نذر عدوان إسرائيلي

نذر عدوان إسرائيلي

03 ابريل 2017
الصورة
+ الخط -
في أعقاب صدور تقرير ما يعرف باسم "مراقب الدولة" في إسرائيل، مطلع مارس/ آذار الماضي، عاد الحديث في الصحافة الإسرائيلية، وعلى ألسنة عديدين في حكومة بنيامين نتنياهو وقادة بعض أحزاب الائتلاف الحاكم، ليتجدّد بوتيرة قياسية، حول احتمال اندلاع حرب جديدة مع قطاع غزة، في موعد أقصاه صيف العام الجاري، قد تبادر إليه الذئاب الإسرائيلية الجريحة، حيث لم يعد فيه السؤال مطروحاً، حول ما إذا ستنشب جولة حرب أخرى أم لا، وإنما متى ستنشب هذه الحرب التي تتجمع نذرها المشؤومة في أفق غير بعيد؟
فبعد نحو ثلاث سنوات على آخر عدوان اسرائيلي على غزة، يبدو أن شهية قادة الدولة العبرية قد انفتحت بصورة شرهة أكثر من قبل، لتسديد الحساب الذي لم يسوّى في عدوان عام 2014 مع القطاع المحاصر الذي فاجأ الجيش الإسرائيلي، والمؤسستين: الأمنية والسياسية، برشقاتٍ صاروخيةٍ وصلت إلى حيفا، وبسلاح "حرب الأنفاق"، هذا السلاح الذي أطال أمد الحرب واحدا وخمسين يوماً، وحال دون إسرائيل وحسم الحرب لصالحها مرة أخرى، على نحو ما أشار إليه تقرير مراقب الدولة آنف الذكر.
وفيما ظلت أعين أجهزة الأمن الإسرائيلية، طوال السنوات القليلة السابقة، مفتوحة على كامل اتساعها نحو قطاع غزة، وبقيت أذرعها تعمل كل ما في وسعها استعداداً لجولة حربٍ قد تقع في كل لحظة، لم تغب تطورات الوضع في سورية، وما تنطوي عليه المجريات في البلد المستباح، عن أعين تلك الأجهزة التي ركزت أنظارها على مضاعفات المكاسب الإيرانية، إثر التدخل الروسي، بما في ذلك زيادة فعالية حضور الحرس الثوري ومليشيات حزب الله في المناطق المحاذية لهضبة الجولان المحتلة.
وعليه، كانت إسرائيل، في الآونة الأخيرة، ترصد بعين استخبارية الوضع في قطاع غزة، 
معولة على عدم رغبة حركة حماس في الانجرار إلى حرب في ظل ضائقتها السياسية والمالية، وترصد بالعين الأخرى المتغيرات السورية المتفاقمة، خصوصاً ما اتصل منها بإمدادات الأسلحة النوعية المتوجهة إلى حزب الله، وهو الأمر الذي اعتبرته إسرائيل مبرراً للقيام بعدة غارات جوية، بلغت تدمر أخيرا، وهي أكثر ما تكون اطمئناناً إلى عدم رغبة حزب الله، هو الآخر، في الانجرار وراء حرب مكلفة، في وقت يغرق فيه داخل رمال الجغرافيا السورية المتحرّكة، ويستنزف بشدة.
على الرغم من اطمئنان إسرائيل النسبي لمثل هذه الافتراضات المنطقية، سواء في الشمال أو في الجنوب، إلا أنها تدرك، في قرارة نفسها، أن هذه المعطيات هشة إلى حد بعيد، وأن البناء عليها قد يكون من قبيل خداع الذات ليس إلا، وفوق ذلك إن أي متغير غير محسوب قد يقلب حالة الهدوء المراوغ رأساً على عقب، وذلك على نحو ما دللت عليه وقائع متفرقة، جرت في غضون الأسابيع القليلة الماضية، لعل أهمها اغتيال القائد الحمساوي البارز، مازن الفقها، في قلب مدينة غزة، وما قد يؤدي إليه هذا الاغتيال من ردود فعل انتقامية، كفلية بإشعال مواجهة جديدة في غير أوانها المرغوب فيه.
