... وفي بعض الوباء عزاء

27 يونيو 2020
الصورة
في أسباب العلّة والمعلول، وعقب نقاشاتٍ طالت ولم تزل تطول، واستنفدت القلوب منهم والعقول، توصل أصحاب الدراية في الأوبئة العربية إلى اكتشافٍ مهول؛ لتفسير تراخي فيروس كورونا في البلاد المبنية للمجهول، قياسًا بنظائرها في بلاد سام وراؤول. أما خلاصة الاكتشاف الذي أخرس كل الألسنة فيقول: إن السفر الطويل للفيروس أفقده نصف قوته، ولم يعد قادرًا أن يصول أو يجول.
كانت مقدمةً سجعيةً لازمةً تلك التي استُهل فيها هذا النص الخارج على المألوف، والتي تتماشى، بالضرورة، مع لغزٍ غريبٍ في أخلاق الفيروس الذي ضرب شرقًا وغربًا، يتمثل باختلاف البطش الناشئ عن غزواته، وفق تباين البقاع التي أنشب أظفاره فيها، ووضع علماءنا في حيرةٍ من علمهم، ففي وقت قتل كورونا أزيد من 119 ألف ضحية في الولايات المتحدة، و35 ألفا في البرازيل، وآلافا أخرى في إيطاليا وإسبانيا والصين وغيرها، فإن عدد الضحايا في البلدان العربية، مجتمعة، أقل من ذلك بكثير، على الرغم من أن الفيروس واحد، والجسد واحد في الحالين، فلماذا، إذن، نشأ هذا الاختلاف الغريب في أعداد الضحايا؟
توصل بعض علمائنا، وفق المقدمة إياها، إلى أن السبب يُعزى إلى طول المسافة التي يقطعها الفيروس من البلاد الموبوءة إلى بلادنا "المتعافية"، وهو ما يفقد الفيروس جزءًا مهمًّا من شراسته، ويحيله إلى محض جرثومةٍ منهكة، بالكاد تفلح في اختراق الأجساد، وتخفق عند أول محاولة للفتك.
غير أن هذا التفسير "العلمي" لم يقنع علماء السياسة في بلادنا؛ فكان أن خلصوا إلى تفسيرٍ أرجح منطقية؛ فقد زعم هؤلاء إن أعداد الضحايا تفوق أضعاف المصرّح بها رسميًّا، ليس من باب الخجل بالطبع؛ بل لأن أنظمة الحكم العربية اعتادت، تاريخيًّا، التستّر على أعداد ضحاياها الذين لم يسعفهم طالعهم بإدراك الوفاة الطبيعية، فغلبت العادة الاستثناء، وهزم الطبع التطبّع، على الرغم من أن هذه الأنظمة هدرت فرصةً ثمينةً لو اهتبلتها لتواري سوءاتها بعباءة الفيروس، وتحميله وزر جرائمها، ودماء ضحاياها، مستغلّةً الرعب العالمي من الوباء، وصعوبة فرز الموتى في هذه المعمعة، بدل أن تظل مطاردةً بلعنات حقوق الإنسان ومنظماتها.
فيما أعادت طائفة سياسية أخرى السبب إلى لامبالاة الأنظمة، بموتاها وأحيائها على السواء، فهي ليست من الطراز الذي يدقق في أوضاع شعوبها أساسًا، ولا تضيرها أرقام الفقر والجوع والبطالة، فلماذا تستوقفها أرقام ضحايا الفيروس، إذن، إلا إذا كان المقصود ما يخصمه الموت من أرصدة الضرائب التي كان يمكن أن تصبّ في جيوبهم، لو لم تدفن مع المكلّفين بها من الموتى.
أما الطائفة الثالثة، المندرجة بين حقلي الدين والسياسة، فعزت ضعف الفيروس إلى أسبابٍ إلهية، فبعضهم استعاد أقوالًا تاريخية مأثورة إن "الله أرحم من أن يجمع على أمته وباءين معًا: طاعون الحكّام ووباء كورونا"، وتناسى هؤلاء أنه مهما بلغت وحشية كورونا في بلادنا فلن يلامس حجم ضحاياه ما تختزنه مقبرة جماعية واحدة في الشام أو العراق أو ليبيا مثلًا، وأن الشعوب العربية باتت تؤثر الموت مرضًا على الموت استبدادًا وطغيانًا، لأن الموت الثاني أشد وحشيةً في فتكه البطيء الذي يستنزف الدم والعرق والكرامة يوميًّا.
أما الطائفة الأخيرة التي لا تجمع أحدًا غيري فيذهب بها شطط التفسير إلى سببٍ واحد لا غير، وهو أقرب ما يكون إلى كشفٍ غير مسبوق في علم اجتماع الأوبئة والبشر، مفاده بأن الفيروسات الحديثة تملك القدرة على التكيّف وفق البيئة البشرية التي تختلط بها، فإن وجدت بيئةً متطورة إنسانيًّا واقتصاديًّا تصبح أشد شراسةً وفتكًا؛ لأنها تتخلّق بأخلاق حواضنها من البشر، فهي تطلق أقصى طاقاتها إن لمست أناسًا لا سقوف لطموحاتهم. وعلى العكس من ذلك، إن لامست بشرًا منهكين، مترنّحين، لا تتعدّى سقوف طموحاتهم عتبات بيوتهم، عندها تنتقل عدوى البشر إلى الفيروس ذاته، فيصبح هو الآخر ضعيفًا، منهكًا، و"مقموعًا" أيضًا.
تلك هي الخلاصة التي لو صدقت فعليًّا، لوجب علينا أن نبكي بؤسًا على نجاتنا من هذا الوباء، وليس الرقص فرحًا؛ ففي بعض الوباء عزاء.