يوم هشام جعيّط: ليس لدى المؤرّخ من يجادله

09 مايو 2016
الصورة
من الندوة

بأعمال موزّعة بين التاريخ الإسلامي مثل "الفتنة" و"في السيرة النبوية" و"تأسيس الغرب الإسلامي" و"الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية"، وأخرى تتناول قضايا حضارية مثل "أزمة الثقافة الإسلامية" و"الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي" و"أوروبا والإسلام"، حاز هشام جعيط (1935) على مكانة في خارطة الفكر العربي المعاصر، غير أن كل ذلك يقف خلف حجاب من "عدم القراءة".

لعل تلك إحدى أهم النقاط التي يلتقطها متابع في الجلسات النقاشية التي نظّمها "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- فرع تونس" في تكريم المؤرّخ والمفكر التونسي يوم الجمعة الماضي.

في كلمته، أشار مدير فرع "المركز العربي" في تونس، المهدي مبروك، إلى أن "جعيّط ذهب إلى مواضيع ذات حرقة معرفية مثل الإسلام المبكّر وتحليل الشخصية العربية والعلاقة مع الغرب، وهو ما خلق راهنية متجدّدة لفكره".

بعدها، قدّم لطفي بن ميلاد قراءة في مجمل أعمال جعيط، قال فيها إن الأخير "انخرط في مشاغل الثقافة العربية منذ الستّينيات دون أن يحظى بدراسة شاملة". تحدّث بن ميلاد أيضاً عن مؤثرات مثل هيغل وفيبر وفيرهاوزن في أعماله، معتبراً أن أهم ما قدّمه جعيط هو أنه كشف أنه لدينا مشكلة مع الحقيقة، ونتعامل معها معاملة حربية.

من جانب آخر، لاحظ بن ميلاد أن جعيّط كان همّه بقضايا الأمة يتجلى في أدواته المعرفية حيث أنه استعمل مصطلحات ما بعد كولونيالية في أعماله، ونقد بنديّة المنجز الغربي مثل ردّه على فرانسيس فوكوياما بأن مقولة "نهاية التاريخ" لا معنى لها ضمن علم التاريخ، وهي ليست سوى مصطلح مكانه الحقيقي في علوم السياسة.

في الجلسة العلمية الأولى، انطلق نبيل خلدون قريسة من "ثلاثية السيرة" للحديث عن خصائص الكتابة لدى جعيّط، حيث يرى بأن الأسلوب كان هاجساً لديه، فالتزم لغة بسيطة ودقيقة، إذ لا يحبّ جعيّط تعجيز القارئ، فكان قريباً من الروائية، يقع بين النسق التقريري والأفق الإيحائي.

أما السمة الرئيسية التي يرصدها قريسة في كتابات جعيّط فهي تخلّصه من المركزية (مركزية الغرب ومركزية الشرق)، مشيراً إلى أنه في مرات كثيرة كان يوجّه خطابه إلى المستشرقين ويتّهمهم بأنهم عبثوا بموضوع بحثهم، وأنه حاول تجاوزهم بنقد مصادر التاريخ الإسلامي.

في المحاضرة الثانية، تحدّث عبد الحميد الفهري، من خلال نموذج كتاب "الفتنة" أن جعيط جاء بمنطق جديد لهذه القضية حين اعتمد على تفسير العلاقات السلطوية. ويضيف "هكذا قام بإخراج الفتنة من الأخلاقيات إلى مستوى النظر العلمي، ومنها حاول في لحظة تأسيسية فهم الآليات التي تدير التاريخ الإسلامي".

يؤكد الفهري أن جعيط، بكتابة تاريخية علمية، أثبت أن صفين هي مفترق التاريخ الإسلامي، في مقابل كربلاء في مقاربات أخرى، إذ كانت تراكماً لحوادث السقيفة ويوم الدار وموقعة الجمل، وهي لحظة خروج المسلمين من الأنا الموحد إلى الأنا المتعدد، وهي ليست فقط لحظة ألمٍ بل هي أيضاً لحظة وعي بذاتهم وقياداتهم وشرائعهم ومواقعهم". ويتابع "صفيّن عرّت اللاتكافئ العرقي والطبقي في الأمة". ويعتبر الفهري أن "الفتنة" كعمل أكاديمي منعرج في فهم الإسلام، وإخراجه من القراءة الثيولوجية أو من القراءات السطحية إلى قراءة تاريخية علمية.