على المقلب الآخر، كانت تهديدات حسن نصرالله، بضرب مفاعل ديمونا في النقب، ومستودعات أمونيا في حيفا، تحديا مفاجئا أطلقه زعيم حزب الله، في أعقاب اللغة التهديدية الخشنة المتواترة على لسان الرئيس الأميركي الجديد ضد طهران، أحسب أن إسرائيل قد أخذته على محمل الجد، وبحثته مع إدارة دونالد ترامب وراء أبواب مغلقة، بل وطرحته أيضاً على جدول أعمال آخر زيارة قام بها بنيامين نتنياهو إلى موسكو، في إطار حملة إسرائيلية نصف علنية، هدفها اختبار ردود الأفعال لدى كل من واشنطن وموسكو، إذا ما قرّرت تل أبيب شن هجوم مباشر ضد البنية التحتية للبنان.
وهكذا، تخلق الوقائع المتفرقة، والتصريحات المتطايرة من هنا وهناك، دينامية خاصة، وتكوّن قوة دفع ذاتية، ترفع درجة الحرارة تدريجياً تحت المرجل، وتطلق سياقاً مستقلاً بذاته، يفضي، في نهاية مطافٍ، قد لا يكون طويلاً، إلى نقطة تحول يرغب في تأجيلها جميع الأطراف المعنيين بها، بما في ذلك الطرف الإسرائيلي الذي لم يستكمل إقامة جدار تحت أراضٍ يحيط بقطاع غزة، ويفقد الأنفاق وظيفتها الحربية، كما أنه لم ينقل بعد مخزونات الأمونيا من حيفا إلى مطارح أكثر أمناً في الوسط أو في الجنوب.
وبحسب مصادر صحافية إسرائيلية مطلعة، زار وزير الحرب الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، واشنطن أوائل شهر مارس/ آذار، وبحث فيها مع وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، موضوع حرب يمكن أن تندلع في أي لحظة مع حزب الله، وتدارس مع المسؤولين الأميركيين توفير غطاء جوي طوال فترة الأيام الأولى لمثل هذه الحرب، التي يُخطط لها أن تكون قصيرة، وأن تجري بقدراتٍ تدميريةٍ أكثر بكثير مما حدث في حرب العام 2006، هدفها التخلص من المخزون الصاروخي الهائل المهدّد لكل المدن والمواقع الاستراتيجية في إسرائيل، ومن ثمة كسر الذراع الإيراني الطويل.
وعليه، نحن نمر بزمن أقرب ما يكون إلى وقت مستقطع، تجري فيه الاستعدادات الحربية على
قدم وساق، وتُتخذ سائر التدريبات والاحتياطات اللازمة، لتهيئة مسرح الشرق الأوسط لحرب عدوانية إسرائيلية، قد تنطلق باتجاه قطاع غزة، لتدمير شبكة الأنفاق ذات البعد الاستراتيجي، وتمديد حالة الهدنة القائمة منذ نحو ثلاث سنوات، إلى أجل آخر غير معلوم، وفوق ذلك التفرّغ لحرب من المقدر لها أن تكون أشد ضراوةً مع حزب الله، قبل أن يتخلص من ورطته في سورية.
ومع أن التقديرات المتداولة في الصحافة الإسرائيلية تتحدث عن صيف عام 2017 الجاري (الصيف هو الموعد المفضل لحروب إسرائيل) حدّا أقصى لوقوع حرب جديدة، إلا أن الأحداث غير المتوقعة، والضغوط الداخلية التي تواجهها حكومة نتنياهو على خلفية الفضائح الأخلاقية، والاهتزازات الائتلافية، قد تعجّل في انطلاق شرارة نار كبيرة، من شأنها أن تخدم حسابات إقليمية ودولية أوسع نطاقاً من حدود قطاع غزة أو جنوب لبنان، طالما أن إدارة دونالد ترامب ماضية في تشديد حملتها الكلامية، وعقوباتها الاقتصادية والمالية إزاء إيران، وهو ما يوفر أفضل فرصة مواتية لانطلاق العدوانية الإسرائيلية التي ربما بدأت تعد العد العكسي اهتبالاً لظرفٍ مناسبٍ، تطلعت إليه منذ زمن بعيد.
45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي