رقابة صينية وجرائم إيطالية وغضب مكسيكي

20 سبتمبر 2020

ربما، لم يكن المسؤولون عن الرقابة على الإنترنت في الصين يتوقعون أن يتحول بضعة مفاجيع يقدمون فيديوهات لا يتوقفون فيها عن الأكل، إلى نجوم يتابعهم الملايين بشغف، لكن المؤكد أنّ أولئك الأكيلة لم يتوقعوا أن يصبحوا هدفاً لاضطهاد الرقابة، وهم يقدمون أشد المحتويات المصورة أمناً وبعداً عن الاصطدام مع السلطة.

في تغطيتها للشأن الصيني لهذا الأسبوع نقلت مجلة "ذا ويك" الأميركية عن موقع Theinitium.com الصادر في هونغ كونغ قوله إنّ "السلطات الصينية تجبر عدداً من أشهر نجوم الإنترنت في الصين على إغلاق أفواههم والدخول في دايت إجباري دائم"، مشيرة إلى مجموعة من صناع المحتوى قاموا خلال السنوات الماضية بتسجيل وبث فيديوهات على الإنترنت لا يفعلون فيها شيئاً سوى أكل كميات ضخمة من الطعام لأطول فترة ممكنة من الوقت، وفي حين تخصص بعضهم في أكل أجنحة الفراخ المقلية أو السُبّيط أو المكرونة سريعة التحضير، لا يلتزم آخرون بقوائم معينة للطعام، ويمارسون الرمرمة على الهواء لساعات طويلة، والملفت للنظر أنّ أغلب من يقومون بتقديم هذه الفيديوهات "فتيات رشيقات وجذابات"، منهن مثلاً صانعة فيديوهات اسمها Daweixian لديها 40 مليون متابع، وهو ما جعلها تحقق ربحاً يصل إلى 80 ألف دولار في كل فيديو إعلاني تقدمه لبعض المنتجات الغذائية.

تسامحت السلطات الصينية مع هذه الظاهرة لسنوات، خصوصاً أنها كانت تأخذ حقها المادي من العوائد والأرباح، وحين "جابت آخرها منها" طبقاً لتعبير الموقع، لم توجه ضرباتها لنجوم الظاهرة إلا بعد حملات إعلامية عنيفة اتهمتهم بالتضليل ونشر عادات إستهلاكية مدمرة للمجتمع وقيمه، لتقوم بعدها أجهزة الرقابة على الإنترنت بإغلاق تلك القنوات، بالتزامن مع حملات رسمية تدعو بقوة إلى تخفيض استهلاك الطعام وتقليل الفاقد منه، استعداداً لخفض حجم الواردات الغذائية من الولايات المتحدة، وهو ما جعل الموقع البعيد ـ نظرياً ربما ـ عن سطوة الرقابة الصينية يتساءل عن مدى تأثير تلك القنوات على إهدار الطعام مقارنة بالولائم الفخمة التي يقوم المسؤولون الحكوميون ورجال الأعمال المقربون منها بعملها بشكل يومي، والتي يتم رمي وإتلاف حوالي 40% من ما يقدم فيها من أطعمة ومشروبات.

