تَحديثات جَديدة لقانون سَكسونيا!

14 نوفمبر 2017
الواحِدة بعدَ منتصفِ اللّيل، السّماءُ زرقاء، والغُيومُ تشي بمطرٍ مُحتَمَل، المارّة يغطونَ وجوهَهم خوفًا مِن أشعة الشّمس الحارِقة. وأنا أجلسُ فوق كِتابٍ قديم لنيتشه متأملًا، كهندوسيّ يُمارِس طقوسَ اليوغا في مزارِ الحُسين، وأتفكّر في خلقِ السّماوات والأرض، وانبِعاثِ الأجساد، وتساقُط الأرواح، وتَناسُخ الأحلام، وأكتُب هذا الهُراء، في اللّحظة التي حُذفت مِن خيالات الكَون، وخُلقت في عقلِ ماردٍ ما.

هَل تعرفينَ كم أخطَأ قلبي، كم كانَ قربانًا لإله بعيد، كم حاكَموه مقتولًا ومنفيًا كفراغات الكَمنجة، إنّها فلسفة الظّلال التي امتدت من الزّمن السّحيق، بدأت بترنّح المتحدثين باسم الله في الأرض، من قسّموا عِبادَه على هواهُم، وفرّقوا قلوبَهم في القَبائِل، هل تَعرفين أنّ الموسيقيّ كانَ ظلًا، لم يَكن إنسانًا، كانَ قربانًا لشريفٍ أخطَأ، فقطعوا رأس الموسيقيّ، لأنّه ظل، فقتلوا الظّلال التي تَسير، وانتهكوا جلالة العَقل البَشري، ليقفَ القاتِل النّبيل ساخرًا مِن الجلادِ الذي يقطع رأسَ ظلّه عِندما يَستطيل وقتَ الغروب، في فرحِ المُغفلينَ وتصفيقِهم بتحقيقِ العَدالة، إنّه قانونُ سكسونيا الذي طبقوهُ على قلبي يا أمي حينما كُنتُ موسيقيًا.


أعتقد أنّ مصيبتنا اليوم مع مَن نصّبوا أنفسَهم مكانَ الله، فخلقوا سكسونيا مِن جديد، وقرّروا عن الله رحمَته وعذابه، وعفوه وسَخطه، ومنعوا توفيقه، واستأثروا بصوابِه، واستحوذوا على جنّته، وربطوا عفوه بعفوهم، ورضاه برضاهم، ورحمته بهواهُهم، وفسّروا آيته وفق رؤيَتهم، واستقطعوا دينه، فأخذوا ما يناسِبهم، ورموا عبادَه بالكفر، والإلحاد، والجنون، من المؤسِف جدًا أنّ الدعاة إلى الله تحوّلوا لوكلاء عنه، ووضعوه شماعَة علّقوا عليها أهواءهم وتقاعسهم، فأصبحَ العبد الذي يدعو الله تائبًا مستنصرًا يشبّه نفسه بالأنبياء، وأصبحَ التوفيق بأيديهم، والحقّ رديفُ إرادتهم، وكالوا الظلمَ بألف مكيال، وبرّروا ما لا يبرره عقلٌ بشريّ إنسانيّ، وهذا مما بلينا به جرّاء إيديولوجيات معقّدة، تتعامل بالتّقية والمُداهنة، وتبرير الخطأ، تحت عناوين عدّة منها فقه الواقع والإسلام السّياسي، فأفسدت جلالة العقل البشري.

إنّ قانونَ سكسونيا ما زالَ يعيشُ فينا، ففي كلّ يوم ظلّ جديدٌ يموت، فدًى لشخصٍ، أو فِكرة، أو هوى، في كلّ يوم أهمّ بالصّعودِ إلى السّماء لأنهي هذه المَهزلة، فتخونُني قَدَماي، ويرتدّ مني الرأسُ للأعلى لأكمِل رحلتي، فلا الريحُ دائِمة، ولا مَن قَتَل الظّلال، أفتّش عَن العدل المَسلوب في أروقة البيوت النائِية، والحكومات الناشِئة، والمَساجِد المُزخرفة بآياتِ الله، أفتّشُ عَنه في أقدامِ طفلٍ ضائِعٍ تَحتَ ركامِ القوة، وفي طفلةٍ فقدت شعرها الجميل، وفي ضحكَتي الكاذِبة التي تَرتسمُ فوقَ وجهي فيرتفعُ الرّمادُ داخِلي، فَلا أرى إلّا بلادًا تغتالُ الظّلال، وضحكًا صاخبًا في عمقِ الأرضِ، لأنْ "إبليس استراحْ"، ولا أجِد سوى النسيانَ رديفًا للبقاءْ.

لا أعتَقدُ أنّ للتاريخ سُلطة أزليّة على عقولنا تُمكنه مِن أن يُكرر نَفسه بهذه السّذاجة، لكني أجزِم أنّ عقولنا عبرت التاريخَ ولم تَتَغيّر، وأنّ الطبائِع الإنسانيّة هي ذاتُها، بصورٍ وأشكالٍ عِدة، كَم مِن الوقت نَحتاجُ كي نُدركَ حقيقة الأشياء نسبيًا؟! وكمّ الألم الذي حُقنت به النّفس البشريّة عِندما قرّر الجَميع مبدأ القوّة كأساسٍ وحيدٍ للبقاء، واستَمدوا القوّة من البطشِ الماديّ باسم الحريّة، أو الدين، كم مِن الوَقت نحتاج كي نتحمّل مسؤولياتِنا تِجاه عقولنا، وأن لا نُعيدها إلى الله مغلّفة كما هي، وأن لا نترك صُكوك الغُفران حيّة تسعى مِن جديد، وأن نقولَ لا في وجه كلّ إكليروس يطغى ويَعلو باسم الله العادِل الأعلى!

أعلمُ أنّ ما أكتُبه مضيعةٌ للوقت، ومحاولةٌ بائِسة للضحكِ على الأبجديّة، والتّنصل منّي، لكنْ لا شيءَ لديّ لأخسره، فأنا اعتدتُ الكلام المخبّأ تحتَ الكلامِ في رسائِلي التي تَصل، واعتَدتُ الصّراخَ بصمت في خزّان أبي الخيزرانْ، لكنّني يومًا ما سأدق جدرانَ كلّ شيء، بسذاجتي المَعروفة جدًا، إنْ لم ترفع (الدنيا) جَورَها، وتكفّ لسانَها، وتَتَحمّل مسؤليّتها تِجاه ما خلّفته من حرائِق.

دلالات