معركة سد النهضة للأمم المتحدة وإثيوبيا تتحضر لحملة مضادة

القاهرة
العربي الجديد
08 مايو 2020
+ الخط -

تُعتبر مخاطبة مصر لمجلس الأمن الدولي، لعرض تطورات قضية سد النهضة ومطالبته بحثّ إثيوبيا على إبداء روح التعاون والاستجابة للمطالبات المصرية والسودانية لعقد اتفاق تشاركي حول قواعد الملء والتشغيل، أول خطوة سياسية تتخذها القاهرة على الصعيد الدبلوماسي العالمي إزاء الملف المأزوم منذ عام 2011. لكن الخطاب الذي وجّهه وزير الخارجية إلى رئيس المجلس وأعضائه في الأول من مايو/ أيار الحالي لا يمكن وصفه بشكوى رسمية، وبالتالي لا يمكن أن تؤدي إلى فتح مسار عاجل لفضّ النزاع.

في السياق، قال مصدر إثيوبي تابع لحزب "جبهة تحرير تغراي"، المنافس الأبرز لحزب رئيس الوزراء أبي أحمد، في الانتخابات البرلمانية التي كانت مقررة في 29 أغسطس/ آب المقبل قبل تأجيلها، إن "الحكومة ستردّ بمذكرة كبيرة على الخطاب المصري" الذي أُرفقت معه مذكرة أيضاً تعرض نبذة عن الصياغة التي أعدتها الولايات المتحدة والبنك الدولي لاتفاق قواعد الملء والتشغيل، ووقّعت عليه مصر منفردة. وأضاف المصدر أن "المسؤولين الإثيوبيين يقللون من أهمية التحرك المصري، ويعتبرونه بعيداً عن إحداث أثر مهم. لكن في الوقت نفسه، بدأت البعثة الدبلوماسية الإثيوبية في الأمم المتحدة تواصلاً مباشراً وواسعاً مع عدد من الدول الأعضاء الدائمين والمؤقتين في مجلس الأمن، وكذلك مع دول كبرى معروفة بتأثيرها داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة".

بالتالي، فقد انتقل الصراع الدبلوماسي الدائر بين مصر وإثيوبيا منذ أشهر في الأروقة الدبلوماسية للعواصم الكبرى ولدى الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وفي واشنطن، إلى أروقة الأمم المتحدة للمرة الأولى، في تطور يأمل المصريون أن يفضي إلى حمل أديس أبابا على تغيير موقفها وعدم الإقدام على الملء الأول لخزان السد من دون اتفاق مسبق مع دولتي المصب. وذكر المصدر الإثيوبي أن "وزير الطاقة والري سيليشي بيكيلي، قال في لقاء مع عدد من المسؤولين المحليين أمس الأول الأربعاء، إن بلاده لن تتراجع عن بدء الملء في يوليو/ تموز المقبل، وإن كل الإجراءات التي اتُّخذت على المستوى الفني والمالي لا يمكن تغييرها في المرحلة الحالية"، وذلك في تحدٍّ جديد للموقف المصري الذي انضمّ إليه السودان أخيراً، على الرغم من أن الخرطوم ناشدت أديس أبابا أكثر من مرة في الشهرين الآخرين عدم تعقيد الموقف وإرجاء الملء إلى ما بعد اتفاق شامل، أو العودة فوراً إلى مسار المفاوضات على أساس الصياغة التي أُعدَّت في واشنطن.

من جانبها، سعت مصر في خطابها الذي لم تعلن نصّه رسمياً حتى الآن، في تعتيم إعلامي واضح غير مبرر، إلى تأكيد تعاملها بروح التعاون والحرص على إنجاح المفاوضات، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى التهديد الكبير الذي قد يؤدي إليه انسداد مسار التفاوض، ليس فقط على العلاقة بين البلدين، بل أيضاً على المنطقة بأسرها. لكن أهم ما كشف عنه الخطاب، أن إثيوبيا عرضت أن يكون الاتفاق فقط بين الدول الثلاث على قواعد الملء والتشغيل للعامين الأولين فقط، وهو ما اعترضت عليه مصر.



وجاء في الخطاب الذي وقّعه وزير الخارجية المصري سامح شكري: "إن إثيوبيا أعلنت نيتها بدء حجز المياه في الخزان الرئيسي لسد النهضة في يوليو المقبل، من دون اتفاق على قواعد الملء والتشغيل مع دولتي المصب، وهو ما يتناقض مع روح التعاون المفترضة بين أطراف تتشارك في مجرى مائي واحد، بل ويرقى إلى خرق إثيوبيا لالتزاماتها القانونية الدولية. وهو موقف ينطوي على تهديد جدي محتمل على السلم والأمن في المنطقة. حجز المياه من طرف واحد في أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا يمكن أن يسبب ضرراً أكيداً لمجتمعات دولتي المصب، ويعرّض الأمن المائي والغذائي، بل والوجود ذاته، لمائة مليون مواطن مصري للخطر، وهم الذين يعتمدون بشكل كامل على نهر النيل في معيشتهم وسبل حياتهم. إن احتمال التعرض لضرر كبير لحقوقها ومصالحها على ضفاف النهر سيكون غير محتمل تماماً لمصر".