في محاولة لتقديم وجهة نظر مقدمي الفيديوهات المتهمين بالشراهة، يقول الموقع إنّ فيديوهاتهم لا تشجع على الإفراط في الأكل، بل هي تقوم بالعكس تماماً، لأنها كما قال Duoyi أحد صناع تلك الفيديوهات، تجعل الراغبين في أكل كميات كبيرة من الطعام، يستخدمون الفيديوهات لإشباع خيالاتهم دون أن يضطروا لفعل ذلك في الواقع، خصوصاً أنّ الصين تشهد في الفترة الأخيرة تصاعداً في "التمييز ضد البدناء"، ولذلك "نحن نأكل بالنيابة عنهم ونفعل لهم ما لا يجرؤون على فعله في الحقيقة"، وهي حجة لن تفلح في إقناع السلطات الصينية التي تؤمن بأنها تعرف مصلحة شعبها أكثر من نفسه، ولذلك لن تتردد في تربيته إن أفسده دلال الإنترنت، وهو ما يجعلها المثل الأعلى لكل السلطات الاستبدادية حول العالم، والتي إذا كنت تستغرب ولعها بالسيطرة على الفيديوهات الراقصة، فانتظر حتى ترى هجمتها حين يلزم الأمر على فيديوهات الطباخين والأكيلة، لذلك إذا كنت ممن تمتعهم الفرجة على فيديوهات من نوعية "عزمت حماتي على الفطار وما رضيتش تطلع لعندي"، حاول أن تقوم بتحميلها تحسباً لغضب الأخ الأكبر واستهدافه المستمر للإنترنت.  

...

"البؤس الذي أحدثه وباء كورونا الجديد بإيطاليا والإيطاليين تحول إلى نعمة بالنسبة لعصابات الجريمة المنظمة في البلاد"، هكذا كتب الصحافي والروائي الإيطالي روبرتو سافيانو الذي اشتهر بكتبه المهمة عن المافيا الإيطالية وتأثيرها على الواقع الاجتماعي وارتباطها بشبكات الفساد الحكومي، مثل كتاب (جومورّا) الذي ترجم إلى العربية وتحول إلى فيلم ومسلسل تلفزيوني ناجحين، والذي دفع ثمن كتاباته الجريئة، حين تم وضعه على قوائم الاغتيال، وعاش لسنين خارج إيطاليا متخفياً وهارباً من القتلة المأجورين، وحين عاد إليها بعد سنين من الغربة، أصبح يعيش تحت الحراسة المشددة التي حوّلت حياته إلى جحيم. 

كتب روبرتو سافيانو في مقاله الذي نشرته صحيفة la Republica ونقلت منه مجلة "ذا ويك" مقتطفات جاء فيها: "لم تكن هناك حاجة ماسة من قبل لوجود التدفقات النقدية (الكاش) مثلما حدث في ظل انتشار الوباء، حيث أصبحت الكثير من العائلات والشركات والمحلات في المدن والقرى الإيطالية عاجزة عن تسديد إلتزاماتها المالية، وقبل أن تقوم الدولة بإجراءات تمد يد العون لمواطنيها العاجزين عن دفع إيجاراتهم أو مرتبات موظفيهم، انطلقت أسماك قرش القروض بأنيابها الضارية لتحاصر أصحاب المحلات والشركات الصغيرة والعاملين في القطاع الخاص، وتستغل حاجتهم الماسة إلى "الكاش"، حتى لو تورطوا في فوائد عالية، وحين يعجز هؤلاء عن السداد، يكون الثمن الذي يدفعونه: حرق منزل أو اغتصاب ابنة أو التصفية الجسدية".

أشار روبرتو سافيانو في مقاله إلى قيام عصابات المافيا خلال الأشهر الأخيرة بشراء العديد من المؤسسات والمحلات المشرفة على الإفلاس، ليستخدمونها في غسيل الأموال التي يجنونها من تجارة المخدرات والدعارة وغيرها من الأنشطة الإجرامية، وهو ما سيعزز في رأيه من سيطرة تلك التنظيمات الإجرامية على الاقتصاد الإيطالي، ويتيح لقياداتها تحقيق أحلامهم التي كانت تبدو مستحيلة قبل انتشار الوباء، حيث ينتظر أن تحقق عصابات Camorra المتمركزة في نابولي ـ مسقط رأس سافيانو ـ عوائد تتجاوز 41 بليون دولار أميركي سنوياً، أما عصابات Ndrangheta المتمركزة في كالابري جنوب غربي إيطاليا، فيمكن لعوائدها السنوية أن تتجاوز 71 بليون دولار أميركي، وهو ما يمكن أن يستغربه بعض الذين يتعاملون مع المافيا طبقاً للصور الذهنية التي تظهر قياداتها وأعضاءها بوصفهم مجرد لصوص وقتلة جاهلين معتمدين فقط على العنف، بينما هم في الحقيقة ينتمون إلى "أكثر البنى المنظمة في الرأسمالية المعاصرة"، طبقاً لتعبير سافيانو.

