وثائق كامب ديفيد (1): السعودية تبنت موقفاً علنياً وآخر سرّياً

04 يونيو 2018
الصورة
بيغن وكارتر والسادات أثناء توقيع كامب ديفيد (أرشيف/ Getty)
تكشف وثائق رفعت وزارة الخارجية الأميركية السرية عنها أخيراً، ويبحث "العربي الجديد" عن الجديد الكامن فيها، عدداً من الحقائق حول مفاوضات السلام المصرية الإسرائيلية، بما في ذلك موقف السعودية التي دعمتها سراً، من خلال تواصلها مع إدارة الرئيس جيمي كارتر، في حين تبنّت موقفاً علنياً معارضاً لها أمام الرأي العام العربي والسعودي.
وتسبّب التراشق الإعلامي المصري السعودي في اتخاذ الرياض مواقف أغضبت واشنطن، إلا أن تطورات الأحداث في الشرق الأوسط خلال تلك الفترة دفعت الرياض لإعادة حساباتها الاستراتيجية، وشهد عام 1979 سلسلة تطورات جوهرية، منها نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية وعودة الإمام روح الله الخميني إلى طهران، والغزو السوفييتي لأفغانستان وسيطرة مسلحين، بزعامة جهيمان العتيبي، على الحرم المكي لمدة أسبوعين قبل تدخل القوات السعودية والقضاء عليهم.

وكانت السعودية قد بادرت إلى قطع العلاقات مع مصر بعد توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل، ووصفت الرياض الرئيس المصري أنور السادات بأنه "خان الدول العربية"، إلا أن وثائق الخارجية الأميركية أظهرت أن موقف الرياض كان مزدوجاً، ففي الوقت الذي ندّدت ورفضت فيه الحل المصري المنفرد مع إسرائيل، أظهرت الرياض لواشنطن دعمها للإطار العام لعملية سلام الشرق الأوسط، وللدور الأميركي فيها.

وكشفت برقية من جدة صادرة بتاريخ 10 أغسطس/ آب 1978، حول لقاء جمع السفير الأميركي بالسعودية في ذلك الحين جون ويست بالأمير سعود الفيصل في مدينة الطائف، عن دعم السعودية لدعوة الرئيس كارتر للرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن. وذكر الفيصل أن "بلاده تبحث إصدار بيان رسمي بذلك"، مشتكياً من أن "موقف بلاده من المفاوضات المصرية الإسرائيلية يُساء فهمه". وأكد الفيصل أن "السعودية تريد النجاح لمباحثات كامب ديفيد، والنجاح سيكون لأهم حلفاء السعودية، وهما أميركا ومصر. وسنقوم بكل ما في وسعنا للمساعدة، وسنجعل دعمنا معروفاً للجميع".

ثم جاء استقبال كارتر للعاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز، يوم 27 أكتوبر/ تشرين الأول 1978، الذي عبّر خلاله الملك السعودي عن فكرة أن "يضم فريق التفاوض المصري أو حتى الأردني ممثلين عن الفلسطينيين للتباحث حول غزة والضفة الغربية"، أما كارتر فاعتبر أن "واشنطن تريد أن تتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، بشرط إعلان قبولها الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 242".

وفي هذا الصدد عُقد اجتماع ثنائي بتاريخ 17 مارس/ آذار 1979 في الرياض، بين فريق أميركي بقيادة مستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي، وفريق سعودي بقيادة ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز. وأكد فهد خلال الاجتماع أن "بلاده تفكر بقوة في إرسال مبعوثين، على مستوى عالٍ، لكل من بغداد ودمشق وللفلسطينيين ودفعهم لتخفيض حدة عدائهم للمفاوضات المصرية الإسرائيلية". ورداً على أسئلة من الجانب الأميركي، أكد فهد أن "وقف عضوية مصر في جامعة الدول العربية لا يعني على الإطلاق توقف مساعدات بلاده المالية والاقتصادية للقاهرة".



إلا أن برقية خرجت من سفارة واشنطن بالرياض بتاريخ 7 مايو/ أيار 1979 أشارت إلى تداعيات تصعيد الحرب الكلامية بين الرياض والقاهرة، التي وصلت إلى درجة عالية من الخطورة، بعد خطاب السادات بمناسبة عيد العمال الذي هاجم فيها السعودية بضراوة. وأبلغ الفيصل السفير الأميركي في الرياض أن "بلاده لا تنوي تمويل شراء مصر طائرات أف 5 كما كان متفقاً عليه بعد هجوم السادات على بلاده".

وانزعجت واشنطن بشدة من اتساع حدة الشقاق المصري السعودي، مخافة زيادة الضغوط على مصر والسادات، وهو ما قد يقوي من القوى المعارضة لعملية السلام داخل مصر وخارجها. لذلك قام كارتر بتوجيه خطاب إلى الملك خالد بتاريخ 11 مايو/ أيار 1979؛ عرض فيه حجم صداقته الشخصية للسعودية وقيادتها السياسية، محذّراً، بلغة دبلوماسية، من تداعيات القرار السعودي بوقف تمويل صفقة الطائرات العسكرية لمصر. وعبّر كارتر عن مخاوفه من تأثير القرار السعودي على مستقبل علاقات بلاده مع الرياض، خصوصاً بعد الحصول على كل الموافقات اللازمة لإتمام الصفقة. وحذّر من أن "عدم تمويل الرياض لشراء الطائرات للقاهرة من شأنه أن يزيد من عزلة مصر العربية، ومن شأنه أن يؤثر سلباً على دور مصر في السعي للحصول على الحقوق الفلسطينية. كما أن القرار السعودي سيقوي موقف الاتحاد السوفييتي وحلفائه في الشرق الأوسط، ويعطي دفعة قوية للقوى المتطرفة والمتشددة في المنطقة".

ومع استمرار توتر العلاقات المصرية السعودية التي وصلت إلى درجة اتهام السادات الرياض بـ"محاولة تجويع شعب مصر"، ومع رفض السعودية لأي اجتماعات ثنائية لجمع نائب الرئيس حينذاك حسني مبارك وولي العهد السعودي الأمير فهد، قام كارتر بتوجيه خطاب واحد يوم 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 إلى السادات والملك خالد. وقال كارتر فيه إنه "يكتب لكليهما ذات الرسالة كي يدركا أهمية أن يعملا معاً من أجل تدارك التدهور في علاقات بلديهما، وهو الذي يؤثر سلباً على مصالح واشنطن في المنطقة".

وفي مذكرة أرسلها السفير الأميركي بالقاهرة بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 عن فحوى لقاءات مع السادات وولي العهد السعودي فهد، لخّص السفير خلالها رؤية الأمير فهد للسادات التي "يتمنّى فيها نجاح السادات في التوصل لحل للقضية الفلسطينية وقضية القدس، وأنه سيكون أول المهنئين، وأنه يصلي كل يوم بغية نجاح السادات على الرغم من الحملات الإعلامية العنيفة ضد المملكة".

كذلك كشفت مذكرة عن فحوى لقاء جمع كارتر والسادات والأمير بندر بن سلطان (أصبح سفيراً للسعودية في واشنطن لاحقاً) إضافة إلى بريجنسكي. وخلال اللقاء أكد بندر أن "علاقة بلاده بالعراق وسورية ليست بالقوة التي يعتقدها البعض، وأن بلاده تدعم عملية السلام التي ترعاها واشنطن". وقبل نهاية اللقاء طلب بندر من السادات أن يوقف الحملات الإعلامية ضد السعودية، وهو ما وافق عليه الرئيس المصري ووعد بإنهاء هذه الحملات على الفور.