مرآة الأنام في دار السلام (4)

16 يوليو 2020

أحسّ المنتصر في نفسه قوة تضاهي الخليفة، وأخذته العزة بالخلافة؛ فلم يحفظ لأحدٍ قدرًا ولا مكانة، وفي جملة من استخف بهم أبوه! لم يتمالك الشيخ أعصابه، وقرر تأديب ولده المتمرد، وشرع في عزله عن ولاية العهد الأولى، وتقديم أخيه المعتز.

اهتبل جيش المنتصر الفرصة، وأغراه بخلع الخليفة؛ فقتلوا المتوكل وبايعوه بالخلافة (سنة 247هـ)، وحسبوا أن لا تكون فتنة، وماجت البلاد وهاجت، واشتدت مرحلة ضعف الدولة العباسية، ضعفٌ بدأ في عهد أول خلفائها؛ أبي عبد الله السفاح، ثم ازدادت وتيرته في عهد المأمون ومن تبعه، لكن مقتل المتوكل (232 – 247هـ) كان علامة فارقة.

تهاوت قيمة الخلافة في أعين العوام، وتباينت التحليلات السياسية في تفسير تهاوي الخلافة بعد المتوكل؛ فقيل إن الخلفاء لم يكونوا على مستوى المسؤولية، وقيل إن الشِّقاق الأول بين العباسيين والعلويين قد بلغ مداه، وقال آخرون إن إهمال مؤسسة الخلافة للدعاة والنقباء له أثر قوي، لا سيَّما وأن الدعوة العباسية في مهدها (المرحلة السرية) قامت على أكتاف الدعاة والنقباء.

وتذاكر الناس دعاة العراق أمثال ميسرة العبدي، وبكير بن ماهان، وثالثهم أبو سلمة الخلال، والذي عُرف بأول وزراء العباسيين، ولقِّب بـ"وزير آل محمد"، ثم ذبحه السفاح لاحقًا، ما دفع الناس للتشاؤم من منصب الوزارة؛ فكان بعضهم يؤدي مهام الوزير ويرفض اللقب حقنًا لدمه، كما أعيدت للذاكرة أسماء دعاة خراسان السبعة، أولهم أبو عكرمة السراج مولى ابن عباس، وصولًا إلى أبي مسلم الخراساني، والذي قتله أبو جعفر المنصور.

في هذه الأثناء، ظهر على الساحة خطر قديم متجدد، توجَّب على مؤسسة الخلافة أن تتحد لتواجهه، إذ طفق الفاطميون يعدون العدة لخلافة العباسيين، ولما كانت دار السلام عصيةً عليهم، تركوا دار السلام و"الجمل بما حمل" والشرق بأكمله، وتوجهوا إلى مدينة سلمية بالمغرب ليؤسسوا دولتهم إيذانًا بطلوع الشمس من مغربها.

تهاوت قيمة الخلافة في أعين العوام، وتباينت التحليلات السياسية في تفسير تهاوي الخلافة بعد المتوكل

 

بعد قليل، سمع المعتز بمقتل أبيه، وغلبه البكاء حتى انفطر قلبه، وفكر في حال الخلافة، وجريمة أخيه الأكبر، وسأل نفسه: هل أخطأ أبي في تسميتنا ولاة عهده؟ أليس ذلك النهج بقديم في سلسلة العباسيين، ألم يُسمي جدنا السفاح أخاه المنصور ولي عهده ومن بعده عيسى بن موسى، والمنصور نفسه -والمعروف بيننا بالمؤسس الحقيقي لملك العباسيين، ونشبِّهه في قوته وحكمته بعبد الملك بن مروان الأموي- ألم يختر ولده المهدي ووضع موسى بن عيسى اختيارًا ثانيًا، وهكذا الحال في دولتنا؛ فلماذا أصابنا؟!

تراءت للمعتز صورة فاطمي ساخط، رمقه بنظرة شامتة، وقال بصوتِ العليم ببواطن الأمور "من أعمالكم سُلِّط عليكم"، ها أنتم تجنون ثمرة الطمع، وتحصدون الحنظل والزقوم، الآن تسأل يا ابن المتوكل؟! ألم يطمع جدك السفاح في الكرسي؟ ألم يقدِّم المنصورَ على عميه عبد الله وسليمان ابني علي؟ وقد كانت لهما أيادٍ بيضاء وخضراء في التوطيد لكم، وتوهمنا أن المنصور سيعدل الكِفة ويعيد الحق لأهله، لكنه آثر الظلم على الحق المبين وحاد عن الصراط المستقيم.