يرسم سافيانو سيناريو شديد التشاؤم للطريقة التي ستمكن تكتلات المافيا من تعظيم أرباحها بعد انتهاء الوباء، ليس في إيطاليا وحدها بل وعبر أوروبا كلها، متسائلاً: "من سيقوم بمساعدة فنادق جنوبي أسبانيا على العودة بعد أن تسبب الوباء في إغلاقها طيلة عام 2020؟ من سيكون لديه السيولة الكافية لشراء بارات لندن ومطاعم برلين التي يرغب أصحابها في تعويض خسائرهم الفادحة؟ وهل وجد المال القذر من قبل هذا الكم المهول من الأبواب الذي يمكن أن يعبر من خلاله هارباً من وسائل المراقبة التي ربما جعلتها الأزمة الاقتصادية الطاحنة مجبرة على غض النظر عنه لكي تعود الحياة إلى طبيعتها؟".

أسئلة شديدة الأهمية، لكنها لا تعني لنا الكثير، نحن أبناء الدول التي تعاني من سيطرة المافيات "الميري" على مقدراتها، والتي لا يوجد فيها شيء منظم وله قوانين ومنطق، حتى الجريمة.

....

قام فلاحون مكسيكيون الأسبوع الماضي باقتحام مقر إدارة سد كبير يقع في إحدى مناطق ولاية Chihuahua التي ابتليت بالجفاف في الفترة الماضية، احتجاجاً منهم على استمرار الحكومة المكسيكية في شحن كميات ضخمة من المياه العذبة إلى الولايات المتحدة طبقاً لاتفاق تم عقده عام 1944، يقضي بقيام المكسيك بتوريد 114 بليون غالون إلى الولايات المتحدة كل عام، في حين تقوم الولايات المتحدة بتوريد 489 بليون غالون إلى مناطق في غرب المكسيك كل عام.  

حين تأخرت المكسيك في تنفيذ كامل الاتفاق بسبب ظروف الجفاف الذي وقع في المنطقة، أصرّت الولايات المتحدة على أن تقوم المكسيك في فترة لا تتجاوز 24 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، بدفع مقابل مادي نظير تأخر شحن ما يقرب من 100 بليون غالون من المياه العذبة، وهي الكميات التي قام الفلاحون باقتحام مقر السد اعتراضاً على شحنها إلى أميركا، لأنهم يحتاجون إليها لري محاصيلهم المهددة بالهلاك.

خلال الأيام الماضية، واصل أكثر من ألفي فلاح مكسيكي التظاهر في مقر السد احتجاجاً على التفريط في موارد المكسيك المائية، ليتعرض اثنان منهم للقتل بعد اشتباكات عنيفة مع قوات مكافحة الشغب، لكن الفلاحين المسلحين بالحجارة والعصي نجحوا في إجبار قوات مكافحة الشغب على التراجع، وقاموا بإحكام السيطرة على المنشآت الكهربائية التابعة للسد، وقالوا لوسائل الإعلام إنهم لن يقوموا بإخلاء المكان حتى يضمنوا حقوقهم في المياه التي ستروي محاصيلهم الزراعية وتؤمن معيشتهم، وهو ما يشكل اختباراً حقيقياً للسلطات المكسيكية التي يرأسها منذ عامين اليساري أندرياس مانويل لوبيز أوبرادور، وقدرته على ضمان حقوق مواطنيه وحل أزماتهم، دون اللجوء إلى المزيد من الغشوميّة، ودون الدخول في المزيد من الأزمات مع جارة المكسيك الكبرى وحاكمها المعتوه دونالد ترامب.