في الجلسة الثانية، تحدّث محمد حسن عن كتاب "تأسيس الغرب الإسلامي"، والذي قام فيه جعيط بحسبه بتبئير الامتداد الجغرافي لإسلام من زاوية سياسية ديمغرافية حضارية راصداً هجرة القبائل العربية في المجال الجديد الذي أحدثه الإسلام، كما أنه يرصد تبلور القطيعة بين المشرق والمغرب وكأن المغرب الإسلامي لم يتأسس إلا لينفصل عن المغرب. يعتبر حسن أن "دراسة المغرب الإسلامي كتطوّر مجالي كان من مستحدثات البحث التاريخي".

خُصّصت بقية المحاضرات إلى غير المتخصّصين في التاريخ، حيث حاضر المفكر التونسي فتحي التريكي حول "قضية الهوية والتحديث لدى هشام جعيط"، مبرزاً الصبغة الفلسفية لأعماله بما أنه ساهم في طرح إشكالي لقضايا مثل الحداثة والحرية والوعي معتبراً أن الطرح الذي قام به لم يتسم فقط بالوضوح والتعقل، بل أيضاً بجرأة وصراحة مولّدَين للجديد وغير المنتظر.

يربط التريكي مشروع جعيط بتوجّهات جيله، إذ يرى أنه من القلة التي لم تسقط في جعل رد الفعل تجاه الحداثة سقوطاً في التراث، وأنه رأى مثل فرانز فانون أن إقرار الهوية عنصر من عناصر المقاومة، ففكرة الهوية لها دورها الاستراتيجي ضد الهيمنة المركزية، لكنها لا تعني بحثاً في التراث فقط وإلا جرّتنا إلى ما قبل التكنولوجيا وما قبل الحداثة.

يعتبر التريكي أن جعيط وهو يقوم بتفكيك إشكالية الهوية فهم أنها لا تقوم على الذاكرة فحسب، وإنما تقوم على المستقبل أيضاً وقد استفاد هنا من اعمال بول ريكور وتشارلز تايلور ومارتن هايدغر.

وحول مسألة الحداثة في فكر جعيط، يعتبر التريكي أن صاحب كتاب "أزمة الثقافة العربية" تبنّى موقفاً موضوعياً حين اعتبر أن كل علاقة بالحداثة تتضمّن علاقة بالثقافة الغربية بايجابياتها وسلبياتها، وأن الاستهلاك هو وسيلة هيمنتها، وهو ما ينبغي توجيه أضواء التفكير نحوه.
أمام هذا الوضع الإشكالي مع الحداثة، يشير التريكي أن جعيط فضّل اعتماد مصطلح التحديث باعتباره عملية تراكمية على مصطلح الحداثة الذي ينطوي على الكولونيالية، والتي لولاها لما كانت الحداثة ممكنة أو كونية.

استعمال مصطلح التحديث كان وسيلة لكي يضع جعيط حداً لغطرسة فكرة غربية الحداثة، فهي ابنة التحديث المستمر وتأثرت بكثير من الثقافات عن طريق السلم والحرب. أخيراً، يشير التريكي إلى جراة جعيط في إعلانه بأن النهضة العربية لم تنتصر لأن العقل كان يجبن في كل مرة أمام الوجدان الديني.

في الكلمة الموالية، تحدّث محمد الحداد عن تلقي هشام جعيط عربياً، وهو يعود هنا إلى مقال له بعنوان "أيها المسلمون لقد صدر كتابٌ لهشام جعيط" حيث أنه فوجأ بأن كتاب "السيرة النبوية" لم يجد أي صدى، لا مع ولا ضد، و"كأنما صدر قرار بالتآمر ضدّه بالصمت، هذا الصمت الذي تبدو نتائجه أشد وأبقى في قتل التفكير" بحسب الحداد.

