6 سنوات على الثورة التونسية: مكاسب وصعوبات ومنعطفات

15 يناير 2017
الصورة
أمام التونسيين طريق طويلة بعد (أمين الأندلسي/فرانس برس)
+ الخط -

14 يناير/كانون الثاني، تاريخ ذو رمز للتونسيين باختلاف انتماءاتهم السياسية. لا يختلف اثنان على أن هذا اليوم، منذ ست سنوات، غيّر كثيراً في ملامح تونس. وبالقدر الذي يتفاءل فيه طيف واسع من الساحة السياسية بمآل الذكرى، معتبرين أنها "التجربة المضيئة اليتيمة في ثورات الربيع العربي، وأنها رغم الانحرافات لا تزال وفية لأهداف ثورتها"، بذات القدر تقريباً أو يكاد، يصف طيف آخر مسار الثورة بـ"القاتم"، فيما يستمر آخرون بنفي أن تكون هناك ثورة مرت بالبلاد.

وتختلف التقييمات لمسار الثورة التونسية بحسب اختلاف المواقع، ونظرة الفرقاء السياسيين لهذه التجربة بحسب مآلاتها عليهم أولاً، وبحسب انعكاساتها على البلاد ثانياً. ويتفق كثر على أن النجاح الذي حققته الثورة انحصر في الحريات السياسية والعامة، فيما بقيت المطالب الاجتماعية والاقتصادية معلقة بفضل إكراهات الواقع الاقتصادي التونسي وتستوجب وعي التونسيين بأن الطريق لا تزال طويلة نحو تونس مزدهرة وديمقراطية.

في هذا السياق، يرى نائب رئيس مجلس شورى حزب النهضة، مختار اللموشي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الثورة التي قامت ضد منظومة عميقة وممتدة في التاريخ والجغرافيا، والتي تطاول أذرعها كل مفاصل الدولة من أمن وإعلام واقتصاد وغيرها، ولم تكن وراءها عقول استراتيجية أطّرت ووجهت جموع المحتجين، حققت جزءاً كبيراً من المطالب على الرغم من الانحرافات الجزئية".

ويستعرض اللموشي مكاسب ثورة البلاد بعد ست سنوات، والتي تعدّ أهم عناصر نجاحها في "ألا تتحول إلى ثورة دموية تجرف معها طموح التونسيين في دولة قانون ومؤسسات قائمة على دستور يوضع بطريقة تشاركية، كما نجحت في إخراج التونسيين من سجن كبير قبعوا تحته لعقود طويلة إلى مناخ من الحرية، تكون فيه الانتخابات كلمة الفصل في النزاعات السياسية ولا تكمّم فيه الأفواه رغم اختلافات الآراء. وبالتوازي مع ذلك يتواصل العمل على تركيز المؤسسات الديمقراطية والسلطة المحلية".

ثم يستدرك قائلاً إن "هناك صعوبات ومنعطفات جزئية أظهر خلالها التونسيون صبرهم على مسار الانتقال الديمقراطي، إذ إن الشعارات التي رُفعت هي شعارات حرية وكرامة. وفي وقتٍ توفّرت الأولى بقدر مرضٍ لا تزال الثانية متعثرة تحت وطأة الظرف الاقتصادي الصعب".

في هذا الصدد، يدعو اللموشي جميع المتداخلين في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، إلى "استغلال ما أتيح من حرية وحقوق في إطار التخفيف من الاحتقان، وإيجاد حلول في مسارات متوازية ومتداخلة مع تلك التي تقوم بها الدولة".



بيد أن هناك تقييمات أخرى، تعتبر أن إخفاق البلاد برز في القضايا الأساسية كـ"الحقيقة الكاملة في قضايا الضحايا والجرحى ومحاسبة الفاسدين من المنظومة العميقة لنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، فضلاً عن هروب هذا الأخير".

في هذا السياق، يعتبر الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "البلاد تعثرت في تحقيق الكرامة والحفاظ على مسار الانتقال الديمقراطي، ما ينبئ بأن الخطر لا يزال قائماً وقد يعصف بالمسار". ويوضح أن "الإخفاق الأكبر كان في قضايا الشهداء والجرحى التي تبعثرت بين المحاكم العسكرية، وبدلاً من إنصاف العائلات والجرحى، أنصفت تلك المحاكم المتورطين وحمتهم". ويرى أن "ذلك يعود إلى منظومة قديمة متغلغلة، تتستر على بعضها وتعزّز الإفلات من العقاب".

ويضيف الشواشي أن "قائمة الشهداء والجرحى لم تصدر بعد، على الرغم من الضغط والانتظار في ظلّ المخاوف من ردود الأفعال". ويشير إلى أن "منظومة العدالة الانتقالية تتعرّض بدورها لمحاولات للهجوم عليها وإضعافها، لاستبدالها بآليات أخرى، على غرار قانون المصالحة". ويرى أن "ست سنوات لا تكفي لتقييم ثورة 14 يناير، ولا تعطي صورة واضحة عما أُنجز، والبلاد لم تحد عن الطريق الصحيح في ظل وضع اقتصادي خانق، إذ لم تحصل تونس إلا على وعود فقط من الدول الصديقة والشقيقة بالدعم، من دون تطبيق".

أما الجبهة الشعبية، فتصف الوضع بـ"القاني الأحمر"، على حد تعبير القيادي بحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (العامل في إطار الجبهة الشعبية) أيمن العلوي، بالنظر إلى "ما دفعته من دماء منذ الثورة باغتيال قياديين بارزين فيها ومؤسسيها شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وأحد قياداتها في الجهات محمد بالمفتي". ويضيف العلوي في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، بأنه "لا يمكن الجزم بنجاح الثورة إذا ما تواصل طمس معالم الحقيقة وتهديد أهم المكتسبات التي جاءت بها وفي مقدمتها استقلالية القضاء".

ويبرز العلوي أن "الأمر يتعلق بعودة منظومة الاستبداد التي لفظها الشعب في 14 يناير 2011، لتعود أقوى وأعتى وتتماسك من جديد في إطار تحالفها مع قوى رجعية أخرى، وتحكم معها في توافق يلغي من كل اعتبار دماء الشهداء والجرحى وشهداء الاغتيالات السياسية والإرهاب"، على حد تعبيره. ويعتبر أن "الوضع لا يزال مظلماً بسبب عدم تحقيق انتعاش اقتصادي وغياب الإرادة السياسية لإنهاء مسلسل التهميش والحرمان والفقر في البلاد، بل لا يزال مستمراً لدى من تصدروا الساحات والشوارع في ثورة 2011. وهم يراقبون خذلان السلطة لهم بعين نقدية لا تزال تغذيها شعلة الثورة".

المساهمون