استِدراك طُفولي: لـ"ليلِ المؤرّخ"

05 اغسطس 2018
لستُ شاعرًا؛ فالشّعراء يعيشونَ طويلًا، وأنا لا أودّ هذا إطلاقًا، ولا أعرفُ فعلًا لماذا أصدّر هذا على أنّه تعميم، وربّما أضيفُ إليه الكُتّاب أيضًا؛ لهذا لا أراني أنجرّ بسرعة لترجمة ذاتي في أيّ نصٍ، أو شبه قصيدة، وحتّى لو جُرِرت أكادُ لا أستطيع، ومن المفارَقة أنّ أصدقاءَ كُثر يطلبون دائِمًا منّي نصوصًا لحبيباتِهم، وآبائِهم، ومناسَباتِهم، فأرسُم آنيًا مشاعرهم، وربّما أحاول أن أعيشها، إذ أحسّ أحيانًا بما يُشبه الرّعشة في الكَبد، -وللعلم فإنّ هناكَ كمًا هائِلًا من المشاعر فيه لدرجة أنّ الشّعراء لم يفرّقوا في كثير من الأحيان بينه وبين القلب، كالمعرّي، وعروة بن حزام، وعرار مثلًا-، وأحسّ أيضًا بالدّموع، وانسياب الكلام في دواخِلهم، لكنّني عندما أحاوِل أن أكتب عن نفسي تُفتقدُ الألفاظ، وتُسلَبُ الصّور، وأبدو عاجزًا كطفل يشعرُ بالألم، ولم يتعلّم الكلامَ بعد، فلا يجد سبيلًا إلّا البكاء، مع حفظِ نقاءِ الطّفل، وعدم تطابق التّشبيه، والانتباه إلى المبني للمَجهول في الأفعال التي أجهل فاعلها تمامًا.

بكلّ الأحوال هناكَ إشكاليّات كثيرة ما زالت حُلولها تبحثُ عنّي؛ فلم أعد أكلّف نفسي بالبحثِ عن شيء؛ لأنّ اعتيادَ الفقد يعني اعتيادَ الإشكاليّة، والسؤال، والعدم، والرّحيل، ويعني أيضًا فقدانًا مطلقًا للدهشة، وانتقالًا لا منطقيًا في الأحاديث، كأن أنتقل الآن مجبرًا من هذه التّساؤلات إلى الشابّ الذي قطع تفكيري قبلَ قليل وهو يبحَث في حاوية قمامة كبيرة عن أشياء صالحة للاستهلاك البَشري، وسط رام الله، رام الله التي أُجبرت أن تكونَ مدينةً شقراء كما وصفها الكُتّاب، وكانَت لقيطةً عنوةً مثل مشاعِر ثلاثة شبان يلاحِقون فتاة قبل دقائِق، مرّوا بجوار الشاب ذاتِه، الذي أجزمُ أنّه يلعَن المُدن سرًا في يديه النّظيفتينِ، وبينَ هذين المشهدين المتقاطِعين أتأرجحُ مترددًا إلى مقهى قريب؛ لأختلي بي، وأتفقّد بصمت ذاكرة المشهدِ الثالث لمئة وبضعٍ وثلاثين شهيدًا مشوا قبل قليل على رؤوسِنا، وصعدوا مكلّلين برائِحة التّراب -الدّم، والتّراب- الذاكِرة، صعدوا دونَ أن تدري يَدي التي تكتُب الآن، ودونَ أن يدري قميصي المبلول جدًا من بردِ جسدي، ودونَ أن تعلمَ حلقة الشّدة في المقهى المُجاور، والأهم أنّهم صعدوا قبلَ أن أجد فرقًا بين البطل والضّحيّة، وبينَ الأوطان والحَلبات، وبينَ حقّ الجلوس وواجِب القيام، وبينَ الوقت والتّوقيت، وقبلَ أن أتأكد من فكرتي التي تقول إنّ المطلق الوحيد في الوُجود أنّه لا يوجد شيء مطلق، لهذا يتأرجح كلّ شيء فيّ بطريقة لا توصَف، وهذا سبب كافٍ كي أبدأ الحديث بعجزي عن وَصف دواخِلي، إن كانَ هناكَ ما يجب وصفه في هذه الهشاشة، أو القوّة.


هُنا أجلس في الزاوية اليُسرى للمقهى، وأفكّر أن أقرأ الأرض الخراب لــ(ت.س. إليوت)، للمرّة العاشِرة خلال أيام، وأن أستذكره إذ يقول: "..."، ولكن كيفَ سأقتبس لونًا من لوحة لا يَسقط منها شيء، فنازَعتني المقاطع -الألوان كلّها، وهروبًا من طبولٍ إضافيّة في رأسي قررّت أن لا أستذكر، أو أذكُر منها شيئًا، فقط أنا أجلسُ بهدوء، أكتبُ هذا البؤس المشوّه، وأنتعل رأسي المعركة، وأشرب -لا أحتسي- القهوة، وأحاول الخُشوع على صوتِ نفسي الداخليّ؛ دعاءً أن لا يزدادَ الشّهداءُ شمعة أخرى، فأن نبقى في الظّلام خيرٌ من شقّ مجرى النّهر على خدّ طفل نسبيًا، وهذا يُذكّرني بالطّفولة المُفترى عَليها، فحاولت اقتِسام المَشاهِد بعد اثنين وعشرينَ عامًا من ظهور التّجاعيد في صحراءِ الفِكرة، ونهرِ الإيمان، واخضرارِ اليَقين، وألَقِ الحُلم، وجذوة الأمل:

- عندَما كُنت صغيرًا.. وقفتُ في الصّف الأوّل للمَسجد في صلاة ربّما كانت صلاة التّراويح، فنهَرني أحدُ المصلّين: "الصّغار لا يُصلونَ في الصّف الأول"، ومنذُ ذلكَ الحين وأنا أتجنّب الصلاة في مقدّمة المسجد حتّى، ودونَ أن أعرف السّبب، أمّا الآن فقد عرفتُ أنّ أرواح الأطفال تكونُ طاهرة أكثرَ مما ينبغي.

- عِندما كنتُ صغيرًا.. عدتُ إلى البيت من طريقٍ غير معبّد، وهذا كان يعني تأخرًا في الوصول، حاولتُ أن أكذب خوفًا، لكنّني لم أجد الكذب، والآن أدركتُ أنّ من يكذب هو القوي، وأنّ الضّعفاء لا يستَطيعون ذلك.

- عِندما كنتُ صغيرًا.. صَعدتُ إلى تلّة مجاورة، أراقِبُ الحافلات المارّة على قلبي -الطّفل نحوَ أريحا، تمنيتُ لو كنتُ طيرًا، والآن أنا طير، لكن لا تلّة هنا، ولا حافلات.

- عندما كنتُ صغيرًا.. كتبتُ في أحد النّصوص لمادّة الأدب: "إنّني أرتاحُ إلى المجهول"، تسمّر المدرّس مكانَه: لم أرَ أحدًا يرتاح إلى المجهول! كيفَ هذا؟ لم أستطع أن أوضّح له ذلك، لكنّني اليوم أقولُ له: "أن ترتاحَ إلى المَجهول يعني أن تُسند رأسَك إلى الهواء؛ ليصير كتفًا، وأن تفتحَ ذراعيكَ للموت، كأنّه حضن أمّك.

