مظلة جامعة ضد التهديد الوجودي لشعب فلسطين

09 مايو 2020
الصورة
مع الإعلان عنها في يناير/ كانون الثاني، "نجحت" صفقة ترامب نتنياهو في يناير/ كانون الثاني في توحيد مكونات شعب فلسطين في الداخل، وذلك بتهديدها بإجراء تهجير (ترانسفير) سكاني لأبناء مدن المثلث وقراه في أراضي العام 1948، والسيطرة الأمنية والعسكرية والإدارية (السيادية) التامة على الضفة العربية المحتلة، والتحضير لنزع سلاح المقاومة في قطاع غزة.
ومع إعلان الاتفاق بينهما على تشكيل حكومة طوارئ، الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، لوحظ أن تكتلي الليكود وكاحول لفان نجحا، بغير عناء، في الاتفاق على ضم منطقة الأغوار غربي نهر الأردن إلى سيادة الاحتلال، وذلك إعمالا للصفقة الثنائية، في إجراء منفرد أباحه الطرف الأميركي لحكومة الاحتلال، وبما يؤشر إلى أن تنفيذ صفقة الاستيلاء يحتل أولوية زمنية على الأجندة الائتلافية للحكومة المرتقية.
هذان التطوران يضعان المشروع الوطني الفلسطيني برسم التصفية، بتواطؤ ودعم مكشوفين من الطرف الدولي/ الأميركي، وكما كان عليه الحال من تواطؤ مكشوف، بل من تنسيق علني وفعلي بين الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية بتسليم أرض فلسطين إلى هذه الحركة الأخيرة في مايو/ أيار من العام 1948. مع اختلاف الظروف الآن، باتت الدولة العبرية في وضع قوة إقليمية، فيما غدا شعب فلسطين أشد تمسّكا بأرضه وحقوقه، وأكثر وعياً بالمخطط الصهيوني الرامي إلى الاستيلاء على كامل أرض فلسطين من البحر إلى النهر، وفي وقت يقيم فيه نحو نصف عدد شعب فلسطين على أرضه، من مجموع أكثر من 13 مليون نسمة، هو تعداد هذا الشعب في هذه الآونة. ومع اعتراف دولي واسع النظاق بالكيانية الفلسطينية التي تعبر عنها السلطة الوطنية وتمثيلها في المحافل الدولية، بما فيها الأمم المتحدة.
وبينما يجمع المشروع الوطني أبناء الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، وهياكل السلطة الوطنية في رام الله وسلطة حركة حماس في قطاع غزة، يبقى هناك "وضع خاص" لأبناء فلسطين 
المقيمين في الداخل وراء الخط الأخضر (نحو مليون وستمئة ألف نسمة). وذلك تبعا لوضعهم "القانوني"، لكونهم في عداد مواطني الدولة العبرية ويحملون وثيقتها. ولم تمنع هذه العوائق، فضلا عن الصلف الإسرائيلي، من أن يعبّر هؤلاء عن تفاعلهم مع قضية شعبهم الوطنية، وعن الكفاح السياسي في وجه الاحتلال، وبلورة هويتهم القومية شيئا فشيئا وأكثر فأكثر، ورفعهم علم فلسطين في المسيرات والتجمعات التي ينظمونها، وفي الدفاع عن القدس ومقدساتها، وتبنّي مطالب إنهاء الاحتلال الاستيطاني والعسكري وإقامة حل الدولتين على الأراضي المحتلة عام 1967 في سائر نشاطاتهم الجماهيرية، كما تحت قبة الكنيست.
أما من جانب السلطة الفلسطينية، فإن أنظار قيادتها اتجهت دائما إلى أبناء أراضي 1948، باعتبارهم قوة حزبية وبرلمانية في الأساس، لترجيح كفة خيار السلام، وليس كجزء أصيل من المشروع الوطني، فيما ظل التركيز الأكبر من السلطة على ما عُرف بقوى السلام الإسرائيلية، وهم ممن واظب بعضهم على زيارة مقر السلطة في رام الله، قبل أن تتقلص هذه القوى وتتفكّك، وتفقد أي وزن سياسي لها في المجتمع الإسرائيلي، كما تبدّى ذلك في انتخابات الكنيست (البرلمان) في مارس/ آذار الماضي، حيث تحوّل حزب العمل إلى أشلاء قوة صغيرة، فيما تضاءل وزن حركة ميرتس اليسارية، وتحولت إلى مجرد قوة رمزية. وعليه، لم يعد هناك من يمكن مخاطبته أو استقباله، بعد أن تحولت الحياة الإسرائيلية إلى منوعات من اليمين الحزبي والديني والقومي والعلماني، فيما تنشأ علاقة تضامن وتكاتف عن بُعد، بين الممثلين السياسيين لأبناء الـ48، وبالذات الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وقيادة السلطة في رام الله.
