منال عبد الصمد (حسين بيضون)
10 اغسطس 2020

يوم أمس الأحد، استقالت وزيرة الإعلام اللبنانية منال عبد الصمد، ببيانٍ أشبه بورقة نعوة، قالت إنها "نقطة اللاعودة". وأضافت أن "الشعب جائع والاقتصاد منهار والأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية إلى تصاعد. أهلنا وأولادنا وأقاربنا وأصدقاؤنا منكوبون، مشردون، يسكنهم الحزن واليأس والإحباط. في هذه اللحظة المصيرية لا يمكننا إلا الوقوف وقفة وطنية مشرّفة إلى جانبهم". ثم قدّمت عبد الصمد اعتذارها "من اللبنانيين الذين لم نتمكن من تلبية طموحاتهم وتطلعاتهم بسبب صعوبة التحديات التي واجهتنا". ثم دافعت عن الحكومة ورئيسها، مرةً أخيرة، قائلةً: "لقد عملتُ جاهدة مع زملائي في مجلس الوزراء وبتوجيه من رئيس الحكومة الذي كان يتابع الملفات بأدق التفاصيل بحكمة وهدوء لتلبية المطالب الشعبية لا سيما تلك التي رفعتها ثورة 17 تشرين، لكن التغيير بقي بعيد المنال". علماً أنّ انتفاضة 17 تشرين التي تتحدث عنها قالت "لا ثقة" لحكومة حسان دياب. أكملت عبد الصمد التي كانت ترتدي الأسود وتقرأ بيانها بهدوء: "بما أن الواقع لا يطابق الطموح الذي نسعى إليه وبعد هول الكارثة الناجمة عن زلزال بيروت الذي هزّ كيان الوطن وأدمى القلوب والعقول، وانحناءً أمام أرواح الشهداء وآلام الجرحى والمفقودين والمشرّدين، وتجاوباً مع الإرادة الشعبية في التغيير، أتقدم باستقالتي من الحكومة، متمنيةً لوطننا الحبيب لبنان استعادة عافيته بأسرع وقت ممكن، وسلوك طريق الوحدة والاستقرار والازدهار". ازدهار ووحدة واستقرار يبدو لبنان أبعد ما يكون عنهما اليوم، مع انهيار اقتصادي يعصف بالبلد، تزامناً مع تفشي كورونا، وتفجير مرفأ بيروت الذي أوقع 158 قتيلاً وأكثر من 5 آلاف جريح، كما شرّد 300 ألف شخص.


تلك الكلمات ليست سوى جزءٍ من "شو إعلامي" دأبت عبدالصمد على تأديته منذ تعيينها. الوزيرة "الجميلة والمهضومة"، التي تتبادل مع الصحافيين النكات والضحك والتبريرات الغريبة لممارسات مشينة للسلطة، قضت فترة ثمانية أشهر في وزارة الإعلام (والتي كان هناك توجّه لإلغائها في لبنان) كرّست فيها التضييق على الحريات والتساهل مع الانتهاكات ضدّ العاملين في المجال الإعلامي، كما التطبيع مع العسكرة. لعبت كلمات عبد الصمد الأخيرة كوزيرة للإعلام على مشاعر الوطنية الغائبة عن السلطة اللبنانية، تحديداً في ملف إدارة الكوارث، إثر مجزرة المرفأ، وهو ما بدا أنّه نجح في استقطاب بعض التعاطف، في التعليقات على استقالتها، على مواقع التواصل الاجتماعي. قالت عبد الصمد إنّها تتجاوب مع الرغبة الشعبية بالتغيير، بعد أشهرٍ على اعتبار اعتراضات المواطنين "حملات مغرضة وأخبار كاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي". وهي التي ردّت على سؤال صحافي في نهاية إبريل/نيسان الماضي، معتبرةً أنّ "الوضع سيئ جداً في الشارع وخرج عن إطار المطالب المحقة مع دخول مندسين (إلى التظاهرات)". 

لكنّ تلك الكلمات كانت ضروريةً لترافق مشهد القفز من مركب غارق، هو لبنان، في ظلّ غضب شعبي كبير وخلط أوراق في المشهد السياسي، واستقالاتٍ عدة لنواب ووزراء، من دون أن تنسى تأدية دورها الأبرز، كونها المتحدثة باسم الحكومة، والمدافعة البارزة عن رئيسها حسان دياب. 
ساهمت عبد الصمد خلال 8 أشهر فقط بإرساء نهج عسكرة الحريات في لبنان. دخلت الوزارة في ظلّ أزمة، لكنّها تغادرها في ظلّ أزماتٍ متعددة، ضرب الحريات الفردية من بين أبرزها. بدأت مشوارها باجتماع مع صحافيين فيما وقف عنصران أمنيان وراءها. بعد تعيينها بشهرين، أعلنت إطلاق حملة مع مديرية التوجيه في الجيش اللبناني لتوعية المواطنين على مخاطر فيروس كورونا الذي كان يتفشى حول العالم حينها. تضمّنت الحملة مقاطع فيديو لإرشادات وتوجيهات، لكنّها انطوت أيضاً على لوم المواطنين على تفشي جائحة عالمية، عبر استخدام تعابير كـ"استهتارك"، فيما بعضهم لا يملك أجهزةً ذكية يشاهد من خلالها الفيديوهات. وعلى الشاشات، كان ذلك النهج يتكرّس حينها، خصوصاً من خلال مقدمات نشرات الأخبار المسائيّة، والتي عمدت إلى تأديب المواطنين وشتمهم. 


