هل نشهد تنسيقاً تركياً روسياً في ليبيا؟

19 ديسمبر 2019
الصورة
أعادت مذكرتا التفاهم بين تركيا وليبيا، وتم فيهما الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية، وعلى توثيق العلاقات الأمنية والسياسية، ووقّعهما الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعادتا خلط الأوراق الإقليمية الموجودة فوق الطاولة الليبية، ذلك أنهما خطوة بالغة الأهمية، والخطورة كذلك، فتركيا حسّاسة جداً إزاء إرسال جنودها إلى بؤر صراع خارج الحدود. وباستعادة حالات بادرت فيها إلى هذا الأمر، نجدها في مناطق تتعلق مباشرة بالأمن القومي التركي، سواء في قبرص أو في كردستان العراق لمحاربة حزب العمال الكردستاني. ولكنها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف 2016، اكتشفت مدى تغلغل أطراف خارجية في الداخل التركي، فأخذت تبني استراتيجية جديدة تقوم على ردع الخصوم في ساحات خارجية لتركيا حلفاء فيها، أو تلتقي فيها المشاريع المشتركة. وبالنظر إلى المشاريع المتصارعة اليوم في ليبيا نجد مشروعين: مشروعا يعمل على إجهاض الانتقال الديمقراطي، بدعوى الإرهاب (يشكل المكون القبلي في الشرق الليبي حامله الأبرز). ويهدف إلى إعادة إنتاج حكم عسكري شمولي على غرار النظام المصري. يقود هذا المشروع كل من أبوظبي وعبدالفتاح السيسي، ومن خلفهما فرنسا التي تنسق مع روسيا في الملف، ويشكل فيه اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، والمتضررون من سقوط نظام القذافي أداة محلية تنفذ ما يطلب منها. والمشروع الآخر وليد الثورة يسعى إلى الدولة المدنية والديمقراطية (يشكل أبناء مدن الغرب الليبي حامله الأبرز). ليس لهذا المشروع قيادة مركزية أو رأس يديره، بل تتوزّع مراكز القوة والقيادة فيه بشكل أفقي، بحيث تجد في هذا المشروع التيار الإسلامي بكل أطيافه، والديمقراطي، والتكنوقراط، والعسكريين، والفعاليات المناطقية المحلية، سواء مجالس أعيان أو مجالس محلية خدمية. وما يجمع كل هؤلاء هو العداء لحفتر ومشروعه. يدعم هذا المشروع كل من تركيا وقطر، وإيطاليا التي سلمتها أميركا مهمة إدارة الأزمة.
وفي مشروع حفتر من تعتبرهم تركيا أعداء لها، فقد أعلنت، في أكثر من مناسبة، أن حكومة أبوظبي كانت أحد الأطراف الخارجية التي وقفت وراء محاولة الانقلاب الفاشلة، ودعمت جماعة فتح الله غولن. وأدرجت، قبل أيام، على لائحة المطلوبين لديها، اسم المفصول من
 حركة فتح، الفلسطيني محمد دحلان، الذي يحظى بمكانة كبيرة لدى ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، لدوره في الانقلاب الفاشل. وللمذكور دور بارز في الإشراف على تنفيذ مشروع بن زايد والسيسي في ليبيا. وقد يتبادر إلى الذهن سؤال عن ماهية المشروع الإماراتي في ليبيا من زاوية عدائِهِ تركيا أو تهديد أمنها القومي؟
اعتقدت أبوظبي، وخلفها نظام السيسي، أن أسهل ساحة لتحقيق انتصار ضد تركيا وقطر في المنطقة هي الساحة الليبية، وعليه كثفوا دعمهم حفتر، خصوصا بعد فشل انقلاب غولن وحصار قطر، ضد القوى التي يرونها موالية أو مدعومة منهما. ووظفت أبوظبي كل علاقاتها الدبلوماسية لتحشيد دعم دولي لحفتر وإعطائه الشرعية، ونجحت في كسب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى صفها، كما نجحت في إقناع روسيا بدعم حفتر، ورتبت زيارة له إلى حاملة الطائرات الروسية، أدميرال كوزني ستوف، وإلى موسكو، التقى خلالها مسؤولين كباراً، وعقد اتفاقيات عديدة اقتصادية وعسكرية، بل طبع المصرف المركزي التابع لحفتر عملة ليبية في روسيا قدرت بستة مليارات دينار. ويذكر أن روسيا شعرت بإهانة كبيرة، عندما أُخرجت من ليبيا بعد إسقاط نظام معمر القذافي من دون أي كعكة لها. ولذلك انتظرت الفرصة المواتية للعودة إليها، فجاء انقلاب حفتر يمنحها تلك الفرصة، وبرضا وتنسيق من أبوظبي والسيسي، فتصاعد الدور الروسي في الشأن الليبي، ومعه الفرنسي، وانكفأ الدور الأميركي، وبقي الإيطالي متردّدا.
