الوالدة تعزف على الكمنجة

الوالدة تعزف على الكمنجة

14 مايو 2021
+ الخط -

انتهى شهر رمضان، وعيدنا، متمنين لك دوام الصحة والعافية، واستأنفنا سهراتنا في مدينة إسطنبول، على الرغم من تفشي الكورونا، ولجوء الحكومة التركية لفرض منع التجول من آخر شهر إبريل وحتى السابع عشر من مايو الحالي.

وكان من حسن حظنا أننا فتحنا، في السهرات الرمضانية الأخيرة، سيرة رجل ظريف جداً من أصدقائي اسمه سامر، ويعرف بلقب "أبو سمرة"، وأحياناً كنا نمازحه، عندما نلتقي به، فنغني له أغنيةَ محمد قنديل:

أبو سمرة السكرة

أبو ضحكة منورة

النهار دا

فات وعَدّى

ولا لسه يا ترى

كمال: يا سلام. بتعرف إنه هاي الأغنية تقدمت لأول مرة سنة 1957، يعني بنفس السنة اللي أنا انولدت فيها، ومع هيك كلما بسمعها بنطرب.

أبو محمد: بدي أذكّر أبو المراديس بأنه حكى لنا حكايتين عن أبو سمرة إلهن علاقة بالضيوف.

أبو المراديس: أبو سمرة كان عبارة عن نهر حكايات ما بيتوقف، ومتلما قلت لكم من قبل، لما بتحكي عن الضيوف، مثلاً، بيحكي لك عدة حكايات، ورا بعضهن، وكل حكاية أحلى من رفقاتها.. مرة من المرات كنا قاعدين أنا وهوي في مقهى حمشدو اللي تحت نقابة المعلمين القديمة، وبالصدفة دخل ع المقهى رجل أنا ما بعرفه، كان عم يدور بعيونه على حدا.. أبو سمرة لما شافه دار وجهه، وهمس لي وقال لي (شايف هادا الرجل الأشقر اللي دخل ع القهوة؟ تطلع فيه منيح واحفظ شكله، هلق بدي إحكي لك عنه قصة).. وبعد شوي الرجل طلع من القهوة، وأنا تشوقت كتير لحتى أعرف القصة. قلت له:

- هات بقى خبرني، أشو قصته هادا؟

أبو سمرة: هادا يا سيدي كان صديقي، وكان يحبني كتير، لوقت ما صار بيناتنا موقف خلاه يكرهني.

أبو المراديس: لهالدرجة؟

أبو سمرة: لأ، يمكن أنا أخطأت التعبير، هوي على قد ما بيحبني، لما أنا تحاقرت عليه، انقهر، وصار يحبني ويكرهني بنفس الوقت.. وهلق هوي طلع من المقهى لأنه شافني هون.

....

أبو المراديس: المهم يا شباب، أبو سمرة حكى لي القصة، وقال لي أن الرجل المقصود اسمه أبو يعقوب، وإنه في يوم من أيام الصيف الحارقة خطر له يزوره، مع العلم أن دار أبو يعقوب بتبعد عن دار أبو سمرة مشي 40 دقيقة ع الأقل، وبهديك الأيام كان ما في هواتف غير في بيوت الناس الأغنياء، يعني إذا أبو يعقوب وصل على دار أبو سمرة وما لقاه بده ينجبر يمشي 40 دقيقة تانية بطريق العودة، أما إذا لقاه في الدار بيدخل، وبيغسل وجهه، وبيقعد، وبيشرب مي، وشاي، وسكاير، وبيمضي ساعتين أو تلاتة، وبيرجع على داره وهوي مرتاح ومبسوط.

أم زاهر: لحد هون كويس.

أبو المراديس: نعم. وبهديك الفترة، خال أبو سمرة، أبو مهند، اللي ساكن في حلب، عطاكم عمره. أبو سمرة راح ع حلب ووقف في التعزية تلات أيام كالعادة، وفي اليوم التالت، بعدما انتهى كل شي، نادت له زوجة خاله أم مهند، وعطته آلة كمان (كمنجة)، وقالت له:

- هاي الزمزوقة كان خالك الله يرحمه طول النهار يزمزق فيها، وهلق خالك مات، أنا إش بدي أسوي فيها؟ خدها.

أبو سمرة فرح كتير على هالهدية، ولما رجع على إدلب راح لعند معلم الموسيقى الأستاذ محمد، استعار من عنده بعض الكتب اللي بتعلّم العزف، واعتكف في البيت، وصار يحاول يتعلم العزف. ومن كتر ما تولع بالعزف ع الكمنجة ما بقي عنده رغبة بتبادل الزيارات مع أي حدا.. لوقت ما شرف أبو يعقوب، ودق الباب.. أبو سمرة من دون ما يعرف مين الطارق عَطى إشارة لوالدته أنه تقول إنه هو مو هون.

كمال: يبدو إننا وصلنا للمنطقة الحرجة من الحكاية.

أبو المراديس: اللي خَلَّى الموضوع يكون حرج هوي صوتْ الكمنجة، لأن أم سامر لما قالت لأبو يعقوب إنه أبو سمرة مو هون، الرجل طق عقله، وصار يقول بصوت مسموع: كذب، علي الطلاق كذب، أنا سمعته بإدني وهوي عم يعزف ع الكمنجة. بس يا خالة إذا بتريدي، التفتي هلق على إبنك المحترم وقولي له عيب عليه، أنا جاي من آخر البلد بهالشوب والغبرا، وجسمي صار مي من العرق، حتى أزوره وأشرب معه كاسة شاي، أنا مو جاي أقعد على سفرته. بدي أفهم شغلة واحدة بس، شلون بيكون عم يعزف ع الكمنجة وشلون بيكون مو هون؟ إبنك حقير، حقير.

أبو زاهر: أف. هادا أبو يعقوب بالفعل مشوب.

أبو المراديس: نعم، واللي زاد بالطين بلة، إنه أبو سمرة قرب لعند أمه، وهمس لها بكلام.. وهيي ردت على أبو يعقوب وقالت له (طول بالك يا إبني، لا تستعجل بالحكم على رفيقك، هوي بالفعل مو هون، وبالنسبة للكمنجة أنا كنت عم أعزف عليها)..

أبو الجود: يا سلام سلم. أنا شايف إنه الكذبة كبرت، وما عادت تتصدق.

أبو المراديس: أي والله، وأبو يعقوب مو بس ما صدق، عصب على أم سامر، وقال لها ما معناه إنه هيي كذابة، وإبنها المحترم طالع كذاب لأمه. بتعرف بقى يا أبو الجود بوقتها أشو صار؟

أبو الجود: أشو صار؟

أبو المراديس: أبو سمرة عطى إشارة لوالدته أنها تسكت وما عاد ترد على أبو يعقوب. ولما حكى لي القصة في مقهى حمشدو، قال لي أن بوقتها خطرت له فكرة جهنمية، وكان على وشك ينفذها، لكن بآخر لحظة تراجع.

أبو محمد: أشو خطر له؟

أبو المراديس: خطر له يفتح الباب ويقول لأبو يعقوب: عيب عليك تقول لهالمَرَا الكبيرة المحترمة اللي من جيل أمك أنها كذابة؟ عم تقلك إنها هيي اللي عم تعزف ع الكمنجة، معقولة تكذبها؟ ولا يعني لأنها مَرَا كبيرة ممنوع تعزف ع الكمنجة!

(للقصة تتمة)