نساء ورجال تحت صدمة المنفى السوري

21 أكتوبر 2014
الصورة
كانت حياتهم خالية من كل هذا الجمال (Getty)
+ الخط -
"بدنا أربعميّة سنة لنصير متلن"، قال الرجل الستيني لزوجته، وهما جالسان على حافة حجريّة مطلة على نهر مرسين، بينما كنت أمرّ بالقرب منهما. الرجل ذاته، الذي يحجّب زوجته بالعديد من أغطية الرأس والوجه، لن يوفّر صفعة أو لكمة إلى زوجته أو إحدى بناته أو كنّاته، فيما لو خرجن بملابس مثل تلك الملابس التي ارتدتها الفتيات الجالسات على مقربة منه. ثمة صبية تجلس مصطحبة آلة الغيتار، بجوارها صديقها، تعزف له أمام البحر. ربما شاهدتها الزوجة المحجبة في المسلسلات المدبلجة، لكنها لم تعش هكذا لحظة في حياتها. على بعد أمتار قليلة، صادفت مجموعة شباب وبنات. إحداهنّ كانت ترتدي بلوزة تُظهر سرّتها ونصف بطنها، كانت المجموعة تضج بالصخب والمرح، ولم أتمكن من تخيل مشهد الرجل القادم من حلب، وهو يرى كل ذلك الجمال الأنثوي الذي لم يره سوى في مسلسلات مدبلجة. هؤلاء الرجال والنساء، الذين غادروا البلاد عنوة، وبعضهم لم يكن قد رأى المدينة حتى، ولم يذهب إلى المسرح والسينما، ليختلط بالآخرين، هؤلاء أمضوا حياتهم في العمل وأفنوها من أجل العائلة. 
النساء اللواتي لم ينزعن غطاء الرأس إلا أمام الأزواج و الأولاد، كن مكتفيات بعيش خفيف هانئ، يتفرجن أثناءه على العالم المختلف عبر الشاشة، وربما يصفن صبية ما من العائلة، تخرج دون حجاب بأوصاف أخلاقية مسيئة. هؤلاء جميعهم، وجدوا أنفسهم أمام مشاهد حقيقية لم يتحضّروا لها، فباغتتهم ثقافة الآخر حتى صاروا يتحدثون لأنفسهم بصوت مسموع: "بدنا أربعمية سنة لنصير متلن"!

عزيزي الستيني، أرغب كثيراً بالتوقف أمامك وسؤالك: "ماذا ينقصك يا أخي لتكون مثلهم؟". طبعاً، سيقفز في وجهي: "مو عيب، نحن إسلام!".
لن يخطر في بال هذا الرجل، أن أغلب هؤلاء الذين رآهم على الشاطئ مسلمون. من هنا، يمكن المرور سريعاً على هذا النوع الجديد من الصدمات، صدمة المنفى الحضارية، حينما يعرف المصدوم أن ما يراه جميل وممتع، لكنه ممنوع، لا يمكن ممارسته، لأنه في نظر نفسه مختلف عن هؤلاء، ولا يمكنه التشبّه بهم. هذه الصدمة التي لا تشبه كل ما قيل عن صراع الحضارات أو الثقافات، حيث ثمة طرفان معنيان بهذا الصراع، بينما في حالة صدمة المنفى، ثمة طرف واحد، قوي، هو صاحب المكان، وثمة طرف آخر ضعيف ومنكسر، هو القادم عنوة إلى هذا المكان.

ثمة فارق كبير بين المنفيين: بين منفى مُختار، تهيأ له صاحبه، وذهب بمحض إرادته إلى الآخر، وهو مستعد لقبوله والتعايش معه، بل يمكنه القيام بإضافات ثقافية لهذا الآخر، كما فعل الكثير من المهاجرين الذين أغنوا ثقافة البلد الذي جاؤوا إليه بثقافتهم الأصلية، وبين منفى قسري مفاجئ وجد صاحبه نفسه هارباً إليه من الموت، مصدوماً بثقافات وممارسات لم يخطر في باله، أنه سيجد نفسه منزجّاً بينها ذات يوم، حالماً بالعودة الهانئة إلى حياته البسيطة في بلاده، حياة خالية من كل هذا الجمال الذي يصعب تحمله.