في مايو/أيار الماضي، شدّدت على المحافظة على حقوق الإعلامي من خلال شقين: "الأول ضمان ممارسته لعمله بحرية مع الأخذ في الاعتبار عدم التسبّب بالإساءة إلى الأمن القومي أو المسّ بالكرامات، والثاني المالي بتقديم الحوافز له وللوسائل الإعلامية للنهوض بالعمل"، مستعيدةً تلك الشمّاعة لاتباع سياسة "تهدف أوّلاً وأخيراً إلى الترهيب والإخضاع وقمع الحرّيات بطرق وأساليب مختلفة"، حسبما قالت رسالة وجّهتها لها مؤسسات تعنى بالإعلام والحريات، بينها "مهارات" و"سكايز" و"ألف".
جمعت الوزيرة المستقيلة من حولها "ديناصورات" الوصاية، وبينهم مالكو مؤسسات إعلامية ونقباء ومسؤولو هيئات رقابية على الإعلام، وحضّرت معهم، ومع عدد مختار من الصحافيين، نقاشاتٍ حول الإعلام الإلكتروني وقوننته، ما تضمّن تضييقاً على حريّته. كما عدّلت لجنة منبثقة عن الوزارة، اقتراح قانون الإعلام، والذي يقيّد الحريات الصحافية ويغلّظ العقوبات، ونشرت نسختها الجديدة التي تضمّنت فرض وصايةٍ من نقابات إعلامية، بينها نقابة المحررين، على الانخراط في العمل الإعلامي، وهي النقابات التي لا تفتح جداولها لانضمام الصحافيين، كما لا تكترث كثيراً للانتهاكات ضدّهم. إلا أنّ "حلقةً حوارية" تضم هؤلاء، ألغيت، في يوليو/تموز الماضي، بسبب كورونا. كما عقدت مؤتمرات عدة لمناقشة قضايا إعلامية، بينها الأخبار الزائفة، لتعتبر أنّ "أفضل خطة لمواجهة الأخبار الكاذبة هي بث الأخبار الصحيحة". وخلال المؤتمر، قالت إنّ "الحكومة جاءت للعمل بشكل إصلاحي وموضوعي ومهني، ولكن للأسف هناك تعتيم على الأمور الإيجابية، ورئيس الحكومة يتعرض لحملة شائعات وهجوم رغم أنه يعمل لمصلحة البلد".


وفي فترة تكثّفت خلالها الاعتداءات على العاملين في المجال الإعلامي، أرست عبد الصمد التساهل مع الصرف التعسفي والجماعي، وقمع الصحافيين ومنعهم من أداء عملهم. عانى المتعاقدون في الوكالة الوطنية للإعلام من عدم صرف مستحقاتهم على عهدها، كما لم تطلّ أو تردّ على الصحافيين الذين احتجّوا أمام وزارة الإعلام، رافضين القمع الذي يتعرّضون له، تحديداً مع ارتفاع الاستدعاءات والضرب والانتهاكات بحقهم. بل برّرت، في يوليو/تموز الماضي، تصرّف مخابرات الجيش الذي اعترض عمل صحافيين كانوا يستصرحون مواطنين في شارع الحمرا، وإعلان مديرية التوجيه المفاجئ أنّه بات يتوجّب على كل صحافي في لبنان الحصول على ترخيص مسبق للتصوير، خصوصاً في بيروت والجنوب. 
لكنّ الإرث "الأبرز" للوزيرة يبقى في تغريدةٍ أعلنت فيها اكتشافها مصاعب اللبنانيين الاقتصادية، وتحديداً موضوع غلاء الأسعار، في يونيو/حزيران الماضي، أي بعد حوالى 8 أشهر على استفحال الأزمة الاقتصادية، وشهرين على الانخفاض الكبير لقيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار. كتبت عبد الصمد على "تويتر" حينها: "بالأشهر الماضية شغلي لساعات متأخرة حرمني أنزل للسوق. مبارح المسا نزلت للشارع. حكيت مع الناس. تضايقت لأن بيعزّ عليي شعب كريم يصير فيه هيك. الأسعار نار والشعب جوعان. بعض الناس فقدت الثقة فينا بسبب ممارسات عهود سابقة. بعتذر منهم. عم بحاول قدر استطاعتي بوزارتي، ورح كون صوتهم بالمجلس".


أحدثت التغريدة دهشة هائلة في الشارع اللبناني، فالوزيرة في حكومة "اختصاصيين" التي أتت لـ"حل الأزمة"، لا تعرف عمق المشكلة. لكنّ منال عبد الصمد لم توقف "الشو الإعلامي"، فأطلّت في حلقة مع الإعلامي طوني خليفة لتبكي على الهواء، بينما كانت تجول في الشارع اللبناني، مكتشفةً عذابات مواطنيه على الهواء مباشرةً...