ما يود هذا المقال الإشارة إليه هو أن الخطر الوجودي الذي يتهدد قضية فلسطين، وحقوق شعبها في الداخل والشتات، لم يجد بعد ديناميةً مناسبةً تجمع مكونات الشعب في الداخل، وتقيم عُرى كفاحية للتصدّي المشترك، أو المتناغم على الأقل، لهذا التهديد، فيما تفعل خصوصيات أوضاع المكونات الثلاثة فعلها في إقامة حواجز سميكة بينها، تجعل التفاعل يجري عند مستوى الحد الأدنى. علاوة على الصلف الإسرائيلي الذي يتربّص بأوجه التفاعل هذه كلما حدثت، وكما جرى مرّات عديدة في المظاهرات التي سارت في أراضي العام 1948، تضامنا مع القدس أو مع أي شأن يتعلق بالوضع في الضفة الغربية المحتلة، حيث قوبلت هذه المظاهرات بعنفٍ دموي، أدّى إلى سقوط شهداء، علاوةً على الاعتقالات. بينما ووجهت من قبلُ المظاهرات "اليهودية" التي تنتصر لقضية السلام في تل أبيب بمقتضى قوانين الحق في التظاهر واحترامه. وبهذا فإنه يُسمح لإسرائيليين يهود بإعلان شكل من التضامن مع الشعب الرازح تحت الاحتلال، ويُحظر على فلسطينيي العام 48 التضامن مع شعبهم ومع قضية السلام العادل. ولا يغيب عن البال أن التنكيل المتمادي بحق شخصيةٍ، مثل الشيخ رائد صلاح، إنما يعود إلى المسيرات التي قادها نصرةً للمسجد الأقصى، المهدّد بالاستيلاء عليه، وكذلك الأمر مع نواب آخرين في الكنيست اعتقلوا، أو هدّدوا بسحب حصانتهم البرلمانية.
وقد زاد الانقسام السياسي والسلطوي بين الضفة الغربية وقطاع غزة في العزل بين مكونات 
الشعب الواحد، على الرغم من بقاء بعض الروابط، مثل وجود أعضاء الفصائل على الجانبين، ومثل الاستمرار في دفع رواتب موظفي السلطة في القطاع، غير أنه من الواضح أن لكل طرف جسما قائما بذاته، وله علاقاته وتحالفاته الخارجية الخاصة به، وله كذلك خطابه السياسي، وحتى مشروعه الخاص به، على الرغم من الالتقاء في العموميات بين الجانبين. ويتعرّض ممثلو حركة فتح في القطاع لضغوط وتضييقات عليهم، وكذلك هو الحال مع ممثلي "حماس" وأعضائها في الضفة الغربية الذين يتعرّضون لتعامل مماثل. وقد منع هذا الانقسام من إجراء انتخابات نيابية ورئاسية، الأمر الذي حرم من وجود مؤسسة تشريعية منتخبة، تراقب أعمال الحكومة، وتسن القوانين التي تخدم صمود الشعب في الضفة وقطاع غزة، وتسمح بتطوير مختلف أوجه الحياة.
لا يبشّر الوضع الحالي الذاتي بإمكانية الصمود المثمر في وجه مخططات الاحتلال لابتلاع الضفة الغربية، والمضي في تنفيذ صفقة القرن. وأسوأ الإكراهات هي اضطرار عشرات آلاف العمال من قطاع غزة والضفة الغربية للعمل في إسرائيل، بينما يعمل قسم منهم في بناء المستوطنات. وكان لافتا أن السلطة الفلسطينية دعت العمال، أخيرا، إلى عدم الالتحاق بأعمالهم في المستوطنات، خشية من تداعيات تفشي وباء كورونا.. وكأن الكورونا السياسية بالعمل في مشاريع العدو على الأرض المحتلة لا تمثل سببا كافياً لتمكين هؤلاء العمال من الامتناع عن العمل في مشاريع الاحتلال الاستيطاني. يضاف إلى ذلك التنسيق الأمني الذي ربما قد انخفضت وتيرته، ولكن تحدّيات الحياة اليومية وغياب إرادة جامعة لم توقفاه.
وعليه، ليس من سبيل إلى مواجهة مشاريع الضم بغير بعث المشروع الوطني، والجمع بين الطابع الكياني القانوني والبُعد التحرّري، واعتبار سائر مكونات الشعب في فلسطين التاريخية مادته البشرية وأداته الكفاحية. وهو ما يُملي دعم التطلعات السياسية للقوى الحية من أبناء العام 1948 بأن يندرجوا في المشروع الوطني العام، تماما كما يفعل الجانب الآخر الذي يعتبر اليهود في كل مكان في العالم بمنزلة مواطنين إسرائيليين وجزءاً من المشروع الصهيوني. والبدء بالتعبير عن ذلك بإقامة نشاطات متزامنة ومتتابعة تحت عناوين مشتركة، تتعلق بالقدس أو الأسرى أو القرى المدمرة، أو التصدّي لصفقة القرن تحت مظلة وطنية جامعة وببرنامج سياسي متناغم.
تعليق: