مَتاريسُ الشّك الأخير!

16 فبراير 2018


في القُدس - وتحديدًا في قُراها التي يشدّها الجِدارُ من عُنقها محاولًا خنقَ صَهيلِ نايها المَكتوم – تَتكوّن المَتاريسُ من آياتِ الله، وحكمة الجدّاتِ، وجرس الصّليبِ، وألم المَصلوبِ على كلماتِ سبارتكوس الأخيرة، فالمَجد للحجرِ معبودِ اليدين! تَتَكون المتاريسُ أيضًا من سعالِ الأطفال العابرينَ إلى وطنٍ كامِل التّراب، ومن خوفِ الأمّهاتِ على طفولة قلبهنّ، ومن شَعرِ الجميلاتِ في ضبابِ قنابل الغازِ، ومن لهفة اللّقاءِ، وفرحة الصّدمة الأولى، واشتعال الشّوق في ليل الغياب، كلّ هذا لا يهم، فالمَتاريس الحقيقيّة: هي شكّنا الأخير!

في الحياة تَتراوح الأشياءُ بين المَحسوس واللامحسوس، وتتداخَل كثيرًا، كأن يغدو جسَدُ الطفلة لا محسوسًا بعد اختراقِه للرّصاصة؛ ليغتالها! وكأن تطيرَ الفراشاتُ محسوسةً مِن صوتِ مقلاعِ كهلٍ ستينيّ، وفي الحياة أيضًا لم يَعد هُناك فرق بين الواقعيّة وفنتازيا الوُجود، فما نشاهِده واقعيًا اليوم لم يُخلق إلّا في أذهانِ مترفي الحُزن في إحدى اللّيالي الباردة للرواية، أو في قلبِ جوناثان عِندما صَعد إلى أنجيلا؛ الحياة الثانية المُتخيّلة في رواية أستريد ليندرجين، وفي الحياة تَختلفُ استخداماتُ الأشياء، فيصبحُ الشارعُ مكانًا لمعراجِ الشّهيد، أو قدسًا وحائِط براق، وتصبحُ حاوياتُ القمامة سدّنا المَنيع أمام خوفِ الجُنودِ من اقترابِ الموتِ الحقيقيّ من دروعِهم في (أبو ديس)، وأصبحُ أنا لا شيءَ أمامَ حجرٍ استقرّ ذاتَ مرّة في يقيني؛ استخرجه طفلٌ جاوزَ ألفَ سنةٍ مما تَعدّون، فصرتُ قلمًا.

ربّما لوهلة فقدنا يَقيننا بدولةٍ فلسطينيّة، فقدنا حُلمنا ببيارة برتقال، وبيديّ أم سعد، وبطريق الآلام، ونقلنا مفاتيحَ بيوتنا من الصّدور إلى الجدرانِ العارية، وفكّرنا كيفَ سَنرسمُ خريطة الوَطن المُمزق، ونحوّلها من خنجرٍ سهل الرّسم، إلى شوارع التفافيّة كتجاعيدِ هذه الفكرة، لكنّ شكّنا كانَ متراسَنا الأخير، كصدور الأطفال العارية، وكانَ طريقنا لليقينِ بأنّنا هنا أبدًا، فالشّكُ - كما قالَ الغزالي في المُنقذ، وديكارت في مقالة المَنهج – أوّل درجاتِ اليقين، عِندها قاومنا شكّنا بيقينِ الدّخان، وشهقة الحَجر، وحقيقة الدّفاع المشروع، فكأنّ مظفر أدرك هذا قبل سَنوات وقالَ لعبد الله الإرهابي:
"ضَع مِتراسَ الشّك أمامَ ثمالةِ أيامِكِ
والألمِ الليليّ
وخذْ حصّة حزنٍ في قلبكَ لا تَسمَع إلا دَمَك الناريّ
جنونَكَ .. زَمجرة الجرافاتِ
صراخَ قتيلٍ دونَ يَدين!"
أو صراخ (إبراهيم أبو الثّريا) بلا قَدمين يا مظفّر النّواب!