وتابع الخطاب: "إن الملء المنفرد يعصف بالتزامات إثيوبيا تحت مظلة القانون الدولي. ومصر أطلقت مفاوضات بروح التعاون والمسؤولية مع إثيوبيا، لكن المفاوضات فشلت بسبب تعنت الجانب الإثيوبي وعرقلته للتوصل إلى اتفاق، بينما أبدت مرونة واضحة، وأظهرت نيّات طيبة بصورة غير محدودة، وأبدت التزاماً سياسياً أصيلاً للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن حول سد النهضة، بما يضمن مكتسبات إثيوبيا وحقها في التنمية، ويحمي دولتي المصب من الخطر الداهم".

وأضاف: "في ضوء فشل تلك المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا، دعت مصر الولايات المتحدة والبنك الدولي إلى مساعدة الدول الثلاث للتوصل إلى اتفاق، وقاد هذا إلى عقد جلسات تفاوض مكثفة حول القضية، ولسوء الحظ لم تحضر إثيوبيا الجولة الأخيرة الوزارية التي دعت إليها الولايات المتحدة لإنهاء هذا الاتفاق، ورفضت قبول صياغة توافقية أعدها الشركاء الاميركيون بدعم فني من البنك الدولي ووقّعت عليها مصر. بل إن إثيوبيا عرضت على مصر والسودان القبول بالخطة التي أعدتها للملء والتشغيل في العامين الأولين من الملء، لكن هذا لم يحدث حتى الآن، وفي كل الأحوال، إن اتفاقاً جزئياً من هذا النوع مرفوض تماماً، ليس فقط لأنه يتجاهل تنظيم فترة الملء كاملة، ويتناقض مع القواعد التي سبق الاتفاق عليها، ولكن أيضاً لأنه يتناقض مع اتفاق المبادئ الموقع في مارس/ آذار 2015 الذي يؤكد عدم الملء قبل التوصل إلى اتفاق شامل. إنني وإذ أعلمكم بهذه التطورات المؤسفة، فإنه يجب على المجتمع الدولي أن يشجع إثيوبيا على قبول الاتفاق الذي توصلنا إليه في مفاوضات واشنطن، والذي يحقق موازنة متكافئة بين احتياجات إثيوبيا ومخاوف ومطالب مصر".

ووفقاً لمصادر دبلوماسية مصرية، إن اللجوء بهذا الخطاب في هذه المرحلة إلى مجلس الأمن لا يتناقض مع سعي القاهرة والخرطوم لإحياء مفاوضات واشنطن، أو البناء عليها في مفاوضات ثلاثية أخرى، سواء استمر الاعتماد على وزارة الخزانة الأميركية (الأمر الذي ترفضه أديس أبابا) أو انتقل الملف إلى حوزة وزارة الخارجية (كما نشرت "العربي الجديد" في 27 إبريل/نيسان الماضي)، أو حتى جرى التوافق على الانتقال بالصياغة التي جرى التوصل إليها حتى الآن إلى مجال جديد للتفاوض على أرضية مختلفة.



وأضافت المصادر أن وزير الخارجية الإستوني يوماس رينسالو، تعهد لنظيره المصري سامح شكري، في الاتصال بينهما أمس الأول، بالعمل على حل هذه المشكلة قبل تفاقمها واللجوء إلى اتخاذ خطوات أخرى تحولها إلى نزاع دبلوماسي وقانوني، الأمر الذي لا ترغب مصر في الواقع بالوصول إليه حالياً خوفاً من المماطلة وإهدار المزيد من الوقت، بحسب المصادر نفسها، التي تقول إن الخيار الحالي لمصر هو حشد الضغوط على إثيوبيا لإعادتها إلى طاولة المفاوضات. وفي حالة تطور الأمر إلى تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، يجوز لمجلس الأمن عقد جلسات لمناقشة القضايا محل النزاع بين الدول أعضاء الجمعية وإصدار قرارات بشأنها، وكذلك إحالة النزاعات أو طلبات فتوى قانونية بعينها على محكمة العدل الدولية.

وتأتي خطوة إرسال الخطاب تأكيداً لما نشرته "العربي الجديد" نهاية الشهر الماضي عن عقد 3 اجتماعات بين ممثلين للمخابرات العامة والخارجية والري وخمسة خبراء قانونيين مصريين، جميعهم أكاديميون، للتداول في الأفكار المطروحة للتصعيد القانوني والدبلوماسي للأزمة، مثل إرسال خطابات وشكاوى للجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن وطرح إمكانية اللجوء للتحكيم الدولي.