لم يكن المعتز في حالة نفسية تؤهله للجدل، تابع كلمات الفاطمي من باب الفضول، دون أن يعيره اهتمامًا، واكتفى بالإطراق حينًا والنظر بين عيني الفاطمي حينًا آخر، بينما يقول في دخيلة نفسه "وهل هذا وقتك أيها الفاطمي؟ اغرب عن وجهي، إن بي من الهم والغم ما يكفيني، لكنني والله لن أجاريك وإن تحدثت إلى أن يأكل الناس المرموط والخفاش، وإلى أن يصابوا بالطاعون الدبلي وكوفيد-19.

واصل الفاطمي حديثه بنبرة مغتاظة، قائلًا إن عبد الله بن علي و إخوته أسهموا في قطع دابر الأمويين، وأبلوا بلاءً حسنًا في موقعة الزاب (11 جمادى الآخرة 132هـ)، وتولى بنفسه مطاردة مروان بن محمد الحمّار -آخر خلفاء بني أمية ولُقِّب بالحَمَّار لجلده وشدة صبره في الحروب- حتى ألجأه إلى مصر، ولم يكتفِ بذلك بل أرسل صالح بن علي؛ فقطع رأس الحمَّار (في قرية "زاوية المصلوب"، وتتبع بوصير بجنوب محافظة الجيزة حاليًّا) ووضعها بين يدي السفاح، ومع كل ذلك اغتصبتم حقهم في الخلافة، والله لن نسكت، وسننتزع حقنا بأنيابنا وأسيافنا! قالها ثلاثًا ثم مضى، والمعتز لا يلوي على شيء.

بعدما أزاح أباه، قرر المنتصر عزل أخويه المعتز والمؤيد عن ولاية العهد، فضلًا عن توحيد الجيش تحت راية واحدة، وكتب إلى الولاة والأمصار مرسومًا قاطعًا لا يقبل النقض أو الاستئناف. لم يغفر جيش المعتز (المُعتزية)  خيانة المنتصر، وقرر التدخل، لم يكن قرارًا مبنيًا على نوازع أخلاقية أو تأديبية، إنما انتزاع المنتصر الحكم عنوةً أضعف موقفهم؛ فتحركهم نتيجة ميكيافيلية وبراغماتية بحتة.

لم يمتثلوا أوامر المنتصر، حافظوا على ولائهم القديم مدفوعين بطمعٍ في اقتناص الوليمة، وقُتل المنتصر في 25 ربيع أول 248هـ، لكن فشلت المُعتزية في تنصيب صاحبهم، إذ استلم العرش عمه أحمد بن المعتصم الملقَّب بالمستعين بالله، وظلت مناوشات المعتزية حتى خلعوا المستعين، وأجلسوا المعتز على كرسي الحكم سنة 251هـ (وفي بعض المصادر مطلع 252هـ).

كلَّف المعتز أحمدَ بن طولون بقتل (عمّه) المستعين، واعتذر ابن طولون عن قتل الخلفاء وأبنائهم، فانتُدب سعيد الحاجب للمهمة، وذبح المستعين في ثالث شوال 252هـ، وهو ابن 31 ربيعًا.

وصل المعتز إلى العرش بمساندة جيش ولي عهده، المؤيد، وتعجَّلت بطانة المؤيد في الإطاحة بالمعتز، وحاولوا في العام الموالي أن ينصِّبوا المؤيد خليفةً، لكن مكيدتهم بلغت المعتز فقال "أنا ومن بعدي الطوفان"، وأطاح برأس أخيه الأصغر. انفضّ جيش المؤيد تاركًا المعتز يواجه المجهول، وما هي إلا سنوات ثلاث حتى انضووا في سِلك محمد بن الواثق، وتمكنوا من خلع المعتز وتنصيب ابن الواثق سنة 255هـ.

ما هذا البيت المتوكلي؟ الابن الأكبر يقتل أباه، وواسطة العقد يقتل آخر عنقودهم، والسفينة في طريقها للاصطدام بجبل الجليد، لم يفكر أحدهم في إنقاذ "روز" أو حتى كيت وينسلت، ويبقى لغز جديد لهذا البيت، نتناوله في لقائنا المقبل.

دلالات