أبيض يتحدث بلسان أسود

10 يوليو 2020
الصورة
كريستين بيل تترك أداء شخصية مولي تيلرامان التي تؤديها في مسلسل "سينترال بارك" (ديف

أثير الجدل مؤخراً حين أعلنت الممثلة الأميركية، جيني سلايت، التي تؤدي شخصية "ميسي فورمان" في مسلسل "الفم الكبير" (نتفليكس) استقالتها. وبالرغم من أنها ممثلة بيضاء البشرة، وتؤدي دور ممثلة مختلطة العرق، لكن ذلك لا يعني أن الأمر لم يترك المشاهدين أمام الكثير من إشارات الاستفهام.

قبل الخوض في الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أن تقليد أصوات أصحاب البشرة الداكنة أو أسلوب كلامهم يعتبر إهانة عنصريّة، لا تمر ببساطة، خصوصاً أنها تستدعي تاريخاً عنصرياً مشابهاً لذاك المرتبط بالوجه الأسود. الحالة الأشهر عن هذه المفارقة تعود لنهاية الأربعينيات، حين قام فريمان غوسدون وتشارلز كارول بالانتقال من الراديو إلى التلفاز، ببرنامجهما "أموس وآندي". الإشكالية أن غودسون وكارول أبيضان، والشخصيات التي يؤديانها سوداء، وبسبب عدم وجود ممثلين صوتيين يأخذان محلهما، قاما بالتعاقد مع ممثلين سود البشرة يؤدون أمام الكاميرا، بينما يقومان هما بدبلجة الأصوات.

 

لم يثر الأمر حينها إشكاليات، لكنه ما زال غريباً كونه يراهن على التقليد الكوميدي، الصيغة العنصرية التي صبغت أداء البيض للشخصيات السوداء، سواء صوتاً أو جسداً.

الآن عاد الموضوع للظهور، مع استقالة سلايت. وتكرر ذات الأمر مع الممثلة كريستين بيل التي قررت أيضاً أن تترك أداء شخصية مولي تيلرامان التي تؤديها في مسلسل "سنترال بارك"، كما قرر الممثل الأبيض مايك هنري ترك مسلسل "فاميلي غاي" الذي يؤدي فيه صوت "كليفلاند" صديق بيتري غريفن الأسود.

ما زال هذا الجدل في بدايته، بصورة أخرى، لم يصبح فضيحة، خصوصاً أن العنصرية المرتبطة بأفلام ومسلسلات الكرتون عادة تشير إلى الشكل واللون وطبيعة الشخصيات، لا الصوت نفسه، إذ يتم الحديث عادة عن الحكاية وأسلوب التمثيل في الحكايات المتخيلة، كأن نرى في أفلام ديزني، حيث الأميرة السوداء الوحيدة "تيانا" في فيلم "الأميرة والضفدع" (2009) تقضي نصف الفيلم كضفدع لا كبشري.

ما زال الموضوع غير واضح بدقة. نعم تقليد أسلوب الكلام أمر عنصري، بل وتتم السخرية منه دوماً من قبل الملونين أنفسهم، بوصفه محاولة للإضحاك، أو الدخول في الثقافة السوداء. في ذات الوقت الصوت نفسه لا يمكن الحكم على "لونه"، ما يعني أن الأمر يرتبط باللهجة وأسلوب الحديث وكيفية نطق الجمل، لكن الموضوع لا يرتبط بمهارة التقليد أو القدرة على ابتداع صوت ما، بل بوسم الملونين بأسلوب محدد من الكلام المضحك أو المليء بالأخطاء اللغوية، وهو ما يعتبر أمراً شديد العنصريّة، ومغلوطاً.

تقول بعض النكات إن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يتحدث بصوت "أبيض"، بالتالي الحكم على الأسلوب أو الصوت يبدو أمراً عبثياً يختلط فيه الجد مع المزاح. لكن ما تطرحه هذه الإشكالية يرتبط بالبنية الاقتصادية والثقافيّة، التي لا توظف أو تبحث عن مواهب ملونة لتؤدي الأدوار الكرتونيّة، ما يعني أن هناك عدم تكافؤ وتمييزاً قائماً على أساس العرق والرغبة بتخيل صوت محدد للـ"أسود"، يندر الوصول إليه، ما يعني أيضاً أننا أمام صوت متخيل من ابتداع الإدراك الأبيض للآخر الملون. لكن، أليست الرسوم المتحركة أسلوباً لتجاوز اللحم والعرق والجسد نحو مساحة مختلفة؟ قد يبدو السؤال ساذجاً حين يتعلق الأمر بشخصيات كرتونية بشريّة، لكن إن كنا أمام كائنات متخيلّة لا تشبه البشر، ألا يثار ذات السؤال، ويربط الصوت وأسلوب الكلام بلون الممثل الصوتي ثم بالشخصية التي يؤدّيها؟

 

الإشارة إلى هذا الاختلاف في التمثيل - representation ليس إلا إشارة إلى البنية المؤسساتية الثقافيّة، والتي تتحكم بالإنتاج وبالفاعلين ضمن هذه البنية، أي ليس إلا علامة بسيطة على التمييز العنصري الهرمي، الذي يتركنا أمام غياب للممثلين الصوتيين السود القادرين على تأدية أصوات الشخصيات التي تحمل لونهم أو خصائصهم الثقافيّة. ذات الأمر حدث في الأربعينيات، حيث صرّح تشارلز كارول بأنه لم يجد ممثلين قادرين على أداء الشخصيات السوداء جسداً وصوتاً، وهذا ما يبدو ساذجاً، بل ويحمل بصمات العنصرية إن قيل في زمننا هذا.