- عِندما كنتُ صَغيرًا.. اعتَدتُ أن أحتَفَظ بـ(رزنامةٍ) لرَمضان، وبقلمٍ جيّد، فما أن ينتَهي السّحور حتّى أشطُبَ يومًا، على اعتِبار ما سَيكون، أو ربّما كنتُ أستَعجِل انتهاءَ شهرِ تغيّر عاداتِ النّومِ، والإفطار، والصّلوات؛ كَي أضع ملابِسي بجانِبي ليلة العِيد، أحرُسها بِفكرَتي عَن الفرح، ورغبَتي بالتّألق تفوق تكبيرات العيد في رأسي، وكنتُ أستعدّ لحفلة لعبٍ-حربٍ دامية، فلم أعرف طفلًا فلسطينيًا إلّا ولعبَ بالبَنادق، واستشهد ثلاث مرّات على الأقل، وكانَ ثوريًا في جِبال قريَته -ربّما هذا السّبب الحَقيقي الذي دفعهم كي يتكلّموا باسم الوَطن عِندما كبروا، لا يُهم-، ولم أعرِف طفلًا إلّا وقاتَل قتالًا شرسًا بالسّيوف-الخَشَب، وضحكَ حتّى السّأم من إناثٍ (واثقاتٍ بفعلهنّ) يلعبنَ بالدّمى، ويُمشطنَ بأنامِلِهنّ الرّقيقة كالأمّهات شَعر الصّباح الأصفر، وكنتُ أستعدّ أيضًا لتقليدِ أبطالِ المسلسلات (السّوبرمان البَشري)، وأفكّر بحذر أيّهما أولى أن تلعبَ مِلء قلبِك، أم أن تُحافِظَ على ملابِسِك الجديدة، وكنتُ أراقِب أمّي من بعيد على أملٍ بأن تَحظى بما تَتَمنى، أو أحظى بحلوى إضافيّة حينَ تحاولُ كبحَ جماحِ الوقت، واعتيادَ المشاهِد، أمّا اليوم فقد أدركتُ أنّ العيدَ مجازٌ للأطفال، وأنّ السّيوفَ-الخشب كانت السّيوفَ الوحيدة الأكثر صِدقًا، وأنّه لا فرقَ بين البنادِق والدَمى، وأنّ البطولة المثقوبة التي حُمّلنا صورتها صغارًا أثقلت كواهِلنا عندَ وقوفِنا على حاجِز عسكريّ، أو ملامَسة جديلة دونَ قصد في زِقاقٍ مقدسيّ ضيّق، أو حتّى عندَ وقوفِنا في الطابورِ المدرسيّ؛ لتحيّة العلم، وعرفتُ أنّ انتهاء الطّفولة هو (شفاءٌ سيّء من الفَرح)، فأن تُقرّر إلقاء بندقيّتك جانبًا، يعني أنّ هذا عيدُك الأخير، سَترى الأطفالَ ما زالوا يَلعبونَ بنفس الطّريقة، وأنتَ تداري فيكَ لهفة سبابَتك للزّناد، ولهفة جسَدك للالتِحامِ بالتّراب -الذاكِرة، وبالمتاريس، واليومَ أيضًا أدركتُ أيّ معنى يمكنُ أن تتركه الحلوى الإضافيّة في قلبِ الطّفل، ربّما كانَت تخافُ أن يُصبحَ شاعرًا ويدوّن محاوَلاتِها -القِناع، أو أنّ عباءَة الغياب كانت ضيّقة قليلًا، فأمدّها الدّهر بثلاثة آلافٍ من ملائِكة مسوّمين.

- عندما كنتُ صغيرًا.. ميّزتني قدماي بالسّرعة الجيّدة، أمّا الآن فأنا ألهثُ في كِتابة نص.

- عندما كنتُ صغيرًا.. تساءَلت كيف سأبدو حينَ يبيضّ رأسي، والآن عرفتُ كيف سأبدو حينَ نبتت أوّل شعرة بيضاء، إنّها الأبيض الوَحيد في ليل الأشياء.

- عندما كنتُ صغيرًا.. تشبّثت بالزّوايا، كنتُ أحضر بعضَ الأغطية، وفرشات النّوم الاحتياطيّة وأصنعُ صومعة، وأجلس داخِلها؛ لأقرأ، فتتسع لي جدًا، أما اليوم فلا يتّسع لي كونٌ كامل من الصّوامع، والمآذن، والكتب بالية الملامح.

- عِندَما كنتُ صغيرًا.. تمنيتُ أن أحظى بلقاءِ أحد الشّعراء الذينَ كتبوا القصائِد والأناشيد في منهاجِنا المَدرسيّ، أمّا الآن فقد كَتبتُ أنشودة لمنهاجِ الصّف الرابِع، فدرسها الطّلبة، وبحثَوا لمعلّماتهم عن تاريخِ وفاتي.

- عندما كنتُ صغيرًا.. استعظمتُ أحلامي الطّفلة، واليوم أستتفهها رغمَ أنّها لم تتحقق.

- عندَما كنتُ صغيرًا.. همستُ أنّ الحياة حلم كبير، سنستيقظُ منه إذا نمنا، أمّا الآن فأنا أعتقد أنّ الحياة تلاحِقنا في النّوم.

- عندما كنتُ صغيرًا .. فكرتُ كثيرًا: متى سأكبُر؟ عندما كبرتُ قليلًا صليتُ بخشوعِ نبي: متى سأموت يا مجازات الفَناء؟