يصنّف المتحدّث جعيط ضمن التيار النقدي في الفكر العربي مع عبد الله العروي ومحمد أركون. ويضيف "لم يسعَ إلى فرض لون إيديولوجي على التاريخ، وإنما انطلق من مكتسبات العلوم الإنسانية واستعملها استعمالاً قائماً على الندّية والاجتهاد، في محاولة لدفع الثقافة السائدة إلى المساءلة".

في آخر محاضرة، أشار نادر الحمامي إلى أن جعيط عاد إلى أسئلة فقدت عمقها بمقاربات جديدة، كما هو الحال مع استخدام مفهوم الأزمة الذي أصبح معه أداة وليست فقط توصيفاً، وصولاً إلى اعتباره أن الأزمات هي محرك دافع للتاريخ من خلال مقولته "التاريخ يتحرّك في أحلك فتراته" أي أن الأزمة دليل على التحرّك، ما يعطي بعداً تفاؤلاياً لمشروعه التاريخي والفكري.

كلمة الختام، كانت من نصيب المحتفى به. يعود جعيط إلى سنوات البحث الأولى، ويذكر أنه حاز فيها على نصيب من الاهتمام في فرنسا حيث كتب حول أبحاثه المستشرقون والمؤرخون مثل بارك ودوبييه، لكن دراساته اللاحقة في التاريخ لم تلق أي صدى من النقد العلمي في الغرب.

يقدّم جعيط تفسيراً لذلك، فيقول "يبدو أن هناك من انزعج من أن يدرس عربي مسلم الدين الإسلامي بأدوات علمية وأن يعود إلى أسس الحضارة الإسلامية ويقدّم فيها مقولاته، كما أنني انتقدت البعض منهم". يرى جعيط أن "كتاب السيرة" يمكن القول معه أن الاستشراق قد انتهى، وعاد البحث في التاريخ الإسلامي للشرقيين.

عن بداياته المعرفية، يقول: "اهتممت بدراسة التاريخ في شبابي بعد أن كنت ميّالاً إلى دراسة الفلسفة، ثم اعتبرت أن التاريخ يضم المعارف الأخرى. رأيت نقصاً في الكتابة عن الإسلام التأسيسي، ومع العودة إلى المصادر وجدت مثلاً في قضية الفتنة تعدّداً للروايات فتشجّعت على فحص المصادر حول الإشكالية الكبرى التي تولّدت عنها الفرق الإسلامية".

اعتبر جعيّط أن سنوات التدريس أتاحت له من الوقت أن يهتم باختصاصات أخرى في العلوم الإنسانية مثل التحليل النفسي وعلم الأديان والفكر الإسلامي وخصوصاً محمد إقبال، كما أشار إلى أنه أصر على أن لا يدرّس إلا ما هو في مجاله البحثي ووازى ذلك تطلّع للتفكير في الحاضر.

يعتبر جعيط أن ما كان سائداً في الجامعة التونسية هو الاهتمام بالمسار الوظيفي وظل البحث العلمي هامشياً، وهذه من سياسات الدولة معتبراً أن جدالاته الفكرية العربية حدثت في باريس أين التقى أنور عبد الملك وعبد الله العروي ومحمد أركون.

وحول الكتابات الفكرية، يقول "أرى أننا نعيش أزمة مخاض. العالم الإسلامي يركض وراء إعادة تأكيد موقعه في العالم المعاصر، وداخل هذا التأكيد ثمة متناقضات فكرية وسياسية وثقافية فهو في "أزمة تولّد" لا نعرف ماذا سيحدث من ورائها". ويعتبر أن دعوته الرئيسية من وراء أعماله أننا ينبغي أن ندخل في التاريخ الكبير المعاصر.

في نهاية حديثه، يعود إلى مسألة تلقي أعماله، يقول "ما حصل معي هو أن كتاباتي حازت سمعة طيبة لكنها لم تُقرأ". وبنوع من المرح، يختم "أعرف أكثر مما كتبت. أعتبر نفسي لم أكتب كثيراً، إذ لم يسمح لي الوقت بالكتابة في كل ما أهتم به ولعلي لست قادراً".

دلالات