.

نبهان انزعج، لكن ما حكى شي. طلع. وبعد هالموقف صار يراقب عمه ليتأكد إنه طلع من الدار، ويمشي وراه في الزاروب ليطمئن على إنه مطول خارج الدار، ويرجع بسرعة البرق، ويدخل على الحديقة، ويتجه دغري على شجرة الكرز، يقطف وياكل، وياخد معه كرزات منشان ياكلهم في البيت، ويطلع. الحاج فاضل، صار يلاحظ إن في حدا عم يدخل ع الشجرة بغيابه، عمل كمين. وتفاجأ بأنه هادا ابن أخوه نبهان. عاتبه بلطف، وقال له أنا واياك اتفقنا ما تقرب على شجرة الكرز. ليش أخليت بالاتفاق؟ نبهان اعتذر وحلف يمين إنه ما بقى يعيدها.

ومن باب الاحتياط، راح الحاج فاضل على معرتمصرين، اشترى قفل كبير، وجنزير، وجاب حداد خلاه يفصّل للحديقة باب حديد، وحط شريط مانع على طول سور الحديقة. بهاي الفترة نبهان تخانق مع أبوه خناقة قوية، وأبوه قلعه من الدار، وصار محسوب على المجانين، وصار لقبه "طق مصد"، وبعدين صار ضمن فريق المجانين الخاص ببكار كرم الحجي متلما بتعرفوا. تمام؟

أبو محمد: لحد هون تمام.

أبو الجود: لما وصل نبهان مع أبوه ع الدار، شاف التحصينات اللي عاملها عمه فاضل للحديقة، ومباشرة فكر إنه لازم يقتحم الحديقة، وياكل من الثمار الطيبة الموجودة فيها، وإذا شجرة الكرز فيها كرزات لازم يركز عليها لحتى يغيظ الحاج فاضل بشكل كبير. أم نبهان فرحت كتير بعودة إبنها البكر، وإخوة نبهان كمان فرحوا واحتفلوا فيه، وبالأخص أخوه صفوان اللي قريب منه بالعمر، وكان يلعبوا ويتشاقوا سوا. تاني يوم، بعدما خلي الجو، نبهان خبر أخوه صفوان إنه حياته برفقة بكار كانت عم تتحسن، وكان ممكن ياخد بيت في معرتمصرين، ويتزوج، وممكن يقنع بكار يشتري له دكان يبيع فيها بالمفرق، وهلق كتير مزعوج برجوعه ع البيت، وآخر شي قال له: يعني أبونا من سنتين لهلق ما اهتم لحكي الناس في القرية، وفجأةً صار يخاف ع سمعته وإنه ما بيرضى إبنه يعيش في بيت رجل غريب؟ لما كنت أنام في حاكورة سليمان آغا ويقرضني البرد كان يمنع حدا منكم يوصل لي بطانية أو زواد أكل. صح ولا لأ؟

صفوان: والله يا خاي صح، وكل الحق معك. بس نحن ما منسترجي نحكي معه. أنا مرة حكيت كلمتين منشانك قام هددني، قال لي (بتسكت ولا بخليك تلحق أخوك المجنون طق مصد؟).

المهم، اتفق نبهان مع صفوان على خطة محكمة. جاب نبهان آلات حادة، بنسة ومطرقة وكماشة ومفك براغي.. قص الشريط اللي حاطه العم فاضل ع السور، وكسر القفل اللي ع الباب الحديدي، ودخل، صار يقطف الثمار ويرميها ع الأرض، وخاصة شجرة الكرز، عمل فيها مجزرة، وراح صفوان دق باب عمه، ولما طلع همس بإدنه إنه تعال شوف أيش عمل نبهان بحديقتك.. ركض الحاج فاضل وشاف الوضع، وكمشه لنبهان بالجرم المشهود.

العم فاضل طق عقله، صاح صوت فاجتمع حواليه رجال من القرية، وفي نسوان فتحوا باب بيوتهم وصاروا يتفرجوا، وفاضل عم يطلب من الكل إنهم يشوفوا ويشهدوا، وراح دق الباب على أخوه الحاج صطيف ولما طلع قال له: - تفضل يا خاي، شوف وتفرج أشو عمل إبنك، بالله عليك مو عيب هالشي؟ لو قال لي يا عمي مشتهي آكل من هالحديقة، أنا كنت بطعميه، مو أحسن ما يكسر ويخرب؟

أم زاهر: ونبهان؟ ما هرب؟

أبو الجود: لأ طبعاً ما هرب. كيف بيهرب إذا كان هوي كان راسم خطة وهدفه يوقع في إيدين عمه؟

(للقصة تتمة)