لكن، بحسب مصدر دبلوماسي، هناك إجماع بين المتخصصين الذين تستشيرهم الحكومة على عدم نجاعة مثل تلك الحلول، والتفاوض المباشر استناداً إلى مرجعية صارمة هو الحل الأمثل للاشتباك الواقع حالياً. وتتمسك إثيوبيا بما تصفه "حق شعبها في استغلال موارده الطبيعية" بإنشاء السد وإنجاز بنائه في الأشهر المقبلة بالتوازي مع بدء حجز المياه عن السودان ومصر لملء بحيرة السدّ للمرة الأولى في يوليو المقبل بنحو 4.9 مليارات متر مكعب من المياه، وهو ما يكفي لتشغيل وحدتين لتوليد الطاقة في المرحلة الأولى التي يمكن وصفها بالتجريبية. وتروّج إثيوبيا لفكرة نكران حق مصر في أن تتداخل مع إثيوبيا في كيفية إدارة السد، إلا بعد الوصول إلى مستوى التخزين الذي يؤثر فعلياً بحصتها من المياه، علماً بأن كل توربينات السد ستكون جاهزة للعمل عند اكتمال تخزين كمية 18.4 مليار متر مكعب، ما سيؤدي إلى تناقص منسوب المياه في بحيرة ناصر جنوب السدّ العالي بشكل كبير، خصوصاً إذا انخفض منسوب الفيضان في العامين المقبلين، ليقلّ عن مستوى 170 متراً، ما يعني خسارة 12 ألف فدان من الأراضي القابلة للزراعة في الدلتا والصعيد كمرحلة أولى، من إجمالي 200 ألف فدان تتوقع وزارة الموارد المائية والري المصرية خروجها نتيجة المدة الإجمالية للملء.

وتجادل مصادر مصرية في أن إثيوبيا قد لا تستطيع فنياً البدء بملء الخزان في موعده المأمول بسبب عدم جاهزية الجسم الخرساني للقطاع الأوسط من السدّ حتى الآن، والمفترض الانتهاء منه قبل شهرين على الأقل من بدء الملء، مع الأخذ بالاعتبار إعلان الحكومة الإثيوبية أنّ السد أُنجز بنسبة 72 في المائة فقط، علماً أن مصر كانت تفضل قبل المفاوضات الأخيرة البدء السريع في فترة الفيضان والرخاء الحالية في نهر النيل.

وتتمثل النقطة الخلافية الرئيسية حالياً بين إثيوبيا والصياغة الأميركية لاتفاق الملء والتشغيل الذي وقعت عليه مصر منفردة، باقتراح ضمان تمرير 37 مليار متر مكعب من المياه لمصر في أوقات الملء والجفاف، كرقم وسط بين ما تطالب به إثيوبيا، وهو 32 مليار وما كانت تطالب به مصر، وهو 40 مليار متر مكعب، على أن يُترك الرقم الخاص بأوقات عدم الملء والرخاء لآلية التنسيق بين الدول الثلاث، وهنا يأتي الشرط الذي يغضب الإثيوبيين، فمن وجهة نظرهم يتطلب تمرير 37 مليار متر مكعب في أوقات الجفاف الصرف المباشر من بحيرة سد النهضة، وعدم تمكنها من الحفاظ على منسوبها عند 595 متراً لتضمن بذلك التوليد المستديم وغير المنقطع من الكهرباء لمدة 7 سنوات على الأقل.



ذات صلة

الصورة

سياسة

تمضي النيابة العامة المصرية قدماً في التغطية على جرائم النظام وتجاوزات أجهزة الأمن بمواجهة الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد في سبتمبر/أيلول الماضي، وذلك عبر تحويل عويس الراوي الذي قُتل في الأقصر، إلى الطرف الجاني، بحجة مقاومته السلطات.
الصورة
رحاب المقوسي- غزة (عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

مجتمع

بعد ست سنوات على الحادثة، عائلات فلسطينية ما زالت تؤكّد وجود أبنائها أحياء يرزقون في السجون المصرية، بعد أن أعلنت السلطات المصرية غرق سفينة كانوا استقلوها في 6 سبتمبر/أيلول 2014، إلى أرض المهجر في أوروبا، ووفاة ركّابها الـ450.
الصورة
أمير الكويت/سياسة/الأناضول

سياسة

خيّم الحزن على دول المنطقة، بعد إعلان رحيل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وأعلن عدد من الدول العربية الحداد وتنكيس الأعلام.
الصورة
فتح معبر رفح (عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

مجتمع

فتحت السلطات المصرية معبر رفح البري مع قطاع غزة، اليوم الأحد، في كلا الاتجاهين لسفر مئات الحالات الإنسانية من المرضى وحملة الإقامة والجوازات المصرية، وأصحاب الإقامات الخارجية، وعودة العالقين في الخارج إلى القطاع.