معسكرات الحشد الشعبي... واجهة إيرانية لمراقبة المحافظات العراقية

12 فبراير 2019
الصورة
مقرات الحشد قد تكون عنوان مشكلة جديدة(أحمد الربيعي/فرانس برس)
+ الخط -

للشهر الثاني على التوالي تواصل شركات مقاولات محلية عراقية عمليات توسعة وتطوير معسكرات ومقرات قديمة تعود للدولة العراقية، قبل الغزو الأميركي في العام 2003، بينها مقرات للتصنيع العسكري ووزارة الصناعة وأخرى للجيش والاستخبارات ومقران لـ"منظمة مجاهدي خلق" الإيرانية المعارضة، التي اضطرت لمغادرة العراق بعد سلسلة هجمات تعرضت لها على يد فصائل مسلحة مرتبطة بإيران خلال السنوات الماضية.
وبحسب مصادر رسمية عراقية وأخرى مقربة من "الحشد الشعبي"، فإنه يجري حالياً بناء مقرات دائمة لمليشيات "الحشد الشعبي" في الأنبار وديالى ونينوى وكركوك وصلاح الدين وحزام بغداد، شمال وغرب وشرق ووسط العراق، ضمن خطة انتشار يجري العمل على أن تكون منجزة خلال العام 2019. ولا يقع أي من تلك المقرات في المدن، بل في محيطها أو على مقربة منها. ويجري تمويل بناء وتأهيل تلك المقرات وتوسعتها بشكل كامل من خلال موازنة "الحشد" للعام الحالي، والبالغة زهاء 800 مليون دولار، وهي أعلى من موازنة خمس محافظات مجتمعة، كالأنبار ونينوى وبابل والمثنى وصلاح الدين. وتُنفذ تلك المهمة من خلال شركات محلية وأخرى إيرانية تعمل في العراق في مجال الإنشاءات والتعمير، لتكون بمثابة معسكرات أو قواعد ثابتة تحوي أماكن مبيت وساحات تدريب ومستودعات أسلحة.

وقال مسؤول حكومي عراقي، لـ"العربي الجديد"، إن رئيس الحكومة عادل عبد المهدي وافق على حصولهم على المقرات، وهي من ضمن أملاك الدولة وتعود لمؤسسات منحلة كالجيش العراقي السابق وجهاز الاستخبارات وهيئة التصنيع العسكري وحزب "البعث"، ومنها مقران يعودان إلى "مجاهدي خلق" وممتلكات لأركان نظام الرئيس الراحل صدام حسين تمت مصادرتها قبل سنوات، كالمزارع والبساتين والأراضي. وأكد أن تلك المقرات لن تقتصر على فصيل دون غيره، بل ستكون مشتركة بين كل تلك الفصائل، بناء على قانون "الحشد الشعبي" الذي أقره البرلمان في نوفمبر/تشرين الثاني 2016. وينص القانون، الذي يشمل 69 فصيلاً مسلحاً، تم تشكيل معظمها بعد اجتياح تنظيم "داعش" البلاد منتصف العام 2014 على ضوء فتوى دينية للمرجع علي السيستاني، على أن يكون "الحشد الشعبي" تشكيلاً عسكرياً مستقلاً، له قيادة وهيئة أركان وألوية مقاتلة، ويكون انتشاره في المحافظات من صلاحية القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء. ويعتبر العنصر في "الحشد" مفرغاً من كل الواجبات السياسية والحزبية والاجتماعية، ولا يُسمح له بالعمل السياسي.

وفي ديالى يجري العمل من قبل شركة إيرانية على توسيع وتطوير معسكر "أشرف"، الذي كان المقر الرئيس لـ"منظمة مجاهدي خلق"، ويقع على بعد 18 كيلومتراً من مدينة بعقوبة، العاصمة المحلية للمحافظة، ليكون مقراً رئيسياً لـ"الحشد الشعبي". وفي الأنبار هناك ستة مقرات في "الكيلو 160" غرب الرمادي وفي منطقة مناجم الفوسفات وقرب جمارك الرطبة وفي الكرمة شرق الفلوجة، والعويسات جنوب الفلوجة وفي منطقة الخمسة بيوت على طريق الفلوجة بغداد. وفي نينوى هناك خمسة مقرات رئيسية قرب الموصل وتلعفر وسنجار والبعاج وربيعة، كما يوجد مقرات في صلاح الدين، في مناطق القصور الرئاسية في تكريت وفي بيجي والصينية وبلد والضلوعية. وفي كركوك، تتركز المراكز حالياً في جنوب غرب كركوك، وتحديداً سلسلة جبال حمرين وأم الخناجر والرياض وقرى الحويجة وغرب الدبس. ويلاحظ أن قسماً من تلك المواقع مستقلة لـ"الحشد" من دون التشكيلات النظامية العراقية، والأخرى مشتركة مع قوات الشرطة الاتحادية، وهي التشكيل الأقرب والأكثر تفاهماً مع "الحشد" على اعتبار أن عناصر الشرطة الاتحادية بالأساس هم من "منظمة بدر"، التي دخلت العراق آتية من إيران عقب الغزو الأميركي، وجرى استيعابهم في وزارة الداخلية في زمن الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر.

ويتخوف مسؤولون محليون ومراقبون من وجود المقرات داخل المدن الشمالية والغربية من العراق، خصوصاً مع تصاعد الشكاوى من تدخل المليشيات بشؤون الإدارات المحلية وعمل الدوائر والمؤسسات وممارستها ضغوطاً مختلفة على عمل الشركات والمشاريع الإعمارية. ومطلع فبراير/شباط الحالي، أثار قرار نائب رئيس "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، بفتح وحدة تعرف باسم التبليغ الديني في محافظة الأنبار مخاوف السكان المحليين، فيما تصاعدت الأسئلة عن مغزى هذه الوحدة وعملها وما الحاجة لها وعلاقة "الحشد" بالتبليغ الديني وإقامة محاضرات دينية وأنشطة ذات صبغة طائفية، في منطقة من المفترض أن تكون ذات لون طائفي واحد. ونشرت وسائل إعلام محلية عراقية وثيقة موقعة من قبل المهندس يأمر فيها بفتح ما يعرف بوحدة تبليغ ديني في أعالي الفرات بمحافظة الأنبار الحدودية مع سورية.

واعتبر النائب عن محافظة الأنبار عادل المحلاوي أنه يجب ألّا يكون هناك معسكرات دائمة لـ"الحشد الشعبي" بوجود قوات نظامية وأخرى عشائرية في المحافظة. وقال، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "أهل المناطق المحررة أدرى بها، والقوات النظامية موجودة ولا حاجة لتجييش وتحشيد عسكري نحن في غنى عنه"، مؤكداً، في الوقت ذاته، وجود "الحشد" حالياً في عدة مواقع على الحدود مع سورية والأردن. وكان المحلاوي أعلن، في بيان صحافي الخميس الماضي، رفضه فتح وحدة تبليغ ديني تابعة إلى "الحشد الشعبي" في الأنبار، معتبراً أنها محاولات لإثارة الفتنة. وقال "بعد أن تم دحر عصابات داعش الإرهابية من خلال جهد جماعي، اشترك فيه جميع العراقيين، وبعد أن بدأ البلد يتعافى تدريجياً من الطائفية والفتن، نرى محاولات بغيضة، قد تكون مدعومة خارجياً من جهات لا تريد للعراق خيراً، تحاول إعادته إلى المربع الأول وإثارة الفتن والعداوات بين العراقيين، وهذا ما لا نسمح به". وأضاف "مثال ذلك هو افتتاح الحشد الشعبي لما يسمى بوحدة التبليغ الديني في قضاء حديثة غرب المحافظة، وهي محاولة ممنهجة لفرض أحادية مذهبية على أبناء الشعب العراقي الذي يمتاز بتنوعه والتي تعد مصدر قوة له".

واعتبر عضو تحالف "البناء" فاضل الربيعي أن تلك المقرات "طبيعية وتحت غطاء القانون الذي نظم عمل الحشد الشعبي"، مضيفاً، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "من الطبيعي أن تكون لنحو 120 ألف مقاتل مقرات، ويجب أن تكون على مقربة من مناطق التوتر وليس في المناطق المستقرة"، مؤكداً أن "تلك المقرات عسكرية ولن تحتك بالسكان على الإطلاق". إلا أن مسؤولين ومواطنين في مناطق شمال وغرب العراق يؤكدون مضايقات عناصر "الحشد الشعبي" وتدخلهم في شؤون المدن، الإدارية واليومية، ويحاولون فرض سطوتهم على المسؤولين، مثل القائمقام ومدير البلدية وباقي مسؤولي الدوائر وحتى أصغر الموظفين يخشونهم كونهم بالعادة يضربون ويتعمدون الإهانة، مشيرين إلى وجود حالات كثيرة من هذا القبيل، آخرها في الموصل، حيث تعرض القاضي الأول في الموصل سمير برواري إلى الضرب هو وسائقه على حاجز تفتيش تابع إلى "الحشد".

وحول ذلك، أكد المختص بالشأن الأمني العراقي عبد الحسين العامري، لـ"العربي الجديد"، أن "مقرات الحشد يمكن أن تكون عنوان مشكلة جديدة، ورئيس الوزراء السابق حيدر العبادي أفضل  في إدارة هذا الملف من الحالي"، في إشارة إلى عادل عبد المهدي. وأضاف "وجود قاعدة عسكرية للجيش وعلى مقربة منها معسكر للحشد أمر غير صحيح، وسيخلق حالة تنافس وتداخل في الخطط والقرارات. ينبغي أن تبتعد مقرات الحشد عن السكان وحياتهم اليومية، بما أن عناصر الجيش والشرطة يتولون الانتشار، والناس يتجاوبون معهم بشكل جيد". واعتبر أن "تلك المقرات يجب أن تكون داخل قواعد الجيش وفي معيتها، وقانون الحشد، الذي أقر من قبل البرلمان السابق، ارتجالي وفيه ثغرات كثيرة، والدليل أنه اليوم يستخدم حسب ما يرغب به قادته المتنفذون، إذ تم إقصاء أو تهميش فصائل معروفة بخطها العراقي وتقوية أخرى".

المساهمون