ولنا 28 ورقة بشأن أميركا

25 مايو 2016
الصورة
+ الخط -
لا يبدو أن تداعيات هجمات "11 سبتمبر" في عام 2001 قد انتهت، على الرغم من مرور عقد ونصف على حدوثها. الهجوم الأكبر على التراب الأميركي، وربما الثاني منذ هجمات بيرل هاربر اليابانية في 1941، ما كان له أن يمر مرور الكرام، وهذا ما كان. لكن ردة الفعل الأميركية تقلبت، وما زالت، منذ 15 سنة.
بدأت ردة الفعل بحربٍ "تم التوافق عليها دوليا" ضد أفغانستان، بحجة أن حكومة طالبان تؤوي بن لادن، وتلك قصة ثأر، ابتلعها الجميع بصمت. ثم انتقلت أميركا من الثأر إلى الانتقام، باحتلال العراق. ثم قادت أميركا حرباً غير معلنة، ضد "الإرهاب"، بالطائرات بدون طيار (درونز) على نطاق واسع. الحرب التي اشتدت بعد 2008، شملت اليمن وليبيا وأفغانستان وباكستان والصومال ودولا أخرى، وقتلت من تتهمهم واشنطن بـ "الإرهاب"، كان جديدهم زعيم حركة طالبان، أختر منصور، لكنها قتلت آلاف الأبرياء أيضاً الذين لا يتحدث عنهم أحد.
جاءت، الآن، مرحلة جديدة من مراحل تداعيات سبتمبر، عنوانها الابتزاز. وهي، بالمناسبة، لا تستهدف السعودية وحدها، لكنها استهدفت إيران أيضاً، إلا أن طريقتي تعاطي القضاء الأميركي مع البلدين تختلفان. فالقوانين الأميركية تعتبر النظام الإيراني، ابتداء، راعياً للإرهاب، مثل النظام الليبي إبّان معمر القذافي، لذا تجيز محاكمته، من دون انطباق قوانين "الحصانة الدولية والسيادة" عليه، بعكس السعودية التي تحظى، كسائر الدول العالم، بحصانة تمنحها القوانين الأميركية للدول.
الابتزاز الأميركي الآن سياسي ومالي، فقد تم الحكم على إيران بدفع قرابة ملياري دولار، لأسر ضحايا سبتمبر، بسبب لعبها "دوراً ما" في الهجمات، على الرغم من العلاقة "الدافئة" بين طهران وواشنطن، اليوم، بعد الاتفاق النووي. والآن، ومع مشروع القانون الذي مرّ عبر مجلس الشيوخ، ويُنتظر أن يدرسه مجلس النواب، سيتم إدخال السعودية إلى دائرة الابتزاز المالي والسياسي نفسها. سترفع القضايا من أهالي ضحايا سبتمبر، وقد تحكم بدفع تعويضات بسبب "دورٍ ما" لن تعجز المخيلة الأميركية الجريحة عن اختلاقه، وستستخدم الإدارة الأميركية الورقة نفسها لابتزازاتٍ سياسيةٍ أخرى.
وفي هذا الإطار، قد يبدو كأن الجميع بانتظار 28 ورقة، مغيّبة من تقرير سبتمبر، تتحدّث عن "دورٍ ما" للسعودية في الأحداث. الأوراق التي حجبتها إدارة الرئيس بوش الابن، وكذلك إدارة أوباما، يُتوقع أن يتم الإفراج عنها الشهر المقبل. لكن السؤال، هنا، ما هو المُنتظر من أوراق، لو كانت استثنائية وخطيرة، لما تهاونت الإدارة الأميركية حيالها، ولما كانت قابلة للتجاهل، مدة تقارب 14 عاماً؟
لو اتبعنا هذا التسلسل (أو المسلسل) الأميركي في توزيع الاتهامات حول أحداث "الثلاثاء الأسود"، فربما لن ينجو أحد، فقد تُتهم الاستخبارات الأميركية نفسها، بلعب "دورٍ ما" في أحداث سبتمبر، من خلال دعمها، الذي تفخر به، "المجاهدين الأفغان" إبّان الصراع مع الشيوعيين، واستنزاف الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، فتلك لحظة تأسيسية لتنظيم القاعدة، وكل ما جاء بعدها متوقف عليها، بصورةٍ أو أخرى، الأمر الذي سيدين نظاماً عالمياً بأسره، لا دولة هنا أو هناك.
للعرب اليوم، أكثر من 28 ورقة بكثير، تتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، التنظيم نتاج مباشر للاحتلال الأميركي للعراق، وانهيار نظامه السياسي في عام 2003، وحلّ الجيش. وهو نتاج مباشر للسياسات الأميركية في المنطقة التي تراها باعتبارها منطقة "أقليات وأغلبية". وهو نتاج مباشر للرعاية الأميركية لنظام محاصصةٍ طائفيةٍ في بغداد، سهلت للإيرانيين الهيمنة على بلدٍ، لم يستطيعوا الهيمنة عليه، بعد حربٍ طاحنةٍ استمرت ثماني سنوات. ما كان لهذه التداعيات أن تمرّ مرور الكرام، ولا تؤثر في محيطها، في سورية بشكل صارخ، مع الثورة الشعبية ضد نظام الأسد، وما كان لها أن تؤثر إرهاباً في العالم أجمع. لكن، هل هناك من سيكتب أوراق إدانة الأميركيين؟