موجات تصيد سلوكيات الإسلاميين تملأ الفراغ السياسي في المغرب

16 يناير 2019
الصورة
لا فصل بين الحياة العامة والخاصة بالمغرب(أرتور ويداك/فرانس برس)
أعادت قضية نشر صور أمينة ماء العينين من دون حجاب الرأس، وهي القيادية الإسلامية في حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة في المغرب، إلى الواجهة من جديد موضوع "التربص" بسلوكيات السياسيين الشخصية في المملكة لتتحول إلى حديث الناس والصالونات السياسية في ظل حالة من الفراغ السياسي تملأه الثرثرات والشائعات والنزعات "الفضائحية".

وينقسم مراقبون ومتابعون حيال التركيز على ما يسميه البعض "فضائح الإسلاميين" إلى ثلاثة مجموعات: الأولى ذات خلفية سياسية معادية لتيار الإسلاميين تجدها فرصة مؤاتية لنهش لحمهم السياسي، وإبراز "نقاط ضعفهم"، وبالتالي خطورة مشروعهم الإيديولوجي القائم على "التقية"، بحسب التيار المعادي لكل ما يمت للإسلام السياسي بصلة.
أما المجموعة الثانية فتتابع هذه السلوكيات الشخصية أو حتى الجنسية، وتعتبر التركيز عليها في الإعلام مجرد انتقام وتشويه لتيار "الإسلام الحركي" بتسفيه قادته وبعض رموزه، وبالتالي فالأمر لا يعدو كونه نفخاً مقصوداً في هذه السلوكيات، من أجل الإضرار بالتأثير الإسلامي داخل المشهد السياسي والمجتمعي.
أما المجموعة الثالثة فترى في وجود زلات وأخطاء سلوكية لقيادات إسلامية في المملكة أمراً لا يدعو إلى الحكم ضدهم أو حتى معهم، فلا هم شياطين ولا هم ملائكة، وأنهم ينتسبون إلى مجتمع متحرك بتغيراته وتموجاته، وبالتالي فالأمر يقتصر على تصرفات فردية لا يجب أن تؤثر في الحكم على التيارات الإسلامية.



وبالعودة إلى قضية أمينة ماء العينين، القيادية والبرلمانية المنتسبة إلى حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة منذ سنة 2011، فإن الاتهامات توالت ضدها بكونها "تتاجر بالدين"، فهي عندما تكون داخل المغرب ترتدي الحجاب وتقدم المواعظ الدينية والأخلاقية، وتجعل من ذلك مرتكزاً لبرنامج حزبها السياسي، ولكنها عندما تغادر المغرب تخلع غطاء الرأس وتمارس حريتها الشخصية كما يحلو لها.
ماء العينين اعتبرت أن الأمر يتعلق بحرب سياسية ضدها لكونها باتت صوتاً مزعجاً لـ"أعداء الإصلاح الذي يباشره العدالة والتنمية" في الحكومة، مستدركة بأن "مسار النضال يجب أن يستمر بعزم وإرادة أكبر، داخل المغرب، أو خارجه، بحجاب أو من دونه، بصفة وموقع أو من دونهما، لتحقيق الديمقراطية، والحرية، والعدالة، والكرامة، وحقوق الإنسان الفردية، والجماعية".
هذه القضية لقيت صدى عارماً في الأوساط السياسية بين من وقف إلى جانب ماء العينين، وبين من انتقص من قيمتها وقيمة "المشروع السياسي" الذي يحمله حزبها الإسلامي، فالزعيمة اليسارية نبيلة منيب اتهمتها بالنفاق، وبأن "المنافقين في الدرك الأسفل من النار"، بينما دعمها رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، واعتبر أن "التعاقد" مع الحزب غير مشروط بوضع "غطاء الرأس" من عدمه.
وفي جميع الأحوال، لم تصل قضية ماء العينين إلى وقائع أخرى سبقتها من حيث الضجة وسيل الاتهامات الموجهة إلى الإسلاميين، كان أبرزها ما حصل مع قياديين في حركة التوحيد والإصلاح، التي يعتبرها البعض ذراعاً دعوية لحزب العدالة والتنمية، وهما عمر بنحماد وفاطمة النجار، عندما "ضبطهما" رجال أمن في مكان خال داخل سيارة يتحدثان، ليتبين أنهما متزوجان عرفياً، قبل أن تتفجر قضية كبيرة دامت زمناً غير قليل.
ومن تبعات قضية القياديين الإسلاميين كان تعليق عضويتهما في حركة التوحيد والإصلاح وتواريهما عن الأنظار، بعدما رفضت الحركة بشكل قاطع مسألة الزواج العرفي لعدم تماشيه مع القوانين المغربية، كما أنهما مرّا أمام قاضي التحقيقات، وكانت هذه القضية مناسبة لخصوم الإسلاميين من يساريين وعلمانيين للحديث عن تباين الأقوال والأفعال عند المنتمين إلى التيارات الإسلامية.
وركز الإعلام المغربي أيضاً بشكل لافت، ومعه حتى الإعلام الدولي، على قضية أخرى تتعلق بعلاقة وزيرين في حكومة بنكيران السابقة، وهما الوزير السابق المكلف بالعلاقات مع البرلمان الحبيب الشوباني، والوزيرة السابقة المنتدبة لدى وزير التعليم العالي سمية بنخلدون، إذ انتشرت أخبار علاقتهما العاطفية ورغبتهما في الزواج، على الرغم من أن الوزير متزوج من سيدة أخرى، لتنتهي القصة بإعفاء الوزيرين، وليتم الزواج بينهما قبل أيام.

وليس أعضاء حزب العدالة والتنمية ومعه حركة التوحيد والإصلاح وحدهم الذين تعرضوا لهذه الاتهامات والمتابعات التي تخص "الأخلاق والسلوكات"، بل كان النصيب الأوفر لجماعة العدل والإحسان، أكبر تنظيم إسلامي معارض في المملكة، من خلال اتهامات متتالية لعدد من قيادييه وأعضائه بالخيانة الزوجية وبفضائح جنسية أخرى.
أكبر المنتسبين إلى العدل والإحسان الذين سقطوا ضحية "الاتهامات الأخلاقية" قبل سنوات، كان المنشد الديني المعروف رشيد غلام، الذي تقول السلطات الأمنية إنه تم ضبطه برفقة سيدة في بيت لـ"الدعارة"، لكن غلام نفى ذلك بقوة، متهماً "المخزن" (القوى النافذة في الدولة) بالوقوف وراء ذلك لتلطيخ سمعته والإضرار بالجماعة.
وقبل غلام، تعرضت ابنة زعيم العدل والإحسان الراحل، نادية عبد السلام ياسين، لاتهامات بالخيانة الزوجية في عام 2006، من خلال نشر صور لها برفقة قيادي آخر يتجولان في شوارع أثينا اليونانية، غير أن ياسين اتهمت صراحة أجهزة الأمن بأنها فبركت الصور، وبأنها تعرضت للتشهير والقذف بسبب مواقفها ووالدها السياسية المعارضة للنظام الحاكم.
وبعد حالتي غلام وياسين، تم اتهام أعضاء وعضوات من العدل والإحسان بالخيانة الزوجية، فكان التركيز الإعلامي على هذه الحوادث الأخلاقية، وكان المعنيون يطلق سراحهم في الغالب لتنازل الزوج أو الزوجة، أو لضعف الأدلة، وهو ما كانت ترد عليه "الجماعة" باتهام الدولة بكونها تتعمد "نسف الرأسمال المعنوي والرمزي الذي تكسبه لدى المغاربة".
ولم يسلم السلفيون من هذه الاتهامات ذات الطابع "الأخلاقي"، حيث يقبع أحد السلفيين المعروفين في مجال الدفاع عن حقوق المعتقلين الإسلاميين في السجن حالياً بتهمة الخيانة الزوجية. كما نال الشيخ السلفي المشهور محمد الفزازي نصيبه من الاتهامات بعدما تفجرت قضية زواجه العرفي (غير القانوني) من شابة تصغره بسنوات.
ويرى مراقبون أن "الاتهامات الأخلاقية" التي باتت توجه كثيراً إلى الإسلاميين بمختلف مشاربهم تكاد تشبه تلك التي كان يتعرض لها اليساريون في سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وكان فحواها اتهامات تتعلق بالدين، حيث كانوا يُصورون على أنهم "شيوعيون" و"ملحدون"، وذلك بهدف ضرب قاعدة الثقة في مشروعهم السياسي انطلاقاً من التشكيك في أخلاقهم وسلوكياتهم وخلفياتهم الدينية والعقدية، بالنظر إلى الحرب التي كانت تدور رحاها حينئذ بين الدولة والقوى اليسارية التي كانت تنشد إصلاحات سياسية لم يكن تقبلها السلطات وقتها.

دلالات