وبالنظر إلى خريطة المحاور المتصارعة اليوم في ليبيا، ثمة معسكر حفتر يدعمه محور 
إماراتي مصري بغطاء دولي أعلى، وهو الغطاء الروسي. وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية، خالد المشري، قد صرّح عن وجود مرتزقة روس يقاتلون في ليبيا. ومعسكر حكومة الوفاق، ومجموعات الثوار المساندة لها وقوى الغرب الليبي، تدعمه تركيا وقطر، وبدرجة أقل إيطاليا، بينما الموقف الأميركي مراقب، وينسق مع الطليان.
بمقارنة للمشهد في سورية، معسكر النظام وحلفاؤه تدعمه روسيا عسكريا وسياسيا، ومعسكر المعارضة المناهض للنظام تدعمه تركيا مالياً وعسكرياً وسياسياً. ولكن ما الذي نتج عن انخراط أنقرة وموسكو في الصراع السوري؟ نجم عنه تنسيق عالي المستوى بينهما، أدى إلى إيجاد مسارات تفاوضية برعاية الطرفين، أبرزهما مسار أستانة واتفاق خفض التصعيد الناجم عنه، ومسار سوتشي الذي نجم عنه اللجنة الدستورية، وقبلت الأطراف السورية به بضغط روسي تركي. وقد يجعل هذا الاتفاق من تركيا أحد أهم الأطراف الفاعلة في ليبيا، خصوصا بعد إعلان وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية، فتحي باش آغا، أن "خيار طلب إرسال جنود أتراك إلى ليبيا وارد في أي وقت، وقد يكون قريبا، وأن الدعم التركي قد يتعدّى العمل البري، ويشمل العمل الجوي"، وتصريح الرئيس التركي، أردوغان، بأن "حفتر زعيم غير شرعي".
وبالتالي، قد يؤسس التنسيق الروسي التركي عالي المستوى في الملف السوري لتنسيقٍ مشابه 
في الملف الليبي. وهناك مؤشّرات عديدة على إمكانية ذلك، فقد أعلن الكرملين أن بوتين وأردوغان بحثا، في اتصال هاتفي، "القضايا المتعلقة بالتصعيد المستمر للنزاع العسكري في ليبيا"، وأضاف بيان الكرملين أن الرئيسين، الروسي والتركي، شدّدا على "الاستعداد للإسهام في ترتيب الاتصالات بين الأطراف الليبية". كما اتفقا على "تكثيف الاتصالات الروسية التركية على مستويات مختلفة".
هذه مؤشّرات على إمكانية إحداث "أستانة ليبي" على شاكلة "أستانة السوري". ولكن كيف يمكن ذلك فيما يرفض عبد الفتاح السيسي الاتفاق؟ يلاحظ أن الأخير استشهد بالحالة السورية وطرحها مثالا عند حديثه عن الوضع في ليبيا، وطالب بما سماها "عودة الدولة الوطنية" إلى كل من سورية وليبيا. وبربط هذا التصريح بما أكّدته مصادر دبلوماسية غربية رفيعة المستوى لمسؤولين ليبيين، أن "مداولات لقاء برلين الخاص بليبيا مرت بسلاسة غير طبيعية بين الجانب المصري والتركي"، فذلك قد يعطي مؤشراً على أن تصريحات السيسي ربما تكون للاستهلاك الإعلامي، ومنعاً للحرج أمام حلفائِهِ، وخوفاً من انتهاء تدفق الرز إليه.
تعليق: