منصات المشاهدة تتصارع على المستقبل

01 اغسطس 2020
الصورة
كان "هاوس أوف كاردز" أول إنتاجات "نتفليكس" الأصلية "إيما ماكإنتاير/Getty)

لوقتٍ من الزمن، استفادت "نتفليكس" بريادتها في كونها منصّة مُشاهدة إلكترونية للأفلام والمسلسلات عبر الإنترنت، قبل أن تدرك شركات إنتاج وإلكترونيات وقنوات تلفزيونية، كـ"ديزني" و"أمازون" و"إتش بي أو" وحتى شركة "آبل"، لاحقاً، الحجم الضخم للسوق في هذا المجال، ومليارات الدولارات الأميركية المحتَمل كسبها بفضلها.

منذ ذلك الحين، بدأ صراع كبير على المستقبل: شبكات ومنصّات مختلفة تحاول جذب "المستهلك" بموادها البصرية. كيف بدأ هذا كلّه؟ وكيف تأثّر بوباء كورونا الذي فرض على الناس في العالم التزام الحجر المنزلي، والبقاء فترات طويلة أمام التلفاز؟ وكيف سيكون شكل الأفلام والمسلسلات، وعادات المُشاهدة، في المستقبل القريب؟

بداية بأربعين دولاراً كأفكار كثيرة ناجحة في تاريخ البشرية كانت فكرة "منصّات المُشاهدة عبر الإنترنت" ستحدث في الأحوال كلّها. لكنّ الصدفة وحدها جعلت "نتفليكس" رائدة في هذا المجال، مع تنبّه ريد هاستنغز، عام 1997 إلى فكرة كهذه، إثر استئجاره شريط "دي في دي" لفيلمٍ ما من شركة مشهورة حينها، اسمها "بلوكباستر" Blockbuster، وتأخّره في إعادة القرص في الوقت المحدّد، ما أدّى إلى فرض غرامة عليه، قيمتها 40 دولاراً أميركياً، تتجاوز أضعاف البدل المالي للتأجير. حينها، خطرت في باله فكرة موقع إلكتروني، يؤجِّر أقراصاً وشرائط فيديو عبر الإنترنت، وإيصالها للمستخدم بالبريد. بعد ذلك، تطوّر الأمر إلى اشتراك شهري يسمح باستئجار عدد غير محدود من الأفلام. واستمرّ هذا 10 أعوام كاملة، قبل أن يتّخذ مجلس إدارتها، عام 2007، قراراً ثورياً تمثّل ببدء خدمة البثّ الرقمي.

منظور الشركة حينها تعلّق بالارتفاع المتزايد لسرعة الإنترنت، وبأنّ الجيل الجديد سيُفضّل السرعة والإتاحة بدلاً من العملية المعقّدة للاستئجار، مع رهانٍ أثبت سريعاً نجاحه: هذا هو مستقبل المُشاهدة.

 لم تواجه "نتفليكس" في تلك اللحظة أيّ منافسة من شبكات أخرى. كانت شركات الإنتاج تتيح لها حقوق عرض أفلامها بمبالغ زهيدة (600 مليون دولار أميركي مقابل الحصول على أكثر من ألف فيلم ومسلسل للعرض عام 2008، بحسب موقع فوربس)، ما رفع عدد المستخدمين، بداية عام 2008، من 7 ملايين ونصف مليون فقط، إلى 26 مليوناً و253 ألفاً عام 2011، بحسب الموقع الإحصائيّ "ستاتيستا"، باشتراك شهري يبلغ 15 دولاراً أميركياً للمستخدم الواحد، ما يعني أكثر من 4 مليارات دولار أميركي حصيلة اشتراك سنوي، وهذا نجاح استثنائي أكبر من المتوقّع.

انطلاق السباق التطوّر التكنولوجي المتسارع، إلى جانب النجاح الكبير لـ"نتفليكس"، دَفع شركات أخرى إلى الدخول في مجال المُشاهدة الإلكترونية. عام 2011، بدأت منصّة "هولو" التي تقف وراءها شركات إنتاج كبرى، كـ"ديزني" و"فوكس"، ما يؤمِّن لها محتوى جيّداً للغاية؛ وعام 2012، أطلقت شركة "أمازون" خدمتها"أمازون برايم" للمُشاهدة عبر الإنترنت، بدلاً من شراء المحتوى أو استئجاره.

تلك اللحظة كانت مؤثّرة، مع إدراك "نتفليكس" أنّها لن تستطيع منافسة تلك الكيانات العملاقة على حقوق البثّ، وأنّ المستقبل القريب سيجعل كلّ شركة إنتاج كبرى تؤسّس منصّتها الخاصة، أو تدخل في شراكة مع منصّات بديلة، فكانت الخطوة الثورية الثانية: إنتاج محتوى أصلي للشبكة، بدلاً من شراء الحقوق. تلك الخطوة بدأت بـ100 مليون دولار أميركي كميزانية لإنتاج مسلسلها الأول "هاوس أوف كاردز"  House Of Cards، متعاونةً مع ديفيد فينشر كمخرج له، ومع كيفين سبيسي، الممثل الحاصل على جائزتي "أوسكار".

خطوة غيّرت شكل المُشاهدة وتاريخ التلفزيون، تبعتها مئات الأعمال كـ"محتوى أصلي"، أفلاماً ومسلسلات، فاتحة بذلك سوقاً عالمية وإنتاج محتوى في العالم كلّه، إنْ بشراء حقوق أعمال ناجحة في بلدانها، كـ"بلاك ميرور" Black Mirror  و"لا كازا دي بابيل" La Casa De Papel، أو باستثمار إنتاجي في تلك البلدان. خطّة ناجحة، ظلّت سابقة، بخطوات عدّة، المنصّات التي تُشبهها.

في الوقت نفسه، بدأ يزداد عدد منصّات المُشاهدة: شركة "آبل" الإلكترونية دخلت المجال بمنصّة "آبل تي في"، في سبتمبر/ أيلول 2019؛ وأنشأت "ديزني" منصّتها الخاصة باسم "ديزني بلاس" في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2019، والشبكة التلفزيونية "إتش بي أو"، المشهورة والناجحة، أطلقت"إتش بي أو ماكس" في 27 مايو/ أيار الماضي. كلّ شبكة تحاول جذب المستخدم إما بالحجم الضخم للمحتوى الذي تملكه الشركة المؤسِّسة أساساً ("ديزني" و"أمازون برايم" و"إتش بي أو ماكس")، أو بمحتوى حصري خاص ومميّز ("نتفليكس" تحديداً، و"آبل تي في" بأعمالها الأصلية)، وهذا بسعر متواضع للخدمة، قياساً بالخدمات الأخرى (الاشتراك الشهري في "آبل" يساوي 5 دولارات أميركية، مقابل 15 دولاراً أميركياً كاشتراكٍ شهري في "إتش بي أو").

 عشرات ملايين المشتركين مع بداية العام الحالي، وفي ظلّ العزل المنزلي الإجباري الذي فرضته غالبيّة دول العالم كإجراء وقائي من فيروس كورونا، ظهرت منصّات المُشاهدة كأكثر القطاعات والشركات المستفيدة، باعتبارها وسيلة الترفيه الأنسب. فبحسب "ستاتيستا" ومجلة "فوربس"، ارتفع عدد مستخدمي "نتفليكس"، في النصف الأول من عام 2020، من 167 مليون مشترك إلى 192 مليوناً، أي أنّ هناك 25 مليون مشترك جديد في 6 أشهر فقط. رقم يُمكن إدراك ضخامته قياساً بارتفاع عدد مستخدمي الشبكة إلى 28 مليوناً عام 2019.

المنصّات الأخرى زاد عدد مستخدميها أيضاً. استفادت "ديزني" من هذا، نظراً إلى أنّ معظم محتواها مناسب للأطفال وجاذب للأسر، فارتفع عدد مستخدميها، في مارس/ آذار وإبريل/ نيسان الماضيين من 33 مليون مستخدم إلى 50 مليوناً، وإلى 54 مليوناً و60 ألف مستخدم في مايو/ أيار الماضي. أما "هولو"، فارتفع عدد مستخدميها من 52 مليوناً إلى 67 مليوناً في الأشهر الـ6 الأخيرة، وعدد مستخدمي "آبل" من 18 مليوناً (بداية العام الحالي) إلى 33 مليوناً.

لكنْ، بعيداً عن الاستفادة الآنيّة من عدد المستخدمين، فإن شركات سينمائية كثيرة بدأت التفكير في احتمال عرض أفلامها في العامين المقبلين عبر منصّات مُشاهدة إلكترونية، بدلاً من المخاطرة بعرضها السينمائي، وإمكانية فشلها التجاري.

فعرض الفيلم حصرياً ومباشرةً على منصّة ما، يختلف تماماً عن إطلاقه بعد العرض السينمائي المعتاد، وعدم تحقيقه إيرادات جيّدة. وبسبب الخوف من التجمّع في أماكن مغلقة، كصالات السينما، والخوف المُضاعف من احتمال وجود موجة ثانية من كورونا، وتكوين أناس كثيرين، في الأشهر الماضية، عادات مُشاهدة مختلفة عن السابق، يبدو تأثير الحاضر على مستقبل السينما حتمياً، وإنْ لم تظهر تفاصيله وأبعاده كلّها في هذه اللحظة، نظراً إلى متغيّرات عدّة لها علاقة بالمزاج العام، وبوجود "مصل مضاد للفيروس" سريعاً، ما يُطمئن المُشاهدين إزاء صالات السينما المغلقة؛ أو قرارات شركات الإنتاج السينمائي، القاضية بتخفيف خسائرها، والاختيار بين تأجيل العرض سينمائياً أو بيع منتوجها لشبكات محدّدة. الأمور كلّها ستتداخل في ما بينها لصنع مستقبل لا نعرفه. لكنّ المؤكّد أنّ منصّات المُشاهدة ستستفيد من هذا، وستتصارع عليه لجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين.