الدراما العربية ومنصات المشاهدة: قالب الثلاثين حلقة ليس حتمياً

01 اغسطس 2020
الصورة
آسر ياسين في "صاحب المقام" الذي بدأ عرضه على منصة "شاهد" (تويتر)

إذا كانت منصّات المُشاهدة في الغرب شكلاً جديداً للإنتاج والعرض، له مميزات وسلبيات في تأثيره على السينما والتلفزيون، فإنّ الوضع في المنطقة العربية مختلف تماماً، لأنّ منصّات المشاهدة الجديدة أشبه بحجر ضخم يُلقى في بحيرة راكِدة جداً وثابتة تماماً في ما يخصّ السينما والتلفزيون.

وتالياً، فإنّ هذا الحراك مليء بمميّزات واضحة ومباشرة، ربما تؤدّي إلى تطوّر في المستوى أو لا. لكنّ المؤكّد أنّ الرهان على الحركة أفضل من الركود. مع كثرة منصّات المُشاهدة في الفترة الأخيرة، إنْ تكن عالمية تُنتج أعمالاً باللغة العربية كـ"نتفليكس"، أو موجّهة مباشرةً إلى الجمهور العربي كـ"شاهد" وVIU وOSN، فإنّ تغيّرات ملحوظة تحدث في شكل الإنتاج والمحتوى نفسه.

استقرّ شكل الإنتاج التلفزيوني، في المنطقة العربية عموماً وفي مصر خصوصاً، على قالب الـ30 حلقة لكلّ مسلسل، لكون شهر رمضان هو الموسم الأهمّ الذي تحظى فيه المسلسلات بنسب مُشاهدة أعلى، بسبب عادات وأوقاتٍ محدّدة، ترتبط بالصيام. هذا القالب الثلاثيني لم يمنع بدايةً تحقيق إنتاجاتٍ قيّمة، تُحضّر في وقتٍ طويل وبعناية وإدراك للشخصيات والأحداث التي تحتمل نحو 16 ساعة درامية. لكنْ، مع الوقت، ومع انتشار القنوات الفضائية، ورغبة كلّ قناة في عرض مسلسلات حصرية، بات الأمر نمطاً إنتاجياً كارثياً: يُكتب المسلسل ويُحضّر ويُصوّر بين 6 و7 أشهر، ويستمرّ العمل لغاية 29 رمضان لإنهائه. الأهمّ من ذلك، وبسبب كثرة الأعمال المعروضة (أحياناً، تبلغ 50 عملاً)، يرغب الصنّاع في جذب المتفرّجين بأحداثٍ سريعة وكبيرة في الحلقة الأولى، لتوريطه في متابعة العمل، فتكثر مسلسلات الإثارة والألغاز وجرائم القتل التي يُبحث فيها عن الجاني منذ البداية، وتمرّ الأحداث بمطّ وشدّ وملل قبل بلوغ آخر حلقة.

هكذا، لم تعد الجودة أو القيمة أو أي شيء آخر مهمّاً، فالمهمّ عدد الإعلانات ونسب المُشاهدة. بهذا المنظور، يُمكن لمنصّات المُشاهدة تحرير صناعة المسلسلات في جوانب كثيرة: أولاً: قالب الـ30 حلقة ليس مُقرّراً، إذْ يُمكن إنتاج مسلسلات قصيرة بطابعٍ سينمائي، كـ"في كلّ أسبوع يوم جمعة" لمحمد شاكر خضير الذي أنتجته منصّة "شاهِد" في 10 حلقات وعرضته مطلع 2020، و"ليه لأ" لمريم أبو عوف، للمنصّة نفسها (15 حلقة)، و"زودياك" لمحمود كامل، الذي أنتجته منصّة VIU عام 2019 في 15 حلقة، و"ما وراء الطبيعة" لعمرو سلامة الذي تُنتجه حالياً "نتفليكس" بـ6 حلقات طويلة ستُعرض أواخر العام الحالي.

ثانياً: بسبب عدم الارتباط بموعد عرض محدد في شهر رمضان، تملك الأعمال مساحة وقت للتحضير والتصوير. فمن غير المحتمل مع منصّات المُشاهدة أنْ تُصوّر مَشاهد لعرضها في اليوم التالي مباشرة، كما يحدث في مسلسلات رمضان. ثالثاً: ليس ضرورياً أنْ يبدأ المسلسل بجريمة قتل أو لغز خطفٍ يُبحث عن حلّ له، فشكل العرض في المنصّات يُحرّر السرد التلفزيوني من هذا الضغط، إلّا إذا كان هذا قرار صانعه. رابعاً: تحاول المنصّات إنتاج محتواها الخاص بكثافة، وفي فئات مختلفة من حجم الإنتاج: أعمال عالية الكلفة وأخرى متوسطة أو قليلة. تنوّع يمنح الفرصة لكتّاب ومخرجين وممثلين جدد لتقديم أعمالهم، بضغوطٍ وتحكّمات أقلّ مما يحدث في الإنتاج التلفزيوني التقليدي.

لذا، فإنّ الرهان على تأثير إيجابي للمنصّات على صناعة المسلسلات التلفزيونية عربياً منطقيٌّ للغاية.

ماذا عن السينما؟  شكل التوزيع في السينما أمر الأفلام أعْقَد بقليل، لأن الأساس يكمن في صنعها لعرضها على شاشة كبيرة في قاعة مُغلقة، والتنازل عن تجربة المُشاهدة هذه يُقلِّل قيمة الفيلم نسبياً. الأمر خاضع لسوقٍ تتحكّم فيها كيانات إنتاجية محدودة في المُنتَج والمعروض. مع ذلك، فإنّ وجود منصّات مختلفة يُعدّ حراكاً نسبياً في صناعة السينما. ففي مصر، باعتبارها الصناعة السينمائية الأكبر جماهيرياً، هناك شكلٌ محدّد للسوق التجارية في الأعوام الأخيرة، يعتمد أولاً على النجوم والإنتاجات الكبيرة: إنتاج فيلم بـ60 مليون جنيه مصري، مع أحمد عز أو كريم عبد العزيز، يهدف إلى تحقيق إيرادات لا تقلّ عن 100 مليون جنيه مصري. طبعاً، ينتمي الفيلم إلى نوع محدّد: "أكشن" أو ألغاز أو إثارة أو رعب، لأنّها الأكثر جماهيرية.

بناء على هذا التقسيم، لم تعد هناك مساحة لأنواع أخرى وتجارب جديدة. فالسوق صارت استقطابيّة بشدّة، ويندر وجود فيلمٍ دراميّ أو رومانسي، ويصعب أنْ يخاطر منتج بإنتاج فيلم متوسّط الكلفة (بين 15 و20 مليون جنيه مصري) لمعرفته بأنّه سيخسر.

ماذا ستفعل المنصّات في سوقٍ كهذه؟ هل ستنتج بنفسها؟ كلا. لكنْ ما يحدث هو الرغبة في شراء عدد أكبر من الأفلام بأسعارٍ جيدة، والتنافس على نيل أفلامٍ بشكل حصري. والمنافسة قائمة بين OSN و"نتفليكس" و"شاهِد". لذا، يشعر المُنتج أو صانع الفيلم بأنّه لن يخسر غالباً في إنتاج فيلمه، مع وجود وسيلة عرض تؤمّن جانباً من الإنتاج. هذا مفيدٌ جداً لصنّاع السينما المستقلة في مصر، فأفلام كـ"ورد مسموم" لأحمد فوزي صالح، و"ليل/ خارجي" لأحمد عبد الله، و"بعلم الوصول" لهشام صقر (كلّها مُنتَجَة عام 2019)، لم تنل مُشاهدة جيدة في عرضها السينمائي، لكنّ إتاحتها على منصّات جعلها تُشاهَد أكثر، إلى جانب تعويض جزء من إنتاجها.

وقد شهدنا أخيراً تجربة جديدة في السوق العربية، مع عرض "صاحب المقام" لمحمد جمال العدل (تمثيل يسرا وآسر ياسين، إنتاج شركة السبكي) على منصّة "شاهِد" مباشرةً وحصرياً، وقبل عرضه السينمائي. قرار متعلّق بكورونا، وسعة السينمات وإقبال الجمهور عليها. وفي حال نجاح التجربة، والقدرة على الحدّ من تسريب الفيلم في مواقع القرصنة، ستُغيّر المنصّات شكل الصناعة السينمائية مستقبلاً.